ثلاثية النسوان.. والشعب الطيب الأعراق

18-08-2008

ثلاثية النسوان.. والشعب الطيب الأعراق

خطيب بدلة:

القسم الأول: نسوان برسم التشفير

سأل أحد طلاب البكالوريا زميله على سبيل المزاح: (قولَكْ إذا ما نجحنا ما منسقط؟!).
وكان سؤاله منطقياً إلى أبعد الحدود، لأن من لم ينجح بالبكالوريا في هذا العام سقط!
نجح الشبان ونجحت البنات،.. بعض الناجحين فرحوا ووزعوا الحلويات على الناس، وزغردت أمهاتهم وأخواتهم وقريباتهم وجاراتهم، ورقصوا جميعاً على أنغام (وحياة قلبي وأفراحو)، لأن مجاميعهم ترفع الرأس، وتُدخلهم إلى الفروع الجامعية التي يفضلونها، وبعض الناجحين أنزلوا رؤوسهم إلى الأسفل لأن مجاميع علاماتهم لا تختلف كثيراً عم مجاميع الراسبين، ولا تُجلسهم عند عتبة أبواب الجامعات والمعاهد، وأما الراسبين فلم يعثر لهم على صوت أو أثر.
وكان صديقنا (س) قد غادر بلدته (ع) مُغَرِّبَاً خلف الرزق والأكسجين حتى وصل إلى إحدى الدول الغربية الاستعمارية التي قال في حق حقارتها الشاعر مئة وخمسين بيتاً، وما زالت عملية نظمه لقصيدته مستمرة حتى ساعة إعداد هذه المقالة،.. فمكث في هذه الدولة الاستعمارية الحقيرة مثلما تمكث الأشياء النافعة في الأرض، (ويذهب الزبد جفاء).. وقَيَّدَ أبناءه وبناته في مدارسها، وشرع يعاني من الغربة الروحية التي تشد الإنسان إلى وطنه، متلهفاً لسماع أي خبر عن الوطن حتى ولو كان يتعلق بمسؤول صغير يصغي إلى رأي مُخبر منبوذ، موتور، ويعمل برأيه متجاهلاً الآراء الأخرى حتى ولو كانت حصيفة ونافعة! أو يتعلق بسيارة تعرضت لحادث أليم ومات ركابها بسبب حفرة مستترة في الطريق، أو تحويلة مفاجئة لا تشير إليها شاخصة، أو اصطدمت بسيارة ابن مسؤول مدلل و(مبظبظ) يمشي بعكس اتجاه السير تحت أنظار شرطة السير!
وحينما صدرت نتائج البكالوريا اتصل (س) بأقاربه في بلدته (ع) طالباً منهم إعلامه بأسماء الناجحين والناجحات، والراسبين والراسبات، فقالوا له إن إعطاءه النتائج عبر الهاتف أمر يفتقر إلى الحكمة، وفيه مضيعة للوقت في عصر الاتصالات الكبرى الذي نعيش فيه، فإذا أراد أن يقرأ أسماءهم وتفاصيل درجاتهم ما عليه إلا أن يدخل إلى الموقع الذي يحمل اسم بلدتهم (ع) على الإنترنت، وأعطوه الرابط الذي يمكنه من الدخول إليه.
دهش (س) وصفر بفمه صفرة أجفلت زوجته وأولاده، وربما ذكرتهم بكشاشي الحمام في بلد المنشأ الذين يصفرون ويقذفون الحمام بالحجارة، فتنزل الحجارة على النوافذ وتكسر زجاجها، وسألوه عن سر الدهشة والصفير فقال:
- علي الجيرة من جيرة سيدنا محمد بمقبرة البقيع لو أعرف أن التطور التقني قد وصل إلى حد أن يصبح لبلدتنا التعبانة (ع) موقع على الشبكة الإلكترونية لأمضيت ما تبقى من حياتي فيها، فلا أتغرب مهما كانت الظروف ومهما كلفني الأمر!
ومد يده إلى الكومبيوتر المحمول، ودخل من توه إلى الإنترنت ووضع الرابط الذي أملوه عليه ضمن مستطيل البحث، وبعد قليل وجد نفسه وجهاً لوجه أمام نتائج الناجحين.
وما مضى على ذلك سوى دقيقتين حتى وقف (س) منتصباً على نحو مفاجىء مثلما ينتصب (زنبرك) كان مشدوداً إلى الخلف ثم أُفلت فجأة، وشرع يدور على عقبيه في مكانه، وزوجته وأولاده ينظرون إليه بجزع معتقدين أن عقله الذي كان قبل قليل يزن الجبال رزانة قد (طق)، وأصبح عليه العوض ومنه العوض- على حد تعبير الأشقاء المصريين.
تجمل أولادُه وزوجته بالصبر وسألوه عن سر هذه الهستيريا المفاجئة فقال:
إن الموقع المذكور قد نشر أسماء الطلاب الناجحين الذكور في البلدة فقط، مع تنويه من إدارة الموقع إلى أن نشر أسماء البنات على شبكة الإنترنت حرام!!!!!!!!!!!!!!!
قربت الزوجة والأبناء والبنات رؤوسهم من رأس السيد (س) وتجمعوا على شكل حلقة حولة شاشة الكومبيوتر المحمول وشرعوا يقرؤون التعليقات المنشورة تحت هذا الخبر، ويقول أحدها مخاطباً إدارة الموقع:
إن موقع وزارة التربية قد نشر أسماء بنات سورية الناجحات كلهن على موقعه، وبضمنهن أسماء بنات بلدة (ع)، وهذا يعني، بحسب فتواكم التي لا تمت لدين أو عقيدة أو ناموس بصلة، أن وزارة التربية آثمة.
ويقول معلق آخر، بطريقة ساخرة:
اسمحوا لي أن أنشر أسماء بنات بلدتنا الناجحات ولكن بطريقة مشفرة: ن.س.و  235 درجة- و.ك.ك 221 درجة - ر.ك.ط 156درجة - هـ.ط.س 189درجة - ب.ب.ش 166 درجة.. إلخ.


القسم الثاني: سين في البلاد الاستعمارية
صديقنا (س) الذي غادر بلدته (ع) وذهب ليقيم في إحدى الدول الاستعمارية الحقيرة حدثني في رسالة مطولة منه عن المعاملة العجيبة التي يتلقاها تلاميذ المدارس في تلك الدولة الاستعمارية من قِبَل الأساتذة والإدارة، سواء أكانوا مواطنين أم وافدين.
يقول مثلاً: المدارس هنا كالأحلام، والتلاميذ مقدسون، والتعليم مجاني بكل معنى الكلمة، وممنوع أن يبقى أي طفل خارج المدرسة مهما كانت الأسباب، وقلما تجد صفاً يحتوي على أكثر من عشرين تلميذاً. التلاميذ غير مقيدين بلباس رسمي، والأهم من كل ذلك أنه لا الأهل ولا المدرسون يستطيعون التفوه ولو بكلمة واحدة تهين مشاعرهم، فالقانون صارم حيال هذه المسألة.
يتذكر (س) حينما أخذه أبوه إلى المدرسة وقال للمعلم: (اللحم لك يا أستاذ أفندي والعظم لنا!). ويؤكد أن بعض الأساتذة كانوا لا يتقيدون بهذا المبدأ، فأحدهم ضرب أحد التلاميذ ضرباً أدى إلى كسر عظم العضد الأيمن، ومع ذلك لم يرفع الأهل دعوى ضد الأستاذ، إذ قال الأب بكل رجولة:
- لولا أن الأستاذ يريد مصلحة ابني لما جار عليه بالضرب!
أستاذ آخر ضرب تلميذاً بالكف فخرق له غشاء طبلة الأذن.
بعد هذا التذكر يتابع رسالته فيقول:
- هنا، في البلد الاستعماري، لا يستطيع الأب أن يمد يده ويضرب ولده مهما كانت الأسباب والظروف. تسألني كيف؟ أقول لك بكل بساطة إن المدارس تعلم التلاميذ الاعتداد بذواتهم، ويعلمونهم أيضاً أن القانون معهم، وأن شخصيتهم لا يجوز المساس بها، وفي كل يوم يسألوهم عما إذا تعرضوا لإهانة أو ضرب في المنزل، وإذا ما لاحظ المعلم أو المعلمة وجود علامة على جسم التلميذ أو التلميذة يسارع إلى استجوابه لمعرفة ماذا جرى له.
 والتلميذ (والتلميذة التي لا يوجد من يدعو إلى استبعاد اسمها من القوائم الدراسية لأنه محرم!) لا يخاطب المعلم بصفة (أستاذ) أو (شيخ)، أو (حضرة) أو (سيدي) أو (رفيق)، بل يخاطبه باسمه الصريح المجرد من كل الألقاب، وكأنه ابن دورته في العسكرية، وكأنهما قد تناولا معاً أكثر من مئة قصعة مخلوطة بالعدس والبصل! فإذا فرضنا أن التلميذة سلمى أرادت أن تسأل المعلم باتريك سؤالاً فإنها تقول له:
 - لماذا يكون مربع الوتر مساوياً لمجموع مربعي الضلعين الآخرين، باتريك؟
 فيرد عليها باتريك شارحاً الجواب، مستخدما اسم سلمى الصريح، من دون ألقاب طبعاً.
ويتابع (س) في رسالته: ثمة شاب من أصل لبناني اسمه "جو باسيل" أخبرني أنه كان يمزح في المساء مع ابنته وعمرها عشرة أعوام، وخلال المزاح معها قرصها من خدها. في اليوم الثاني تعرضت البنية للتحقيق في المدرسة، ومع من أنها قالت لهم إن والدها كان يمازحها  فقد استدعوا الأب والأم وحققوا معهما، كلاً على انفراد، ليعرفوا الحقيقة، ويتأكدوا من أنها لم تتعرض لنهر أو ضرب أو عدوان...
مرة ابني محمد، وهو في الصف الثامن، شاهدته معلمة الصف يعرك عينه فقامت واصطحبته إلى العيادة العينية في المدرسة، وهناك أجروا له فحوصات، ووضعوا له كمادات على عينيه. لم يكن به شيء، كان يعرك ربما بسبب النعاس. في اليوم التالي اتصلوا بي ليطمئنوا على عينه.
في مرة أخرى استدعوني إلى مدرسة ابني مروان، وهو في الصف الخامس، لأنهم اكتشفوا أن الولد يخرج من البيت إلى المدرسة بدون تناول طعام الإفطار، جلست أمامهم كما لو أنني في محكمة، المدير ويدعى المستر جورج، والآنسة كارفين، والمستشارة... نسيت اسمها، وكان ابني مروان جالساً أيضاً حول الطاولة ويشارك في النقاش، وإذ أكد لهم مروان أنه "لا يرغب بالطعام، وليس له نفس" أعتقونا، لا بل طلبوا مني أن أعرضه على طبيب حتى يستطيع أن يتناول الإفطار.
(ملاحظة: أنا وصديقي (س) الذي زودني بهذه المعلومات لا ننفي أن الدول الاستعمارية قد أهانت الشعوب الضعيفة ونهبت ثرواتها، ولكن هذا لا يمنع من أن نتعلم منها التربية، وهذه ليست سياسة، اطمئنوا).


  القسم الثالث: الأم مدرسة
أثارت مقالتنا السابقة التي تحمل عنوان "سين في البلاد الاستعمارية" لدى القراء الأكارم شجوناً وذكريات أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها طريفة وظريفة وبنت خلق وعالم.
 ففي حين أن المربين في البلاد الاستعمارية الحقيرة يعلمون أولادهم الشجاعة والاعتداد بالنفس والدفاع عن حقوقهم في وجه من يريدون اضطهادهم، حتى ولو كان المضطهِدون آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم، ترى المبدأ الأساسي للتربية في بلادنا التي تشبه الجنات على مد النظر هو العنف الذي تتفرع عنه مترادفات كثيرة، منها: الضرب، والعفس، والتعجيق، والقسر، واللوم، والزجر، والتقريع، والتوبيخ، والحجب، والمنع، والتطويع، والإذعان، والأمر، والنهي.. ومترادفات تبدو أقل عنفاً من سابقاتها مثل: التوجيه، والتعليم، والتهذيب، والصقل، والتثقيف، وحماية العقل من الأفكار الهدامة، ومحاربة الغزو الثقافي..
 في ذات يوم مضى،.. عثر كاتب هذا المقالة على فكرة لا يوجد أحلى منها تحت الشمس التي تشرق على الأرض كل يوم، وهي أن الأم التي رأى الشاعر حافظ إبراهيم أن إعدادها بشكل جيد يؤدي إلى إعداد شعب طيب الأعراق، ليست أفضل حالاً من الآباء والأعمام والأخوال والجدود والجدات والخالات والعمات، لا بل إنها الأكثر بؤساً وجهلاً بينهم، لأنها تبدأ بالتعرض للاضطهاد منذ لحظة نزولها من بطن أمها، فبمجرد ما تخرج من الرحم وهي تصيح (واع.. ويع)، تقلبها الداية على قفاها وتفحصها، وحينما تعرف أنها بنت (مصفوقة!) يكفهر وجهها، ووجوه الحاضرات من بنات جنسها، ويبدأن بتقديم التعازي إلى أمها قائلات:
- الحمد لله على قيامك بالسلامة، المهم أنها خلقة شريفة!
       ومعروف لدى الجميع أن العنف ضد البشر في البلاد غير الاستعمارية التي تشبه الجنات على مد النظر يبدأ من البيت ولا ينتهي في المدرسة وأقبية المخابرات.. وإذا كان بعض الآباء لا يضربون أولادهم وزوجاتهم، فإن واحدهم يستطيع أن يجلس في المقهى ويلف ساقاً على ساق ويتباهى على أقرانه قائلاً لهم:
 - أنا لا أضرب، ولكن تطليعة واحدة مني في وجوه زوجتي وأولادي تجعل عظام مؤخراتهم ترتجف خوفاً!
 ثم يضحك ويتهانف ويضيف: مع أن المؤخرات كما تعلمون لا يوجد فيها عظام!
 فيضحك الآخرون مسرورين من خفة دمه، وربما قال قائل له:  والله يا عمي أنت فيك لحالك!
فينتفش مثل الديك المزابلي، ويستمر في سياسته التربوية الحديثة التي تتلخص في جعل عظام مؤخرات أفراد أسرته ترتجف إلى ما لا نهاية له.
ما أردت قوله، في المحصلة، أن نظرية حافظ إبراهيم في إعداد الأم الصالحة ليست خاطئة، ولكن المشكلة تنحصر في كوننا نعدها لتكون غنمة، لا تهش ولا تكش ولا تعض ولا تخرمش، وغير قادرة على إعداد أي شيء له علاقة بالمستقبل، وإذا تصرفت في مشكلة ما، سرعان ما يتضح أن تصرفها غبي، بل وكارثي، كما في الحكاية التي أرسلها إلي الصديق (ابراهيم..) التي صيغت حواراتها بالعامية الإدلبية، وتقول بالحرف الواحد:
طلبت معلمة المدرسة من التلميذ محمد أن يُحضر ولي أمره إلى المدرسة، وبما أن الأب في العمل ولا يرجع قبل العشاء فقد ذهب محمد إلى أمه وقال لها:
- يو يام، الآنسة ضربتني.
في اليوم التالي اصطحبت الأم ابنها وذهبت إلى المدرسة، وحينما أصبحا في الداخل سألته:
- وين آنستك لاك محمد؟
قال: هاي آنستي يو يام.
ذهبت الأم إلى الآنسة وقالت لها:
- مرحبا يو خيت، ان شاء الله محمد ما عم يعذبك؟
الآنسة: طبعاً عم يعذبني، ابنك قليل أدب.
أم محمد: (منزعجة من هذا التعبير) وليش بقا واكيه؟
الآنسة: ابنك يحلف بعرض أخته، ويقول علي الطلاق بالتلاتة في الصف، هيك بيفسد أخلاق رفقاته.
أم محمد: أشو فيها إذا حلف بالطلاق وبعرض أخته؟ أبوه وأخواته كلهم بيحكوا هيك.
الآنسة: يا سلام! معناها العيلة كلها هيك.
أم محمد: أي ستي العيلة كلها هيك، وإذا ما عجبك، نحني بطلنا.
وقالت لابنها محمد:
- تعا لاك، محمد، الحقني عالدار، ما بدنا هيك مدارس ولا هيك معلمات. تضرب في حنكها الرخو وشعرا المنفوش متل شلة حرير على الشوك. وإذا كانت معلمة يعني؟ بدها تركب على طيزنا؟!
وبطل محمد من المدرسة!

المصدر: النور


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...