في كرسي اعتراف البطريرك

02-11-2013

في كرسي اعتراف البطريرك

قبل فترة وجيزة، وفي خضم انقسام البلد حول شعارات كبرى، تبدأ من الحرب لدحر الاستكبار العالمي في بيروت، ولا تنتهي بالحرب المقابلة لنشر الديموقراطية المثالية في دمشق، وفيما الكل مدرك أن تلك اللغة الكونية مجرد واجهة مكشوفة لتفاقم الفتنة الشيعية السنية، في تلك المناخات بالذات، ذهب أحد عقلاء المسلمين إلى البطريرك الماروني.

كانت بكركي لا تزال منهمكة بلقاءات أقطاب المسيحيين للبحث عن قانون انتخابات نيابية. فدار الحديث بين صاحب الغبطة وصاحب الحكمة حول تلك المسائل وتفاصيلها، إلى أن بلغ الحوار لحظة صفاء ومصارحة وشبه اعتراف. فقال السياسي المسلم للبطريرك الماروني: غداً حين تجمعون أقطاب طائفتكم من السياسيين، أرجوكم أن تبلغوهم هذه الرسالة. نحن المسلمين سنة وشيعة، نعيش في صراع على السلطة عمره 14 قرناً. ثم نحن منخرطون اليوم في هذه الحرب الفتنوية، بأكثر من مليار نسمة منتشرين في مختلف أرجاء الأرض. لذلك، رجاؤنا أن يدرك المسيحيون في لبنان خصوصاً، أن اعتقاد أي منهم أنه بوقوفه إلى جانب هذا الطرف أو ذاك سيحسم صراع تلك القرون، وهمٌ مطلق. كذلك إن اعتبار أي زعيم مسيحي أن اصطفافه إلى جانب فريق سُني أو فريق شيعي سيرجح الكفة في ميزان معركة المليار، إنما هو أكثر من وهم. صاحب الغبطة، قولوا لزعماء المسيحيين، إن المسلمين في لبنان، سنة وشيعة، ينتظرون منهم دوراً آخر، لا علاقة له باصطفاف مذهبي، بل بتأليف وحدة صف وطني... لأكثر من سبب وحجة، يبدو هذا الكلام عين الصواب. لكنه فيما يعطي للمسيحيين قيمة لا يقدرونها غالباً حق قدرها، فهو كذلك يلقي على عاتقهم جميعاً مسؤولية تخلفوا عنها طويلاً، وظهروا غالباً وكأنهم أعجز من تحملها. فمنذ قيام لبنان كوطن، كان المسيحيون حرصاء على توازنه. منذ اللحظة التأسيسية سنة 1920، كان العقل هو الغالب على العاطفة، والمنطق هو المتغلب على الأهواء. شهيرة مقولة ذلك المنتدب الفرنسي لسيد بكركي يومها: «كنت كبيراً في لبنان الصغير، أخشى أن تتحول صغيراً في لبنان الكبير»... ولم يتراجع الصرح. أصرّ على خياره الوطني أكثر، وتأكد من صحة تضحياته من أجله أكثر فأكثر. حتى نقيصة الطائفية السياسية، تلك «العورة» التي وسمت نظامنا منذ إنشائه، ولازمت حياتنا الوطنية والسياسية وخلفت كل نكباتها حنى اللحظة، حتى الطائفية السياسية نفسها كانت في الأساس مشروعاً مسيحياً لعدالة وطنية، لا لاحتكار أو استئثار أو هيمنة أقلية أو طغيان عددية. فيوم وضعت المادة 95 السابقة من دستور عام 1926، كان المسيحيون أرجحية ديموغرافية في البلد، وبالتالي كانت الديموقراطية التنافسية العادية لمصلحتهم كقبيلة سلطوية. وكانت الدولة البسيطة في قوانينها الانتخابية والتمثيلية، ستعطيهم كل الحكم وكل السلطة. لكن عقلاء المسيحيين في ذلك الوقت، أقروا مبدأ الميثاق على قاعدة الطائفية السياسية، من أجل شركائهم في الوطن بالذات، ومن أجل حفظ مشاركتهم معهم فيه. حتى قاعدة الطائفية في الإدارة، ما كانت لتتبلور يومها إلا بتلك الخلفية التشاركية ذاتها. كان لبنان إذذاك بكل حياته التربوية والتعليمية والثقافية متمحوراً حول مثلث ثابت: مدارس الإرساليات وجامعتان اثنتان، واحدة يسوعية وأخرى إنجيلية. وبالتالي كان المسيحيون، بالمصادفة وبتلقائية التطور التاريخي وحسب ومن دون استحقاق ذاتي حتى، كانوا يومها أصحاب فرصة متقدمة وميزة تفاضلية واضحة لدخول الإدارة العامة. غير أن إقرار التوازن الطائفي في جسم الدولة حفظ شراكة الوطن وتوازن جماعاته... ورغم كل ما قد يقال اليوم عن تلك الخطوات من انتقاد وتجريح وتحامل، يجب الاستذكار أن هذا الخط المسيحي لم يكن يومها صاحب أكثرية شعبية ولا شعبوية، بل كان خط العقلاء، وسياسة الحكماء، من بكركي إلى كل الميثاقيين، فاقتنص الوطن في لحظة تقاطع.
والمنطق الميثاقي العقلاني نفسه، رافق المسيحيين في كل مراحلهم. سنة 1958، كانت الشعبوية المسيحية مع أيزنهاور، لكن العقلانية المسيحية التي أنقذتهم وأنقذت لبنان، كانت مع عبد الناصر. وفي عام 1975 كانت الأهواء المسيحية مع أُحادية شعار السيادة والمعركة ضد الفلسطينيين، فيما كانت المسؤولية المسيحية، في مفارقة توزعها من الكنيسة إلى اليسار المسيحي، مع تغليب ضرورة الإصلاح والشراكة والحل مع اللبناني الآخر، قبل الانفجار مع غير اللبناني... والأمر نفسه تكرر طوال الحرب وجنونها، وطوال وصاية ما بعد نهاية الحرب ومجونها. حتى بدا الوجدان المسيحي الوطني المسؤول، واحداً من حراس الهيكل ومن آخر كهنته.
ما المطلوب من هذا الوجدان المسيحي المسؤول اليوم؟ أن يقدر على تحديد الثوابت أولاً، وعلى تجسيد تعاونها وانسجامها في دولة واحدة ثانياً. وقد يطول الكلام والتفصيل والتبويب. وهو في كل حال ضرورة. لكن باختصار، من يقدر على إعادة سعد الحريري، اللبناني لا السعودي، سليماً كريماً إلى الوطن، ومن يقدر على حفظ سلاح حسن نصر الله، اللبناني لا الإيراني، عنصر قوة لحدود الوطن، لا لخارجها ولا لداخلها، ومن يقدر على طمأنة وليد جنبلاط، بحيث يعود باب قلعته وسط الجبل، إلى أداء دوره الطبيعي والتاريخي، جسر وصل لا جسر فصل، ومن يؤمن كل ذلك من دون أن يقفل نظامنا السياسي على نهائية مأزومة، بل يفتحه على التطور صوب الدولة المدنية الكاملة... من يقدر على كل ذلك يجسد هذا الوجدان، ويستحق قيادة كل مسؤولياته. ج

جان عزيز: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...