العظماء لا يموتون..نوال السعداوي نموذج

26-03-2021

العظماء لا يموتون..نوال السعداوي نموذج

توفيت الدكتورة "نوال السعداوي" أبرز مدافعين العصر عن حقوق المرأة في الشرق الأوسط، وقد امتدت كفاحها لعمر طويل أكثر من 70 عاما مما وضع اسمها خالدا عند العديد من الأجيال خصوصا المتطرفة منها التي شربت الفكر الوهّابي العنصري والديني الطائفي، الذين شبّ جميعهم على أفكار امرأة متمردة عنيدة على قيم وأعراف وتقاليد مجتمع متخلف قرووسطي يعامل الأنثى كما يعامل الجارية، ويرى النساء كما يرى السبايا في الحروب.
لقد أثمر كفاح نوال السعداوي عن إنشاء" المجلس القومي للمرأة" عام 2000 ، وذلك بقرار من السيدة الفاضلة "سوزان مبارك" كإجراء تاريخي بعد عام واحد من نشاط السعداوي وزميلاتها في إحياء مئوية قاسم أمين ، أحد أعظم وأشهر مفكري الرجال نصرةً لقضايا المرأة في هذا العصر، وقد كنت وقتها فردا من الإخوان المسلمين لا يملك الوعي الكافي لفهم ما يحدث، ولكني أتذكر جيدا حين كان يشتمها قيادات وعناصر الإخوان والسلفية من حولي بأقذع الألفاظ لدرجة اتهامها بالدعارة وأن ما تدعو إليه حقيقة هو كل ما يدعو للشذوذ والعُري والإلحاد..إلخ، وأن المجلس القومي للمرأة هو مجلس ماسوني ملحد يدعو للكُفر والتحلل من الشريعة السمخاء، ولأني شخص مُسالِم منذ نعومة أظافري لم أشترك في تلك الحملة الهوجاء لكني راقبت وتعاطفت قلبيا مع كل دعوة لنصرة الإسلام سلميا..
كان ظهور السعداوي مرافقا بشكل دائم لأي تغيير قانوني في أحوال المرأة، فمنذ قوانين الأحوال الشخصية عام 1977 م (مشروع جيهان) حتى عام 1998م (مشروع سوزان) وكان حضور السعداوي قويا لإقرار حق المرأة في الأسرة والمجتمع والزواج..حتى أثمر ذلك على إقرار الدولة حق الخُلع للزوجة..ذلك القرار الذي هاجمه الشيوخ وقتها بكل بلاهة تعبر عن ضيق أفقهم وعنصريتهم الذكورية وجهلهم حتى بالشريعة التي ينادون بها، فقد كانوا يحتجون على فساد قانون الخلع بأن رباط الزوجية لا ينبغي أن تفكه المرأة بل ينبغي موافقة الزواج واستندوا على قوله تعالى " فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما" [البقرة : 233] ونسيوا أن نفس الآية تمنع حق الطلاق أيضا على الرجل وحده سوى بموافقة الزوجة..فكان ظهورهم غبيا ولا زال كلما يتعلق ذلك بحق من حقوق الأنثى في المجتمع.
عملت السعداوي على تأسيس اتحادا نسائيا قويا ليصبح نواة مقاومة الشيوخ والكهنة بصفتهم أكثر عناصر المجتمع تحريضا على المرأة وبخسا لحقوقها باسم الأديان، وقد أفرز هذا الاتحاد على حركات نسائية وتياراً فكريا يشرح ويحلل قضايا المرأة للمجتمع، ويُقرّب مظلوميتها للعامة..وأن تلك المظالم لا ترضي الله سبحانه وتعالى..وأن ما يدعيه الشيوخ من شريعة تقهر المرأة وتظلمها هي قوانين ظالمة متعسفة ظلت حكرا بأيدي الرجال والنافذين طيلة قرون، وأنه من حق المرأة العاملة أن تتساوى مع الرجل ما دامت تعمل مثله، وقد ساعدت تلك الحركات أحوال المجتمع المصري الفقيرة التي دفعت نسائه للعمل في المصانع والمزارع جنبا إلى جنب مع الرجال مما أعطى الحجة القوية لهن في طلب المساواة التي كان يمنعها الفقهاء قديما بدعوى الإنفاق..أما الآن فقد أصبح الإنفاق لا يعرف ذكرا من أنثى، وصارت ملايين النسوة ينفقن على أسرهن كما الرجال ويصارعن الحياة ومشقاتها بنفس القوة والصمود.
كان أبرز ما يميز السعداوي هي "ثقتها بنفسها" فلم تضعف يوما أو تخِرّ في وجه المتشددين والإرهابيين الذكوريين الذين كانوا – ولا زالوا – يُرهبون أي مدافع عن حق المرأة بدعوى الإلحاد والتحلل من الأخلاق والفضيلة، وأذكر كلمة لها في التلفزيون لم أنساها في منتصف التسعينات حين قالت للمذيع "أنا أفهم في الدين الإسلامي أحسن من الشعراوي" فقاطعها المذيع وقد كان الشعراوي حيا وقتها وفي عنفوان قواته ونفوذه الشعبي والإعلامي..لكن جرأة نوال وثقتها بنفسها وردودها الحكيمة الواعية على المذيع أبهرتني فعلا حتى دفعت للصمت قليلا من بلاغة الحجة، فحين قاطعها المذيع ردت وقالت " أن الشعراوي ليس إلها ولا نبيا وهناك من يفهم في الدين أكثر منه" فقال المذيع: ماذا تقصدين بالضبط؟ قالت :" كلمتي معناها أن الشعراوي ليس إلها ويجوز الاعتراض عليه وتصويبه" انتهى.
من حُسن لسان نوال أنها لم تترك فرصة لأعدائها بالنيل منها في أخلاقها ولسانها، فلم يتهمها أحد بفُحش اللسان أبدا..ولكن اتهموها ب (فُحش الأفكار) والفارق أنها نجحت في حصر معاركها مع الشيوخ ورجال الدين في (الأفكار) فقط لا الشخوص، وبما أن فئة رجال الدين لا تفكر في الغالب فلم ينجحوا في مجاراة حججها القوية والصريحة والجريئة في حقوق المرأة، ولم يجدوا سوى اتهامها بالعمالة للغرب والاستعمار والماسونية..إلخ من تهم دارجة على ألسن المشايخ لأي من يعارضهم ذكرا أو أنثى، لكنه وبما أن نوال امرأة فجريمتها لديهم صارت مركبة..فهي أولا: تطعن فيهم وتخالفهم..وثانيا: هي امرأة، والعُرف الشعبي السائد لدى المجتمع الذكوري أن قوة المرأة يعني امتهانا للرجل بالأصل..ومن تلك الزاوية شعر الفقهاء بالامتهان.
لقد ناضلت السعداوي لتوعية المجتمع بحقوق المرأة في كل شئ تقريبا، فقد تحدثت في الجنس..هذه المنطقة المحظورة لدى العالم المتخلف، لكن جرأتها مكّنتها من خوض غمار هذا العالَم الذكوري البحت لتصبح أول امرأة تتحدث بالعربية تكتب مؤلفا في الجنس فخرجت بثلاثية الجنس "المرأة والجنس" و "الرجل والجنس" و " الأنثى هي الأصل" التي صدرت وشاعت هذه الكتب في عز اكتساح الوهابية للمجتمع المصري مطلع السبعينات، وقد كانت هذه الكتب ثلاثة قنابل (علمية) انفجرت في وجه المشايخ مبكرا ليعلموا عن امرأة ثائرة متمردة تتحدث بالعلم والمنطق وتكتب الكتب والمؤلفات، وقد تسببت هذه المؤلفات في نقمة المجتمع عليها بتحريض مباشر من الفقهاء ورجال الدين..علما بأن ما كتبته السعداوي لا يختلف عن ما كتبه السيوطي من قبل سوى أنها أقرت حق المرأة في المتعة الجنسية..وأن ختان الأناث تتجاوز أضراره فقدان هذه المتعة ليصل للإضراء بصحتها النفسية والجسدية.
ويالها من كارثة أن تتحدث امرأة عن الجنس بهذا الوضوح من جانب حقوقي أنثوي..!..إنها جريمة صارت ثلاثية، ففوق أنه اعتراض وطعن صريح في علم المشايخ..وفوق أن السعداوي امرأة..هو أيضا يطلب مساواة المرأة بالرجل في حقوق الفراش والزوجية، فكانت صرخة أنثوية في فضاء ذكوري يعلنها صريحة مدوية عن أنانية الذكور وجهلهم بطباع المرأة ونفسيتها..حتى أن بعض المثقفين الكبار لم يصمد أمام هذا الوضوح فوصفها جورج طرابيشي أنها "أنثى ضد الأنثى" وكأن المطلوب عند طرابيشي من السعداوي أن تستسلم لذكورية المجتمع الفاضحة في كل شئ وتقنع بأن منعها لحقوق الميراث والولاية والمتعة هو عين العدالة، ولا زال مسار طرابيشي مؤثرا في مجتمع المثقفين الذي يرى السعداوي بنفس الصورة التي يراها بها المشايخ..!
لقد أثرت السعداوي في مثقفين كبار كفاطمة المرنيسي وعبدالله الغذامي في تبني حقوق المرأة ولو بشكل مختلف عن الذي نادت به السعداوي، فكتب الغذامي "المرأة واللغة" و "ثقافة الوهم" و "تأنيث القصيدة" في محاولة لتوعية القارئ أن ذكورية المجتمع مصدرها اللغة العربية نفسها لا الدين، وأن الدين محايد في هذه المسألة ولا يرى أفضلية جنس على آخر، وما وصل إليه هذا التيار الثقافي أن هيمنة الرجال مصدرها السياسة والمجتمع لا الدين والآلهة، فالله لن يرضى بجزء صغير من الظلم لإنسان مثلما لا يرضى بأن تُقهَر المرأة وتُظلَم ويُبخَس حقها بدعوة جنسها وعضوها التناسلي، وهو أمر لا إرادة لها فيه ويعني في مضمونه احتقارا وعنصرية لمجرد الخِلقة لا دراية لهم بسعادة المرأة بأنوثتها مثلما يفتخر الذكر برجولته وفحولته..وتلك الأمور كانت ولا زالت سمة تميز الفقهاء في مصنفاتهم حين يصنفون في أبواب مخصوصة سميت ب "فقه المرأة" الذي لم يكتب فيه الإناث بل كان ولا يزال حكرا على الرجال..
إن القارئ في ما يسمى فقه المرأة - وهو اتجاه إسلامي متأخر ردا على دعوات الحداثة وتحرير النساء – يلمس حرصا شديدا من الفقهاء على تقرير حقوق الإناث وحصر مقررات تلك الحقوق ومعاييرها لدى الفقهاء الذين يجب أن يكونوا ذكورا لعوامل الاختلاط وغيرها مما هو مسموح للرجال..وهنا كانت ثورة السعداوي الأساسية التي انتفضت على هذا الحق الجبري والاحتكاري المسروق للرجل في تقرير حق الأنثى، فمهما بلغ الرجل علما من دينه لكنه يظل يفكر كرجل..وبالتالي فما يسميه الشيوخ "فقه المرأة" هو في حقيقة الأمر "فقه الرجل عن المرأة" لا وضع المرأة نفسها في الدين والأخلاق والفضيلة.
لكن هذا لم يعجب الشيوخ فأفتى الشيخ "نصر فريد واصل" بكفرها وردتها بمجلة آخر ساعة العدد رقم 3470 لا لأنها تركت الدين وأعلنت عبادتها للأصنام والإلحاد كما يزعمون..ولكن لمجرد أنها تريد مساواة المرأة بالرجل في الفقه وقوانين الأحوال الشخصية، وظلت تناضل لذلك عدة عقود، فهي التي كتبت ضد الحجاب وحذرت من فرضه بالقوة إبان مشروع السادات والإسلاميين بفرضه على المجتمع، وانتفضت حين أقرت جامعة الأزهر فرضية الحجاب على بناتها في منتصف الثمانينات ، ورأت نوالا أن ما حدث في جامعة الأزهر هو ثورة إسلامية أشبه بثورة الخوميني الإيرانية ستنقل تدريجيا للشعب المصري ويصبح الحجاب إلزاميا..
كما كتبت ضد تعدد الزوجات والمادة الثانية من الدستور، ولمن لا يعلم فهذه ثوابت عند الشيوخ يعني القرب منها الكفر والوثنية، فالشعب المصري قبل المادة الثانية كان كافرا بزعمهم ثم أصبح مسلما..لكن نوالا رأت أن تلك المادة من عمل السياسة، وثمرة تحالف السلطة مع الإسلاميين مطلع السبعينات..فسجلت نفسها ليست فقط كسنوية ولكن كحقوقية رأت أن إصلاح المجتمع يسير بالتوازي بين عمل السلطة الرشيدة وتجديد الفقه الديني معا، وهو منهج نوال منذ أن بدأت بالكتابة الأدبية في الخمسينات حتى وفاتها اليوم 21 مارس 2021 لتموت في أعظم يوم أنثوي بالتاريخ البشري وهو (عيد الأم) وكأن القدر كان يكافأها على نضالها التاريخي لتموت في أكثر الأيام قُربا إليها مع يوم المرأة..
وأختم هنا بأن موقف السعداوي من الحجاب كان سبّاقا ليُلهم الآلاف من نسوة الجيل الحالي بترديد وذكر أفكارها عنه، فقد كانت تعلن بشفافية أن الحجاب هو "حجاب القلب والعقل" لا الخرقة البالية التي تضعها المرأة على رأسها، وكانت تقصد بهذه الكلمة أن (عفة المرأة لم تكن في أزيائها يوما بل في قلبها وعقلها، ونفس الشئ ينطبق على الرجال الذين لو أرادوا العفة سيكون ذلك منبعه العقل والقلب لديهم ولا دور للحجاب بالمسألة) وكأن السعداوي كنت تمهدة لفكرة عدم مسئولية المرأة عن التحرش الجنسي بها، وأن المسئولية الأولى والأخيرى تقع على المتحرش مريض القلب والعقل بالأساس، وهو ما أثبتته التجارب في أيامنا هذا بانتشار التحرش الجنسي ضد المنقبات والمحجبات..بل وصل للأطفال الصغار في كوارث لم تراها السعداوي في بداياتها الفكرية بهذا الزخم الفاضح..لكن ذكائها وعبقريتها أهّلوها لرؤية المستقبل بعين الفيلسوف المبصر والمُحقق لجذور المشكلات..
هذا المقال ليس لرثاء أو تأبين نوال..فهي خالدة لن تموت ، وما صنعته من جيل مفكر سيبقى أبد الدهر شاهدا لها على إنجازها وعبقريتها ليوضع إسمها بجوانب عظماء التاريخ، وما تقلته من لعنات وتكفير وتهديدات في الدنيا سيعوضها الله عنها في الآخرة، ولا تهمني عقيدة نوال لكني أراها من المُحسنين الصابرين الذين تصدوا للظلم والطغيان بالقدر الذي يجعلها من الصالحين..فهي لم تقتل ولم تسرق ولم ترتكب أي جريمة سوى أنها رفضت ظلم المرأة، وبدلا من مكافأتها على هذه السيرة يلعنوها الشيوخ ويشمتون في موتها وينصب عليها غضب الجماعات تلك الأيام فرحة وسعادة وتشفيا في انقضاء أجلها ..وكأنهم الخالدين إلى يوم القيامة..

 

د.سامح عسكر: الحوار المتمدن

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...