إيطالو كالفينو.. الطائر المتوحّد بنفسه

24-09-2010

إيطالو كالفينو.. الطائر المتوحّد بنفسه

كان الكاتب الإيطالي الكبير ايطالو كالفينو "1923-1985" استثنائيا بالمعنى الحقيقي للكلمة إذ أنه ابتكر أساليب وطرقا في الكتابة لم يكن يعرفها لا الكتاب في بلاده، ولا في البلدان الأوروبية الأخرى.

وربما لهذا السبب، وأيضا بسبب الشبه بينه وبين الطيور، دأب النقاد في عصره على وصفه بـ"الطائر المتوحد بنفسه". وقد كتب أحدهم عنه يقول: "لقد كانت لكالفينو القدرة الفائقة والمذهلة على أن ينتزع الأدب من كلالكاتب الإيطالي ايطالو كالفينو الأغراض الواقعية لكي يعيده إلى الشكل المتعدد والمنسي، أي الشكل العجائبي والغرائبي ببهجته المفترسة وسطحيته العميقة.

وهكذا أصبحت كتابته متعة وليست واجبا، إذ أنها تكتشف من جديد "OTIUM" الفكر".

ويضيف نفس هذا الناقد قائلا: "لقد وسم كالفينو انفتاح عالم جديد كان من الضروري معرفة أسراره وألغازه من دون أن ننسى منجزات وتحققات المستقبل. لقد رسمت كلمة جديدة كان لها زهو المحاورات الأولى في ثقافتنا، أي محاورات أفلاطون. والقوة التي غالبا ما تكون تراجيدية لخياله تدع نفسها تستسلم لخفة السخرية والتهكم. وإرادة المعرفة عنده تحتفل بأعراسها مع "المعرفة الفرحة". وكان بإمكان كالفينو وحده أن يكون أفلاطون وأرسطو في "مدرسة أثينا"، رافعا إصبعه باتجاه السماء، ومثبتا نظره على الأرض".

ولد ايطالو كالفينو في العاصمة الكوبية "لاهافانا" سنة 1923 من أب وأم إيطاليين. وبعد ولادته ببضع سنوات، عادت العائلة إلى إيطاليا لتستقر في "سان ريمو" "SAN REMO". وبعد اندلاع الحرب الكونية الثانية، وتحديدا عام 1941.

انتسب إلى كلية الزراعة في مدينة "تورينو". وقبل ذلك كان قد عشق الأدب، وشرع يقرأ بنهم كل الكتب التي كانت تقع بين يديه. والبعض من هذه الكتب سوف يكون له تأثير حاسم على نشأته الأدبية.

وعن ذلك يقول:هناك كتب قرأتها في فترة المراهقة وبداية الشباب والتي سيكون تأثيرها واضحا على ما سأكتب في ما بعد. وأول هذه الكتب واحد بعنوان: "اعترافات شيخ في الثمانين" لـ"ايبوليتو نيافو" "IPPOLITO NIEVO".

وأنا أعتبر هذا الكتاب أول رواية إيطالية في القرن التاسع عشر تمتلك جميع المواصفات الفنية التي كانت تمتلكها الآداب الأجنبية". ويضيف كالفينو قائلا بأن تأثيرات رواية "اعترافات شيخ في الثمانين" تبرز بالخصوص في روايته الأولى التي حملت عنوان "درب أعشاش العنكبوت"، وأيضا في روايته الأخرى: "الفيكونت المشطور".

وأما الرواية الأخرى التي أثرت في كالفينو في بدايات مسيرته الأدبية فهي "أمريكا" لفرانز كافكا التي يعتبرها واحدة من أعظم روايات القرن العشرين إذ أنها تصف مغامرة إنسان ضائع في العالم الفسيح، محاولا الغوص في عالمه الداخلي.

وفي عام 1943، انتسب إيطالو كالفينو إلى حركة المقاومة ضد الفاشية في بلاده. وعندما انتهت الحرب الكونية الثانية، التحق بكلية الآداب في جامعة "تورينو" ليعد أطروحة عن الروائي البريطاني من أصل بولوني، جوزيف كونراد "JOSEF CONRAD" وفي الوقت نفسه، انضم إلى الحزب الشيوعي الإيطالي، وشرع يكتب نصوصا قصيرة في صحيفة هذا الحزب، "L’UNITA". وبعدها عين مشرفا على ملحقها الأدبي.

وفي هذه نفس الفترة أصبح عضوا في "لجنة القراءات" لدى دار "EINNUPI" وهي واحدة من أكبر دور النشر في إيطاليا. وفي عام 1947 أصدر كالفينو روايته الأولى: "درب أعشاش العنكبوت". وبعد ذلك، نشر مجموعة من القصص القصيرة حملت عنوان: "الغراب يأتي الأخير".

وعن هذين الكتابين اللذين شكلا بدايته في الإبداع الأدبي، كتب كالفينو يقول: "في البداية، كنت أريد أن أكتب قصصا بحسب تقنيات ومواصفات "الواقعية الجديدة" كما كانت تسمى في ذلك الوقت.

ويعني ذلك أنني كنت أرغب في أن أكتب قصصا لم تحدث لي، وإنما حدثت لآخرين، أو أنني أتخيل أنها حدثت أو أنها يمكن أن تحدث. و"الآخرون" هنا هم الناس العاديون والبسطاء ولكنهم منحرفون إلى حد ما، ومثيرون للانتباه والفضول "...". وكنت أكتب بسرعة، مكتفيا بجمل مختصرة للغاية.

فما كنت أريد تبليغه هو نوع من النبرة الجديدة في الكتابة، وفي فن القص. وكنت أحب القصص التي تدور أحداثها في الفضاءات المفتوحة وفي الهواء الطلق، وفي الأماكن العامة مثل المقاهي ومحطات القطار حيث يتجمع الناس هكذا بالصدفة، فتنشأ بينهم علاقات تكشف عن خفاياهم النفسية، وعن انتماءاتهم العائلية والاجتماعية، وعن تقاليدهم وعاداتهم، وعن أشياء أخرى كثيرة".

ويضيف ايطالو كالفينو قائلا: "في البداية لم تكن لي غير نبذات سريعة، وحكاية في ذهني، أو صورة على الأفضل. وفي مصدر كل قصة كنت أكتبها، كانت هناك صورة تدور في ذهني. صورة لا أدري كيف ولدت والتي كنت أحملها ربما لسنوات عدة. وشيئا فشيئا أتوصل إلى تصوير تلك الصورة في قالب قصة، لها بداية ونهاية.

وفي نفس الوقت، والسياقان غالبا ما يكونان متوازيين ومستقلين، أقتنع أنها تحتوي على معنى معين. لكن عندما أشرع في الكتابة، يكون كل هذا نسبيا. فقط وأنا أكتب كل شيء يصبح في المكان المحدد له".

في عام 1951، نشر ايطالو كالفينو كتابه الثالث، وكان بعنوان: "الفيكونت المشطور". وقبل ذلك كان قد تصور أن يكون هناك إنسان مشطور إلى نصفين على مستوى الطول. وكل شطر يتحرك مستقلا عن الآخر، ويعمل لحسابه الخاص. وبعدها اختار زمن الحروب بين النمساويين وبين الأتراك العثمانيين إطارا تاريخيا لروايته.

وعن ذلك، كتب يقول: "بعد صدور "الفيكونت المشطور"، سار النقاد في طريق خاطئ معتقدين أن المقصود بالأمر هو موضوع الخير والشر. غير أنني لم أقصد ذلك بأي حال من الأحوال. فما كان يهمني من هذا كله هو الإنقسام. والإنسان المعاصر مقسوم، ومشوطر. ومشوه، وغير مكتمل، ومعاد لنفسه على مستويات متعددة.

ماركس يقول إنه مستلب، وفرويد يقول إنه "مكبوت". ثمة حالة من الانسجام القديم أصبحت مفقودة، وهناك تطلع إلى كمالية جديدة. والنوافذ الإيديولوجية- الأخلاقية التي كنت أريد الكشف عنها في روايتي هي هذه".

وعندما كتب كالفينو "الفيكونت المشطور" كانت الحرب الباردة قد باتت تهدد العالم، وكان هناك توتر مخيف يهيمن على العلاقات بين الشرق المتمثل في ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، وبين الغرب المتجسد في الولايات المتحدة الأمريكية، والمنظومة الرأسمالية، ويقول كالفينو إنه وهو يكتب روايته المذكورة، كان يعبر من دون أن يدرك ذلك، عن الخوف الذي كان يعذب الشعوب في ذلك الوقت العصيب، وأيضا عن الرغبة في التخلص منه.

بعد "الفيكونت المشطور"، أصدر كالفينو رواية قصيرة أخرى في نفس المنحى العجائبي حملت عنوان: "البارون معلقا". والفترة التي كتبت فيها هذه الرواية كانت فترة التفكير حول الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون الإيطاليون في الحركة التاريخية في وقت كانت فيه الآمال الجديدة قد بدأت تصطدم بالخيبات والانكسارات.

وكان على كالفينو أن يعالج مسألة العلاقة بين الوعي الفردي ومسار التاريخ. وهو يقول: "في روايتي هذه "يعني البارون معلقا" كانت هناك أيضا فكرة تشغل ذهني منذ سنوات عديدة، طفل يتسلق شجرة. ويظل يصعد ويصعد. ماذا يحدث له؟ وهو يصعد، يدخل عالما جديدا، وفي هذا العالم، يلتقي أشخاصا خارقين للعادة. ويظل الطفل ينتقل من شجرة إلى أخرى على مدى أيام.

وبعد ذلك يرفض أن يهبط إلى الأرض. هل كنت أريد أن أجعل من كل هذا قصة عن الهروب من العلاقات الاجتماعية، ومن المجتمع، أو من السياسة؟ لا.. ولو فعلت هذا، لكان عقلي سطحيا، ومن دون فائدة. ما كنت أريده هو أن أجعل من هذا الطفل الذي يرفض أن يسير على الأرض كما يفعل كل الناس، إنسانا ينذر نفسه لخدمة الآخرين، ومنخرطا في حركة عصره، ومستعدا للمساهمة في كل مجال من مجالات الحياة.

لكن علينا أن نعلم أن كل من يريد أن يكون حقا مع الآخرين فإن الطريقة الوحيدة لذلك هي أن يكون منفصلا عنهم، وأن يفرض على الآخرين وعلى نفسه أيضا تلك الوحدة التي عليه أن يتمسك بها في كل ساعة، وفي كل لحظة من لحظات الحياة. وذلك هو مصير الشاعر، والمكتشف، والثوري".

وفي عام 1959، ختم كالفينو ثلاثيته العجائبية التي بدأها بـ"درب أعشاش العنكبوت" بـ"الفارس الوهمي". وعن هذه الثلاثية، كتب كالفينو يقول: "لقد رغبت في أن أجعل هذه "الثلاثية" مبنية على الطريقة التي يتحقق من خلالها وبها الكائن البشري. ففي "الفارس الوهمي" هناك الطموح إلى امتلاك الكائن.

وفي "الفيكونت المشطور" هناك التطلع إلى الاكتمال رغم التشوهات التي يفرضها المجتمع. وفي "البارون معلقا" هناك طريق نحو الاحتمال غير الفرداني من خلال الوفاء لاستقلالية الفرد. وكنت أريد أن تكون هذه الأعمال الثلاثة "مفتوحة"، ومعبرة عن مفهومي للحرية".

ابتداء من أواسط الستينات من القرن الماضي، أصبح ايطاليو كالفينو يتمتع بشهرة واسعة في كامل أنحاء أوروبا، وأيضا في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان كثير السفر. وقد أقام في باريس عدة سنوات. غير أن المدينة التي أحبها أكثر من غيرها هي نيويورك.

وعنها كتب يقول: "المدينة التي شعرت أنها مدينتي أكثر من أي مدينة أخرى هي نيويورك. بل إنني فكرت ذات يوم بأن يكتب على قبري: "مواطن من نيويورك". حدث ذلك في الستينات من القرن الماضي. وحتى هذه الساعة لم أغير فكرتي رغم أني أمضيت سنوات عديدة في باريس. لكن في كل مرة أزور فيها نيويورك، أجد أنها أجمل من ذي قبل، وأكثر قربا إلى المدينة المثالية بالنسبة لي.

وربما يعود ذلك إلى أنها مدينة هندسية بلورية، من دون ماض، ومن دون عمق، وظاهريا من دون أسرار. لهذا هي المدينة التي لا تخيف مثل بقية المدن الكبيرة. وهي المدينة التي توهمني بأنه باستطاعتي أن أمتلكها وأن أسيطر عليها بالفكر".

في صيف عام 1985، كان ايطالو كالفينو يتجول في حديقة بيته متصفحا كتابا عندما سقط على الأرض ليصطدم رأسه بصخرة. وبهذا الحادث العبثي، انتهت حياة واحد من أعظم المبدعين الذين عرفتهم إيطاليا خلال القرن العشرين.

حسونة المصباحي

المصدر: العرب أون لاين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...