فرقة «جين» السورية تطلق ألبومها الأول بعد انتظار

24-08-2008

فرقة «جين» السورية تطلق ألبومها الأول بعد انتظار

لم يكن في المسرح المكشوف في «مجمع دمر الثقافي» قرب دمشق، ما يسترعي قلقاً أو توتراً، على رغم ان مناسبة اللقاء «مفصلية» عند الفرقة الشابة التي تطلق ألبومها الأول. فرقة «جين» الحديثة العهد، ليست جديدة على جمهور الشباب، فأعضاؤها عازفون معروفون، عملوا في فرق عدة، ولا يزالون، واجتماعهم في «جين» ربما لا يبدو اكثر من لقاء آخر لهم. لقاء قد يكون أكثر أهمية من غيره، خصوصاً إذا عرفنا انهم كانوا يخططون لإطلاق ألبومهم الأول الذي كانت معظم أغانيه جاهزة، منذ سنة.

ولعل وجود تظاهرة ثقافية كبيرة، مثل احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، سهل إطلاق الألبوم وذلل بعض المصاعب الإنتاجية.

لكن، من جهة أخرى، لم يكن هناك مفر من التحدي، خصوصاً المتعلق بالوعود التي أطلقها بعض أعضاء الفرقة. قيلت أشياء كثيرة عن إصرار أعضاء الفرقة على ان يكونوا أقرب إلى «هواجسهم الفنية» من رغبات الجمهور. ومن العناوين التي أرادوا إثبات «هويتهم الخاصة» عبرها، اقتحام المناطق الإشكالية في تفكير مجتمعهم. في رأيهم ان «الهوية» الموسيقية التي اختاروها، والتي يشكلها الروك «بروغرسف» الأكاديمي القادر على استيعاب خيارات كثيرة في التأليف، هي أداتهم لطرح قضاياهم بلغتهم العربية، الفصيحة والمحكية.

قضايا كانت على رأسها «جرائم الشرف»، مع قصيدة لبدر شاكر السياب عنوانها «قاتل أخته».

لكن بين النيات، المطعمة بالطموح، والفعل «الموسيقي» يكون طرح الألبوم الأول اختباراً جيداً، وتحدياً لا مفر منه!

الجمهور أخذ يصفق ويهتف. أقل من ألف شخص شغلوا مدرجات المسرح، معظمهم من المراهقين الذين بدوا متتبعين جيدين لآخر صرعات الموضة، بما فيها الموسيقى، على رغم ان لا الفرقة لاحت على المسرح ولا حتى إحدى خصوصياتها المفترضة، وعلى رغم الموسيقى «الرومانس» التي علت من مكبرات الصوت جالبة موجة من الملل والنعاس في جو لا يزال الحر عابقاً به. كان يكفي ان يعبر شخص ما، أي شخص، صدفة على المسرح حتى يندلع التصفيق والصياح. بدا انه جمهور مراهق، في غالبيته العظمى، ومتلهف لصب انفعالات جاهزة، أياً كان اللحن والمغنى.

وفي أجواء كهذه، لم يشكل استقبال الجمهور الصاخب للفرقة، فارقاً كبيراً. عزفوا بداية إحد ألحان الروك المعروفة، ما شكل على استفهام الخصوصية التي أرادوها لعملهم. خرج لاحقاً مغني الفرقة شادي علي الذي كان ينتظره تشجيع «بالاسم» من جمهور يعرفه.

الأغنية الأولى في الحفلة كانت غنتها الفرقة في مناسبات أخرى. أغنية باللغة المحكية عنوانها «هنا الشام»، من كلمات عدنان عودة، جاء فيها صوت شادي، بانفعالات موفقة مع اختيار طبقات منخفضة، أوصلت الكلمات التي تحكي عن شجون شاعر مع المدينة والحب الذي تحرمه «الطائفية». وهنا شكل «التضاد» بين موسيقى الـ «روك»، ونغمات «البيس» الحادة، وبين الصوت المشجون، توليفة جيدة. أغنية أخرى هي «كوني بعيد» كتبها ولحنها مغني الفرقة، جاءت على المنوال نفسه، مع فارق ان الكلمات جاءت مشحونة أكثر، ومولفة بانسجام اكبر مع الموسيقى التي أفسحت للصوت وحاله في ان يأخذا مداهما كما يريد المغني.

أما أغنية «يا ولدي» التي اشتهرت بصوت الشيخ إمام، وهي من أشعار فتحي آدم، فجاءت متوسطة المستوى. لم يكن للجملة اللحنية، أو الإيقاعية، فيها من خصوصية مميزة، سوى ان المغني استطاع كسر إيقاع أغنية إمام، عبر التركيز أكثر على المساحة التي تتيحها قافية الكلمة التي تسبق لازمة «يا ولدي»، والتي جاءت بروي «الياء» المطواع للمد والتنويع الصوتي. أغنية موسيقاها لم تخرج عن ألحان الـ «روك» وتنويعاته المعهودة، ولم يؤثر فيها حضور الفصحى.

أي ببساطة كان يمكن توليف أغنية بلغة أجنبية واستبدالها بالعربية، ووضعها في اللحن والتوزيع نفسيهما.

لكن المحـــاولة التي لم تبد موفـــقة، كانت تقديم أغنية «يا محلا الفسحة». وأعطت الفرقة مسبقاً إشارة الى خصوصية في تقديم الأغنية عنونتها «العاصفة (يا محلا الفسحة)»، مقدمة حال العصف الموسيقي على المعـــهود في الأغنية المعروفة. لكن لم يكن في التـــوزيع الجديد «للروك» ما يقدم خصـــوصية أو لفـــتة، ربما كان هناك جانب رأت الفرقة ان من الواجب التركيز عليه. كان الأمر أشبه بسخرية مطعمة باعتداد، وكأن الـــفرقة تقول انه حتى أغاني التراث المهدهدة يمكننا غناؤها، أو للدقة «تحطيمها» في «الروك». لم تكن المشكلة في التفكيك، أو الهدم، لكن في نتيجة البناء الجديد وما يقدمه!

المقطوعات التي قدمتها الفرقة، من ألبومها الأول، بعضها له خصوصية تجربة حياتية حملها في الموسيقى، مثل «تايم» التي نقلت انفعالات أعضاء الفرقة وهم الى جوار دقات ساعة «بيغ بن» في لندن. وإلى مقطوعات أخرى، جاءت أغنية «إذا فيك تسوق» التي تحكي عن المعاناة مع وسائل النقل العامة والزحمة، وهي أغنية كان اختيار كلماتها موفقاً ليصاحب إيقاعات «الهـــارد روك» لما فيها من انفعالات قوية، وجاء أداؤها جيداً لجهة الانعطاف في اللحن والصوت من أقصى الانفعال الى الهدوء والتعب العميق المتوج بسخرية الكلمات في أداء أوبرالي ساخر بدوره.

في الحفلة، والأسطوانة الأولى، بوادر جيدة. مع التخفف من الشعارات الأولى والتحديات. فأغنية السياب «الثورية» الناقمة على التقاليد، لم تدرج في الألبوم ولم تغنّ، وبقيت مجرد حسن نية. بادرة جيدة، هي المحاولة والجهد المبذول فيها، على رغم صعوبة ان تعلق في الذهن جملة موسيقــية مميزة من كل الموســـيقى المقدمة في الحفلة. والجمهور الذي كان مستعداً سلفاً، وأفرغ انفعلاته رقصاً وقفزاً مع ألحان «الروك»، اكتظ على طاولة بيع «السي دي» بعد نهاية الحفلة. إنه «سي دي» سيؤكد ارتباطه بموسيقى يهواها سابقاً، ويؤكد له «أحقيته» في الانتماء النهائي اليها، خصوصاً انه يسمعها هذه المرة... بـ«العربي».

وسيم إبراهيم

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...