التحقيق في سبب إخفاق حيوانات الجيش الإسرائيلي

29-10-2006

التحقيق في سبب إخفاق حيوانات الجيش الإسرائيلي

ان كنتم من سكان مدن وقرى الجنوب اللبناني، التي تعرضت لمعارك في حرب تموز، وخاصة بنت جبيل ومارون الراس، وعثرتم على جثة كلب بين الانقاض او في ارض المعركة فلا تتذمروا كثيراً واعلموا ان بين ايديكم واحداً من كنوز الجيش الاسرائيلي: كلب من إحدى أبرز الوحدات القتالية المختارة. ربما يكون اسمه امبر او سالي او دان او روبي... كلها اسماء من هذه الوحدة ترد الآن في التقارير الاسرائيلية حول الحرب.

انها وحدة «كاية» في ذاك الجيش. لكل «فرد» فيها اسم ورمز ومكانة ولافرادها ايضاً مقبرة خاصة. بعض اعضائها بقي في ارض المعركة لان المسؤول عنه لم يتمكن من «حمله على اكتافه» ونقله الى المقبرة العسكرية الاسرائيلية لدفنه. ومنها ما دفن في ارض المعركة بعد اقامة مراسم دفن ميدانية.

هذه الوحدة المختارة والمهمة تأخذ اليوم حيزاً من النقاش الاسرائيلي حول نتائج حرب لبنان ... ليس الفشل والاخفاقات مدار هذا النقاش كما هي الحال في الوحدات الأخرى, بل ثمة من يتحدث عن انجازات.

فبعد اكثر من شهرين من الفضائح وكشف الاخفاقات وتبادل الاتهامات والانتقادات وتفاقم الصراعات وتقاذف التقارير التي لا تتحدث الا عن فشل الوحدات العسكرية، وجد الجيش الاسرائيلي وحدة في جيشه ليتحدث عنها بفخر واعتزاز.

هذه الوحدة المعروفة بـ «اللدغة»، هي بالنسبة للجيش الاسرائيلي والقيادة العسكرية وحدة عسكرية مختارة، وهي بالنسبة للجنود حبل نجاة، أنقذت حياة العشرات منهم في ارض المعركة. اما للمراقب من بعيد فهي ليست الا وحدة من الكلاب. ومن يستعيد قليلاً وقائع في لبنان، يتذكر بلا شك ان هذه الوحدة كانت ذات شأن. انها الوحدة التي تولت تنفيذ حملة «أزرق بني»، في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1988 في منطقة الناعمة، على بعد عشرين كيلومتراً جنوب بيروت، وسجلت فشلاً ذريعاً للجيش.

وبحسب ما هو مسجل في البروتوكولات الحربية، فإن الجيش قرر اقتحام مغارة في تلك المنطقة بعد ان وصلته معلومات استخبارية مفادها أن رجالاً من «منظمة احمد جبريل» (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة)، دفنوا فيها كمية كبيرة من الاسلحة والمتفجرات. وتقرر اقتحام المغارة عبر وضع المتفجرات على الكلاب. وقد استعد الجميع لتنفيذ المهمة الا ان مقاتلين من الجبهة اكتشفوا الامر في لحظة الاقتحام، ما اربك الجنود وجعلهم في حالة خوف من انفجار العبوات الناسفة الموجودة على الكلاب في لحظة مهاجمتهم من قبل الفلسطينيين. عندها اطلقوا الرصاص على الكلاب وقتلوها وولوا هاربين، وخلال ذلك قتل ضابط وأصيب ثلاثة جنود. بعد هذه العملية عانى الجنود من حالة نفسية متدهورة في حين اطلق الجيش على الكلاب لقب «متفجرات حية» ولم يخرج التحقيق الذي أجراه بأي توصية واضحة ازاء تناقض اقوال الجنود بين انهم قتلوا الكلاب خوفاً او ان المقاتلين اطلقوا عليها الرصاص، كما ادعى بعضهم.

السيناريو يتكرر اليوم عندما يجري الحديث عن تحقيق في اخفاقات الحرب. فالجنود يتحدثون بكل الم وحزن عن كلابهم التي قتلت في الحرب من نيران زملائهم. والسبب هو واحد من الأسباب التي تتكرر في كل تحقيق يتحدث عن اخفاقات بفعل «البلبلة بين الجنود وعدم التنسيق وعدم معرفة تفاصيل ما يجري في ارض المعركة». العديد من الجنود من وحدات أخرى لم يعرفوا ان هذه الوحدة رافقت الجيش وبأعداد كبيرة، فارتبك أعضاؤها عندما واجهوا افرادها، ما جعل الضغط على الزناد أسرع من أي تفكير آخر.

دان... واحد من افراد هذه الوحدة. ستكون لقضيته حصة في افادات جنود وحدة «غولاني» امام لجان التحقيق في اخفاقات حرب تموز (يوليو) الاخيرة في لبنان. فقد قتل دان بنيران احد أفراد وحدة «غولاني».

دان وهو الاسم الذي يطلق على هذا الكلب وفقا لنظام هذه الوحدة، شارك مع عشرات الكلاب في وحدة «اللدغة». وكما يؤكد الجيش، فقد كانت المرة الاولى التي يشارك فيها عدد كبير من الكلاب في الحرب. وتوقع قياديو الوحدات وقوع مواجهات مع مقاتلي «حزب الله» من خلال الانفاق او الوديان, وبمثل هذه الحالة يكون الكلب المنقذ والوسيلة الاسرع والاضمن لمواجهة العدو .

في افادة الجندي ايتي، وهو المسؤول عن دان، قال ان وحدة الكلاب انضمت الى وحدة غولاني في معاركها في بنت جبيل بعد ان اشتدت المواجهات مع مقاتلي «حزب الله». و «أوكلت للفرقة اقتحام احد البيوت الذي اثيرت شكوك حول وجود اسلحة ومقاتلين فيه. ولكن في اللحظة التي دخلت فيها الوحدة العسكرية الى البيت، ركض دان باتجاه الوادي بعد ان سمع اصواتاً». ويضيف ايتي: «ما هي الا فترة قصيرة حتى سمعنا صوت اطلاق النار واعتقدنا ان هناك مواجهات بين الجيش و «حزب الله»، لكن تبين في ما بعد ان دان اقترب من جنديين من وحداتنا، فخافا ولم يميزاه لعدم وجود علامة تميزه، وأطلق احدهما النار عليه وقتله».

وبالنسبة لأيتي، فإن قتل دان ما كان يجب ان يحدث لو لم تكن هناك حالة فوضى وعدم تنسيق، «اذ ان جنوداً من وحدة غولاني التي عملت معها وحدة الكلاب لم يعرفوا بذلك». ويؤكد ايتي، ان بعض افراد وحدته لم يعرفوا انهم يعملون مع وحدة غولاني.

في معارك مارون الراس تكررت هذه الحوادث. واكثر ما ازعج الجنود في الامر انهم لم يتمكنوا من حمل الكلب على اكتافهم والسير به لضمان عودته الى اسرائيل ودفنه في المقبرة الخاصة. وبالنسبة الى الجيش فان هذه الوحدة، على رغم كل ما واجهته من اخفاقات، حققت نجاحات كثيرة في المواجهات. وكما يدعي جنود وضباط، فان العشرات من الكلاب كانت تقتحم البيوت اللبنانية التي وضعها الجيش هدفاً لاقتحامها باعتبار انها تحولت الى مركز لمقاتلي «حزب الله»، وفي الكثير من الحالات كانت تستخدم كدروع واقية امام الجنود. وكانت تلك وسيلة ليس فقط لحمايتهم، بل لضمان مغادرة مقاتلي «حزب الله» لما توحيه هذه الكلاب من شراسة، كما تشير اليه افادات بعض الجنود.

اسست هذه الوحدة في العام 1930، أي قبل 18 سنة من اقامة دولة اسرائيل. وكانت لها مهمات عدة منها مرافقة عناصر «الهاغانا» واطلق عليها آنذاك اسم «وحدة سائقي الكلاب» وكانت مهمتها توفير الحماية للعثور على عبوات. في العام 1948 انتقلت الوحدة الى الجيش الاسرائيلي وواصلت المهمات نفسها، ورافقت الجيش في اثناء تنفيذه المجازر في القرى والبلدات الفلسطينية. في العام 1954 اتخذ قرار في الجيش بتفكيك الوحدة لأسباب عدة منها عدم الحاجة وكثرة الأكلاف وعبء الرعاية والتدريب. على مدار عشرين عاماً لم يستخدم الجيش الكلاب .الا ان ضباطاً ممن اعتادوا على الكلاب واصلوا تدريبها والاهتمام بها في شكل شخصي، ثم اقترح احدهم على الجيش مرة اخرى اعادة اقامة الوحدة. الا ان اقتراحه لم يحظ بالموافقة في حينه. لكن الجيش لم يلغ الفكرة بتاتاً وبقي على اتصال مع الضباط المذكورين حتى حرب لبنان الاولى. ففي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1983 نفذت عملية في مدينة صور تم فيها تفجير مبنى للجيش ودفن تحته عشرات الجنود الاسرائيليين. في حينه تقرر ان المنقذ الوحيدة ستكون الكلاب المدربة. وخلال ساعات قليلة وصلت وحدة الكلاب وانتشلت ستين جثة من تحت الأنقاض.

ما حققه الجيش بدعم كلاب وحدة «اللدغة» لم يحققه في تجربته مع حيوان اللاما. واللاما هو الجمل ذو السنامين الذي يعيش في أميركا الجنوبية والذي تم استيراده خصيصاً للجيش الاسرائيلي. فهذه الحيوانات تم تجنيدها للحرب وبأعداد كثيرة بحيث أوكلت اليها مهمة نقل معدات الجنود والمواد الغذائية، التي تصل الى حوالى ثلاثين كيلوغراماً لكل جندي وهي الحمولة التي تقدر عليها اللاما، والسير بها في الاراضي اللبنانية حتى الوصول الى الموقع المحدد للوحدة .

ومشاركة اللاما في الحرب كلفت اسرائيل مبالغ طائلة. وكان الهدف منها تخفيف العبء عن الجنود لئلا ينهكهم الحمل الثقيل مع السير مسافات طويلة.

في الاسبوع الاول من الحرب، وصفت مشاركة اللاما بـ «السلاح السري للجنود». مشاركتها في الحرب لم تقرر بشكل آني بل تم التخطيط لها قبل شهر من الثاني عشر من تموز، عندما تدربت الوحدة رقم «7» المختارة في الجيش على الردود على احتمال اختطاف جنود ومواجهة «حزب الله». حينها قرر قائد وحدة الجليل، غال هيرش، ان هناك حاجة ماسة لوجود اللاما لما ستقدمه من مساعدة كبيرة للجنود فتخفف عنهم عناء الحمل الثقيل، فيما يضمن قائد الوحدة محافظة الجنود على قواهم. وقد تم جلب عدد كبير من هذا الحيوان تحضيراً لأي طارئ. في الاسبوع الاول تقرر ان ترافق اللاما الوحدات التي ستصل الى بنت جبيل ومن هناك تواصل طريقها الى العمق اللبناني.

وكما يفيد احد الجنود فقد وصل عدد من اللاما وتم تحميل عدة الجنود عليها ورافقت الوحدات في طريقها الى بنت جبيل ولكن بعد مسافة قصيرة تربصت معظمها ارضاً وكل المحاولات التي بذلت لتغيير الوضع لم يجد نفعاً. عندها لم يكن امام الجنود الا حمل عدتهم (ثلاثين كيلوغراماً لكل جندي) وهو ما انهك الجنود واحدث خللاً في وصول الطعام والشراب.

سجل هذا كاخفاق في الحرب سيطرح في لجان التحقيق وسيضطر صاحب الفكرة الى الاجابة عن اسئلة عدة وعن كيف حسم ان اللاما ستكون المنقذ والمساعد للجنود؟

امال شحادة

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...