أدونيس بين اسمه الإعلامي ومنجزه الإبداعي

05-02-2011

أدونيس بين اسمه الإعلامي ومنجزه الإبداعي

كاظـم خليـل: إلى أي مدى يمكن القول : " إن المشهور جدا ً ...  مجهول جدا ً .؟!"

-    هل يصح القول ؛ إنه كلما انتشرت الوسائل الإعلامية للثقافة ... زاد معها الجهل بالثقافة..!
-    وهل يصح  ؛أنه كلما زادت وانتشرت شهرة النظريات النقدية والعلمية ... زاد معها الجهل بقراءتها .!
ثم َّ ... هل؛ كلما زادت الوسائل والتقنيات الحديثة للتعلم والاتصال ... انتشرت فيه الأمية القرائية والسمعية والبصرية ..؟!

في البدء كان السؤال .؟!
ومن السؤال نبدأ :

-    ترى ؛هل يُشكـِّل ( إسم أدونيس الإعلامي ) حجابا ً على ( منجز أدونيس الإبداعي )..؟!
وإلى أي مدى ..؟!

سؤالٌ لطالما يتبادر إلى ذهن الناقد أو القارئ المتابع للمشهد الثقافي العربي في علاقته مع المنجز الإبداعي بشكل عام، وفي علاقته مع هذا المبدع ( أدونيس ) بشكل خاص .!

-انطلاقا ً من السؤال الإستبياني – الاستكشافي لهذه العلاقة ، ترى بماذا سيجيبنا ( أدونيس ) نفسه ، إذا ما وجهنا إليه هذا السؤال .؟!

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال نقرأ كلام أدونيس في حواره مع صخر أبو فخر ، حيث يقول : (( عذابي الأعمق؛ هو أنه قلما وجدت من يفهمني الفهم الحقيقي . إسمي معروف كثيرا ً ومنتشر كثيرا ً، لكن الذين يفهمونني قلّة صغيرة جدا ً.وهذا الأمر يعذبني كثيرا ً كثيرا ً في أعماقي ، والعذاب كامن ٌ في أنني أعرف. أنت تعرف وتشعر أنك تسير في اتجاه النور لكن كل من ينظر إليك يصفك بأنك سائر في اتجاه الظلام . وهذا أكثر شيء معذِّب )). ص : 164 – ط1- 2000 المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

وفي الكتاب الصادر مؤخراً (أحاديث مع والدي أدونيس‏) عن دار الساقي والمترجم عن نسخته الفرنسية الأصل ،يعترف أدونيس في حواره مع ابنته التشكيلية ( نينار ) قائلاً  :
‏(( بعد خمسين عاماً من الكتابة يمكنني التأكيد أن شعري مازال بانتظار قراءته ، ليقرأ على نحو أفضل)).

ولعل السؤال المستغرب – الذي ينهض هنا بعد قراءتنا لكلام أدونيس هو :
- أين تكمن المشكلة إذن .؟!
- هل تكمن المشكلة في ( القارئ) أو (المقروء ) أو في كليهما ..؟!

لقد ظهرت نظريات كثيرة ( من البنيوية إلى ما بعدها إلى موت المؤلف إلى التفكيكية، و قد برزت نظريات خاصة بالتلقي وجمالياته وآليات القراءة ...إلخ ) لكن المشكلة – فيما يبدو – ما تزال على حالها ..!!
كلٌّ في واد ، المؤلف في واد والقارئ في واد ،والنص في واد آخر  ..؟!

هنا في هذه المقالة محاولة لطرح المشكلة – من جديد- لكن مع عدم الإدعاء بتقديم حل لها
فلعل في إعادة (طرح المشكلة ) ما يُثير في نفوس البعض ... رغبة ً ما - في السعي إلى اقتراح (نقول اقتراح ) بالسعي للبحث عن حل ما . في عصر- يبدو - أنه كلما زادت فيه شهرة النظريات ... زاد معها الجهل بقراءتها .؟!
وكلما انتشرت فيه الوسائل الإعلامية للثقافة ... زاد معها الجهل بالثقافة..؟!
وكلما زادت الوسائل والتقنيات الحديثة للتعلم والاتصال ... انتشرت فيه الأمية القرائية والسمعية والبصرية ..؟!

  بعد صدور العمل الرقمي الفيلمي ( أدونيس ... سياسة الضوء) للباحث المخرج فداء الغضبان
مرفقاً مع عدد يناير الماضي من مجلة دبي الثقافية ، ظهرت عدة مقالات نقدية عن العمل وكانت دراستي منها ،و المعنونة بـ ( القصيدة الضوئية ... من فيزياء المفهوم إلى كيمياء الرؤيا ) قراءة نقدية في (أدونيس ... سياسة الضوء) لفداء الغضبان .وقد نُشرت الدراسة في عددٍ من الصحف والمواقع الإلكترونية .ومن ضمن المقالات التي شارفت العشر حتى الآن، أثارت انتباهي مقالة بعنوان : )عند موتي احملوني كأنّي كتاب ..أدونيس يكتشف سياسة الضوء.. بالكلمات) للأستاذ الصحفي زيد قطريب . والحقيقة أن الكتابة أو المقالة على قصرها ، فقد أعادت – في نفسي - إثارة السؤال الأول الذي بدأتُ فيه مقالتي :
هل " أن المشهور جدا ً ...  مجهول جدا ً .؟!"
 بالإضافة إلى بقية الأسئلة الأخرى السالفة . فعمدت إلى كتابة تعقيب مختصر على المقالة المنشورة في الموقع الإلكتروني لصحيفة تشرين الرسمية وأرسلته عبر الزاوية المخصصة للتعقيبات، وفي اليوم الثاني أو الثالث ، عدت إلى المقال لأرى إن كان تعقيبي قد نُشر؛ فوجدت المقال محذوفاً. وعندما حاولت الدخول إليه من عدة روابط لم أتمكن، ثم أكتشفتُ فيما بعد- أن المقال منشور في موقع الكتروني آخر ،بعد حذفه من موقع جريدة تشرين، ففوجئت لهذا التصرف ..!! الذي يتنافى مع الأعراف الأدبية والمهنية التي تُجيز لكاتب ما حق أبداء الرأي، وتمنع عن آخر حق الرد أو التعقيب .؟!
فقررت كتابة هذا المقال.

هنا محاولة للإعادة قراءة مقال السيد زيد قطريب و( التبصُّر) فيما طرحه مقاله من أفكار،وذلك لاعتبارات كثيرة أهمّها :

-    لأنني أولا ً: معني بهذا العمل الرقمي الفيلمي ( أدونيس سياسة الضوء ) كونه يتقاطع بل يتكامل مع مشروعي الفني التشكيلي الذي أعمل عليه.
-     وثانياً  : لأنني أعتقد - أن مقال ( السيد قطريب) هو بشكل من الأشكال ؛ بمثابة رد تقريري - غير مباشر على دراستي المنشورة عن العمل  .
-    ثالثاً   : لأمرٍ يتعلق بملاحظاتي الشخصية ،على ما  يُنشر في الصحافة العربية من كتابة - تتسَّمى – بأسماء النقد التشكيلي أو النقد الفني ... بعامة – والذي يبدو أن      ( مقال السيد قطريب) يمثِّلُ على نحو ما (عينة نموذجية) عنها .

-عن المقال:
"أدونيس يكتشف سياسة الضوء.. بالكلمات"(*)

 لا تبدو صفة التسرُّع خاصة بعنوان كتابة ( السيد قطريب )  فقط ، بل يظهر أن التسرع هو كلٌّ متكامل ،لموقفه الكتابي ، ونظنُّ – وإنَّ بعض الظن إثم – أن التسّرع بدأ بالمشاهدة  ، وكان قبلاً مهَّد له الحكم السلبي المسبق ،فانتهى نتيجة ً إلى التناقض – كي لا نقول- المغالطة .!
  
   ولعل أبرز ما يتسم به مقال : (أدونيس يكتشف سياسة الضوء.. بالكلمات )
 للسيد قطريب هو :

1-    الرأي الصحفي المتسرع.
2-    الحكم السلبي المسبق .
3-    انتفاء اللغة التحليلية واعتماد اللغة التقريرية ،المتعالية على المنهج والتجربة.
4-       التناقض (البنيوي) للأفكار والمضامين، والنتائج.
      
-فمن العنوان العريض لرأي الأستاذ الصحفي ، يُخبرنا : أن " ...أدونيس يكتشف سياسة الضوء.. بالكلمات! " لتتأكد لنا المشاهدة المتسرعة كنتيجة لاختيار هذا العنوان .؟!
فلنسأل أولا ً- مع القارىء – المشاهد : هل أن أدونيس هو( صانع العمل أي : مخرجه ) حتى (يكتشف سياسة الضوء)  أم أنَّ له ( صانعاً آخر ) هو الذي ( اكتشف ) ذلك؟!
 إننا – فيما نعلم عن مُنجز أدونيس الإبداعي – لم نعرف أن أدونيس كان قد (أخرج فيلماً) من قبل .؟!!
ذلك أن ( مُنجز أدونيس ) هو (عينة البحث الميداني ) بيد صانع العمل وليس العكس ، فمُنجز أدونيس هو ( المبحوث ) وصاحب العمل هو ( الباحث ) لذا يرجى الانتباه لهذا الأمر من قبل السيد قطريب ومن غيره .!
 -وإذا كانت بهجة القارئ وسعادته ( كما يذكر السيد قطريب ) "أن يمسك خطأ لغوياً يقع فيه أدونيس أثناء الإلقاء ..!!"دون تحديده طبعاً!!- فماذا نقول عن سعادات القراء حين سيكتشفون أخطاء التسرع والتناقض والأحكام السلبية المسبقة – والتي لا تستند إلى أي معيار نقدي ،ودون أي تحليل ، والمثبتة هنا في كتابته الصحفية المتناقضة التي : (تريد أن تذم ...  فتمدح ، والتي ترجو التحليل ... فنراها تلقي أحكاماً قاطعة ، نهائية ، منزَّله، والتي تريد أن تعلل ...  فتستكبر على المنهج والتجربة ).
هذا على مستوى ، وعلى مستوى آخر؛ أعتقد؛ أن من يَتنطَّعُ للقول : " سيبتهج القارئ... وربما سيشعر بالسعادة أكثر وهو يمسك خطأ لغوياً يقع فيه أدونيس أثناء الإلقاء، وهو موجود بالفعل" ...إلخ
كان عليه أولا ً: أن يُخلِّص ( مقاله ...!! ) من الركاكة اللغوية والصياغة الإخبارية التقريرية – وعلى فرض أنَّ هاتين الصفتين هما من صفات أسلوب الكاتب ، ألا ينبغي – وهو أضعف الإيمان - أن يُخلِّص مقاله من الأخطاء الإملائية والنحوية .؟!– ( وهي موجودة بالفعل ) – ولا ندري إن كانت منه أو من منضِّدد المادة ؟!... ولكن َّ الأمر سيان - طالما أنه يتنطَّع لكشف الأخطاء اللغوية لقامة إبداعية مثل ( أدونيس ) ..؟!!

واستدراكا ً ( لبهجة القارىء !! ) التي يَحرص عليها (السيد قطريب ) حيث يكتب: "سيبتهج القارئ وهو يستمع إلى مقطوعات شعرية يلقيها الشاعر وهو يمشي في الطبيعة أو بين الغيوم، ..إلخ ))
-    فهل يعلم ( ناقدنا ) لماذا (( يمشي أدونيس في الطبيعة أو بين الغيوم )) ..؟!
-    لماذا لا يمشي على أوتوستراد المزة .؟! أو في الشانزليزيه مثلاً ..؟!!

   في القصيدة التي يُشير إليها ( السيد الصحفي ) وهي ( أول الشعر )، يمشي أدونيس ( بين الغيوم ) لأن تحليل ذلك مذكور في ( القسم الثاني ) من دراستي ( القصيدة الضوئية ... من فيزياء المفهوم إلى كيمياء الرؤيا ) والتي نُشرت بالتزامن مع صدور( المختارات) من العمل ( أدونيس سياسة الضوء ) في أكثر من عشر صحف وربما أكثر من عشرة مواقع إلكترونية.  وللمصادفة التاريخية- فقد أفردتُ لهذه القصيدة- تحديدا ً- تحليلاً شاملاً . وما أرجوه من ناقدنا؛ أن يتكرم بقراءة دراستي المتواضعة - مرة ثانية ؟!
لعله... يرى ... فيبصر...  لماذا أقترح السيناريو الخاص بهذه (القصيدة الضوئية ) أن يقوم أدونيس بالمشي بين الغيوم .؟!!
وما علاقة ذلك ببنية النص الأدبي، كما أظهره تحليل هذه القصيدة .؟!!
وللإيضاح : فإن الدراسة كان ينبغي أن تنشر في العدد نفسه؛ الذي ظهرت معه (المختارات ) في مجلة (دبي الثقافية ) وباقتراح من أدونيس نفسه ، ولكن نظرا ً لطول الدراسة الكبير نسبيا ً ، أقترح مدير تحرير المجلة ، أن تنشر على جزأين – فرفضتُ ذلك – فأشار إلى الحل الثاني، وكان أن أُرسلتْ الدراسة إلى عدد من الجرائد والمواقع الالكترونية المختلفة ، بالتزامن مع صدور المجلة.

- وكإشارة لابد منها : لماذا تُعامل هذه (المختارات) بوصفها ( كامل العمل ،علما ً أن ( تقديمات البداية  للقصائد الضوئية الثلاث) تبدأ : ( بالتعاون مع دبي الثقافية ... فداء الغضبان يقدم ) ثم تبدأ الشارة الخاصة بكل ( قصيدة ضوئية ) على حدة – ومزيدا ً في الإيضاح ؛فقد عمد صانع العمل إلى تأكيد ذلك ،حيث وضع على غلافي العمل الفيلمي الرقمي ، الخارجي والداخلي ؛ كلمة ( مختارات ) وهذه الكلمة للجمع وليس للمفرد كما تؤكد قواعد اللغة العربية، كما نعلم جميعا ً!! .
وللملاحظة : إن هذه المختارات تشكل ما نسبته ثلاثة من مئة – وهي بمثابة إعلان ثقافي عن المشروع فقط . وقد أشرتُ في الدراسة التي أنجزتها عن هذه التجربة لهذا الأمر .

 -إن سمة التسرّع الواضح ستتأكد هنا لقارئ المقال ، حين يكتب صاحبه  :                     "يقول [ والمقصود أدونيس] في افتتاحية الديواني –هكذا كُتبتْ!! الضوئي : ‏ عند موتي، احملوني كأني كتاب /‏ وضعوا كتبي عند رأسي وادفنونا معاً ‏/ لغة الشيء أنقى وأبقى ‏ /والتعاليم لغطٌ!.)) ‏
-حيث نَسبَ شارة القصيدة الأولى لكامل الديوان الضوئي – وهذا الكلام هو كلامٌ خاطئ ومتسرع بل و( لغط ٌ) ، واستدراكا ً بعد الفاصلة ؛نؤكد : وخلل في المشاهدة والسماع أيضا ً.
لأن أدونيس لم يكتب ولم يلفظ ( التعاليمُ لغط ٌ) بل كتب في ( الكتاب ) ولفظ في العمل الفيلمي :  ( التعاليمُ لغوٌ ) وليس لغطاً ، لذا يرجى من الأستاذ الصحفي ( زيد قطريب ) إعادة القراءة والمشاهدة والسماع ، - منعاً من تكرار هذا اللغط  .!!- خصوصا ً- وهو الخبير بمنجز أدونيس الإبداعي – كما تُظهر كتابته – حين يؤكد -بوصفه " من متابعي الشعر والتجربة الأدونيسية بشكل خاص، سيكون بإمكانه أن يطلق العنان لمخيلته مع الصورة والموسيقا كي يتلقَّف الكلمات بشكل مختلف نوعاً ما.. وكأن أدونيس يقول: حسناً، إذا كان منطق تطور العصر يقتضي العمل على التكنولوجيا وتقنيات التصوير، فلم لا؟. الشعر قادر على المواكبة وابتكار الأداة مادام ذلك يسهّل وصول العبارات إلى الناس!. ‏" ... إلخ
-    وهنا يحق لنا أن نتساءل:
-    تُرى...هل دخل (السيد قطريب ) إلى رأس أدونيس – مثلاً- فسمع ما فكَّر به ، ليكتب ما سمعه منه توهُّماً : (( حسناً، إذا كان منطق تطور العصر يقتضي العمل على التكنولوجيا وتقنيات التصوير، فلم لا؟ ))
 – وكأن أدونيس هو صاحب الفكرة والبحث بل هو ( الباحث ) و(المبحوث ) - كما أسلفنا .  فأي تلقٍّ  هو ذاك – وأي مشاهدة هي تلك ..!!

ثانياً :
  -إن السؤال النقدي- وأعيد ( النقدي ) ؛ لايُبرَّر بـ " ضرورات الحال الصعبة التي وصل إليها الشعر" و "، بالإضافة إلى أن سعر الكتاب .. المرتفع " ... إلخ
بل باقتراح علمي عَمَلي ،أو بفروض ٍعلمية ٍمنهجية تتصل بعلاقة الثقافة العربية بثورة الوسائط المتعددة ،أو (الملتيميديا ) ، في القرن الحادي والعشرين .
وعليه؛ وباختصار شديد،فمن الممكن هنا ، تحديد مشكلة البحث بعلاقة الشعر العربي الحديث بالوسائط الرقمية المتعددة . كما طرحها ( الباحث المخرج : فداء الغضبان ) بجرأة منهجية  – مع فائق احترامنا - لمن يقول غير ذلك !!
 وليتفضل السيد قطريب ، أو غيره –  بذكر التجارب العلمية السابقة أو المشابهة- والتي تعتمد أصول البحث العلمي - مع أي شاعر عالمي آخر ..؟!! كانت قد أنجزت سابقا ً ، كما فعلت هذه التجربة النقدية الفيلمية الرقمية : ( أدونيس ... سياسة الضوء )– حيث تمَّ لها الوصول إلى طرح مصطلح ( القصيدة الضوئية ) كتوصيف فني لهذه التجربة، وهو مصطلح جديد يطرح لأول مرة في فضاء الإعلام العربي  . والمُعبِّر عن هذا الشكل الفيلمي الجديد . و" ..الذي لا يتعالى على القصيدة النصية ولا ينتقص من بنيتها الجمالية والدلالية و الإشارية   ... إلخ  " وللتوسع في هذه النقطة - ومنعا ً للاستطراد هنا ،يرجى مراجعة دراستنا المنشورة في عددٍ من المواقع الألكترونية : ( صحيفة القدس العربي – موقع جدار    ... إلخ )

     وكإشارة خاصة- بحكم إطِّلاعي شبه الكامل على كواليس هذه التجربة أقول  :
إن أدونيس لم يتدخل – مُطلقا ً– بأي تفصيل من تفاصيل (العمل الفيلمي؛والذي يمثل الجزء الميداني من بحث الغضبان )، حتى إنه لم يُقدِّم أي اقتراح- على الباحث-  صغر أم كبر – ولا حتى بالاختيارات الشعرية ... لأن عملية الاختيارات خضعت للمنهج الذي أقترحه الباحث في بحثه، وقد استجاب أدونيس لذلك بكل علمية ،ويمكن لمن أراد التأكد من ذلك؛ القيام بسؤال  أدونيس  شخصيـَّا ً.
وكتأكيدٍ لإشارتي هذه ، فإنني أُعيدُ – للمرة الثانية - ما ألمحتُ إليه في دراستي ،في ختام حديثي عن صعوبات التجربة - فأقول :
" أدونيس الذي رفض في اللحظة الأخيرة- من قبل عدة أعوام - عرض فيلم تسجيلي أُنجزَ عنه ؛ مع واحدة من أعرق المحطات الفضائية العربية ، بعد أن شاهدهُ مُنجزا ً ليَعترض على الصياغة الإخراجية له ، فيمنع عرضه ، ها هو يُقدِم على التعاون مع فنان شاب وبمبادرة فردية ليشاركه إنجاز ( أدونيس : سياسة الضوء ).
علما ً أن َّ هذا الفنان الشاب لا ينطلق من ميدان ( الإخراج ) كما يقول - بل من ميدان آخر هو   (سيكولوجيا الفنون ) على الرغم من تصريح أدونيس نفسه ؛عن هذه التجربة-  بأنها : " جديدة ومبتكرة ، وغير مسبوقة عالميا ً ".
وإشارة ثانية : إن دور ( دبي الثقافية ) هو دور المُعلن الإعلامي فقط ،عن هذا العمل أو المشروع ، من خلال نشر ( مختارات ) منه مرفقةً بواسطة ( دي في دي ) مع عدد يناير الأخير .
و  ليس ( لدبي الثقافية )  أي دور ما عدا ذلك .
- فلماذا يُنسب لأدونيس ما لم يفعله .؟!
- ولماذا يُنسب (لدبي الثقافية) ما لم تَقُـمْ به .؟!مع إجلالنا وتقديرنا الكبير لدورها الريادي بدعم المشاريع الثقافية الجادة التي تساهم في الدعم الخلاق لنشر الثقافة العربية،وإبرازها حضاريا ً.

تعجب واستغراب :
إنَّ كمّ التناقض الذي تحتويه كتابة (السيد قطريب ) تدعونا حقا ً،إلى الإعجاب الكبير.!!
فلا تكاد تنتهي جملة ما ،حتى تأتي جملة بعدها، تناقضها مضمونياً وموضوعياً ، رغم امتداد السطر وملئه بالكلمات الدالة شكليا ًعلى السيلان الفكري .!!
فلنلاحظ معاً :
-إن من يحكم على هذه التجربة فيكتب واثقا ً :
1-" ما فعلته مجلة دبي الثقافية في عددها الأخير لم يكن سابقة أو مفاجأة تماماً،                  إنما هو التجربة الأولى لشاعر اعتاد الرهان على المغامرة والتجريب والبحث عن حلول"

-    لا نعتقد أنه يمكن أن يتابع الكتابة مباشرة ً، فيكتب:
 2-" تلك الخطوة التي مكنت القراء من سماع قصائد لأدونيس بصوته مع خلفية موسيقية ومشاهد فيلمية وخلفيات فيها الكثير من التطبيقات اللونية والتصويرية، شكلت مشهدية بصرية وسماعية خيالية أتت بالشعر إلى ساحة الصورة حتى يواكب العصر ويثبت أنه قادر على شحذ الأدوات واختراع أساليب التواصل الجديدة مع قارئ بات يميل للاسترخاء والكسل كأنه ينتظر حتى تأتيه الثقافة على طبق من ذهب، ".

-    ألا يرى معي القارئ أن( السيد قطريب) وبكل ( البراءة ) قد تسَّرع بالكتابة النقدية أيضاً ، وكان قبلها قد تسرَّع بالمشاهدة ،حيث دعمها بالحكم السلبي المسبق ، فانتهى نتيجة ً إلى التناقض البنيوي لأحكامه النقدية تلك .؟!!
ولأن ( البراءة ) الصحفية والنقدية هي البنية النظرية التي انطلق منها ( السيد قطريب) ، لذا يقتضي ذلك شكره علمياً ،لأنه  في الجملة الثانية ، استدرك ، فاختلف المعنى، واتفق مع الدراسة ، من حيث لم ينتبه ، فنطق لسانه بإنصاف التجربة ، من حيث لم يدري ...!!          

في النهاية أقول : كثيراً ما كنت أردد بيني وبين نفسي السؤال السائد
 لماذا يكون المشهور جداً ... مجهولاً جداً ..؟!
لقد ألمحتُ في دراستي ...إلى هذا الأمر وقدمت بعض التبرير له – فيما يتعلق بأدونيس تحديداً .!!
الآن – بعد أن نُشرتْ الدراسة على نطاق واسع – يتكرر السؤال وتتكرر المسألة مع شخص يفترض أنه ( ناقد صحفي ) فلماذا .؟!

الآن أدرك أن هذا ( الناقد الصحفي ) – وبكل المودة – بعد كتابته المتسرعة ،  لم يشاهد ( العمل ... ببصيرته الناقدة ) بل ربما شاهده ( ببصر الآخرين ) والآخرون هنا قد يمثلون على نحو ما ( معادلاً رمزياً ) ... للأفكار الجمالية - السلطوية القديمة - التي تجاوزتها المفاهيم الجمالية الجديدة في هذا العصر؛عصر الثورة الرقمية الحديثة . والذي- بكل أسف - ما يزال غريباً في علاقته بالثقافة العربية .

-    ترى : إلى أي مدى يصح هذا التفسير في قراءة البعض – الكثيرين – لمنجز أدونيس الشعري .؟؟!

لقد لامني البعض من الأصدقاء الذين قرؤوا الدراسة عندما تكلمت عن ( هالة ) اسم أدونيس الكبيرة ،التي تحجب قراءة منجز أدونيس ، وعن الصعوبات التي واجهت الغضبان في عمله وتحديداً عندما كتبت :
" فعلى المستوى الأول كيف يُقدِمُ الغضبان على تقديم أدونيس- الشاعر : ( النخبوي العصي الصَّعب المُستغلقَة نصوصهُ- حتى على الشريحة الأوسع من القراء و المثقفين ... إلخ ) كيف يُقدِمُ الغضبان على تقديمه بهذا الشكل :(  السلس الهادئ الممتع الجميل الغريب الأليف؟!)  وكيف تتفتَّح نصوصُه (  قصائد َ ضوئية  ) ؟! مستساغةَ التلقي ؛ حتى للشريحة - التي ربما لم تستسغْ شعر أدونيس في حياتها من قبل ..؟!
ترى ... وكيف سيواجه الغضبان ؛ هؤلاء الذين لا ينظرون- ولا يُريدون النظر إلى نص أدونيس ، إلا بوصفه نصا ً غامضا ً مبهما ً ... يستحيل فهمه وتلقيه ؟!!وهم بالمناسبة أكثر مما يُظن .!!"
-    الآن : ماذا سيقول هؤلاء الأصدقاء ؟!
لقد ظهر ما هو أكثر من ذلك ، لقد ظهر من نسب ( مهنة الإخراج) إلى أدونيس ، فكتب عن أدونيس أنه": ... يكتشف سياسة الضوء.. بالكلمات " وسلوك القيام بالفعل (يكتشف )، عائد إلى أدونيس طبعاً ، وهي : "...التجربة الأولى لشاعر اعتاد الرهان على المغامرة والتجريب والبحث عن حلول"...رغم أن َّهذا العمل : " ... يبدو مألوفاً في تجربة أدونيس الشعرية والثقافية وحتى في أعماله الفنية ورسوماته أو بالأحرى كولاجاته التي كان الشعر موضوعها الأساس.. في هذا «السي دي»" .." . ولأن َّ أدونيس هو صاحب الفكرة وهو صاحب التجربة.!! " .. فالكثيرون يعتبرون ما يتجرأ على فعله أو يجربه شاغل الدنيا ومالئ الناس، لا يلبث أن يتحول بعد فترة قصيرة إلى ابن شرعيّ يرسم تقليداً إضافياً سواء على صعيد شكل الشعر المكتوب أم على صعيد الفكرة غير المطروقة، "  ولأن َّ أدونيس هو( الباحث ) وهو صاحب البحث أيضاً .!! " ...وهما محوران حاول أدونيس دائماً أن يقدمهما بشكل مختلف وبهيّ!." فلنلاحظ  هذا الخلط بين أفعال الباحث وبين أفعال أدونيس ولنلاحظ أن كل الأفعال المتعلقة بأدونيس هي أفعال إيجابية رغم أنه ليس صاحبها ، فيما تنسب أفعال السلب للمخرج ، رغم أن ( المخرج ) وفقاً لتحليل مضمون هذه المادة ،هو (أدونيس ) نفسه ،ثم بعد ذلك يؤكد السيد قطريب  "... وكأن أدونيس يقول: حسناً، إذا كان منطق تطور العصر يقتضي العمل على التكنولوجيا وتقنيات التصوير، فلم لا؟"
وبعد أن يفعل أدونيس ( المخرج ) كل ما فعل –  يقرر السيد قطريب - ودون أن يأتي لنا بمثال واحد فقط - أنَّ هذه التجربة " .. تتفق مع ما نشاهده عادة في فنون «الفيديو آرت»" ولكي يعطي لحكمه مرجعية ً وهمية، فهو يستخدم عبارة " ... ما نشاهده عادةً " دون ذكر لأي مشاهدة من هذه المشاهدات العادية المألوفة بالنسبة له – وكانَّ كلمة ( عادة ً أو عادية ) هي مصطلح نقدي متفق علية في أصول البحث العلمي- مثلاً – كما يُوهم القارئ ..!!
ثم أن فعل ( العادية ) عائد إلى مشاهداته ( العارفة ، العالمة النقدية ،الشاملة - للفيديو آرت واتجاهاته) كما يوهم القارئ .!! أيضاً.  علماً أنه – حتى الآن - لا يوجد تعريف شامل ،متفق عليه عالمياً ( للفيديو آرت ) حتى بين المشتغلين فيه..؟! ، فما بالكم ،باتجاهاته وأساليبه الجديدة   .؟!!
ثم يختلط فعل المضارع ( يُقدم ) بين أدونيس وبين الشعراء الذين سبقوه إلى هذا العمل – طبعاً دون ذكر أسم واحد منهم - ذلك أن  الحكم التقريري للسيد قطريب – مقدس ،ولا نقاش فيه – فيقول :"... فرغم أن أدونيس ليس الشاعر الأول الذي يُقدم على هذا النوع من تصوير الشعر أو تسجيله بالصوت والموسيقا على «س يدي»  ..." لا أدري هنا هل أنَّ أدونيس هو الذي يقوم بفعل التصوير أم ماذا ، يعني هل أدونيس هو ( المُصوِّر ) أم ( المصوَّر ) ...عموماً ... لايهم، فاللغة العربية واسعة الدلالة والتأويل.!!
 "...  إلا أنه أعطى الأهمية للمنجز وفتح بالتالي الباب بشكل أوسع أمام الشعراء-" – طبعا ً( الشعراء ) الذين سبقوه إلى القيام لمثل هذه التجربة ،رغم أنه هو الذي فتح الباب لهم  – فيا للعجب!! .. ويا للغرابة التحليلية  .!!! " ..إلخ

أخيراً :
- هنا : ألا يحق لي بكل حيادية علمية أن أتساءل :
-    ما هذه السوريالية النقدية يا أستاذ زيد .؟!
-    إني وحق الآلهة – لا أرتضيها لك ... يا أخي ؟!!
-    لأنَّ هذه ( المادة الصحفية ) هي استسهال ( بفعل النقد ) واستسهال (بجهد التجربة ) واستسهال بالسلوك الصحفي المُبدع .؟!

- مع احترامنا الكبير لمحاولة (السيد قطريب) في إبداء رأيه الصحفي - إلا أنه – وكما ظهر لنا ، كان متسرعاً ومتناقضاً في كتابته - بكل أسف - لذا فإننا ندعوه – وبكل مودة وروح إبداعية - لإعادة مشاهدة التجربة مرة أخرى – رغبة ً في محاورةٍ  تنطلق من الأطروحات الجمالية التي تقترحها هذه التجربة – والتي ختمتُ دراستي بالدعوة لها – عوضا ً عن التسرُّع ، والتعالي النقدي والحكم السلبي المسبق .
ومنعاً – للمديح الشخصي والنقدي للدراسة التي قمت بإنجازها عن العمل ،  فإنني أُحيلهُ – كما أحيلُ القارئ- إلى قراءة عدة كتابات كتبها غيري ، نُشرت في عددٍ من المواقع الإلكترونية أيضاً – وكان لها رأيها الخاص وهي أسماء لها حضورها في المشهد الثقافي - حيث نعتقد؛ أنها كانت أكثر جدية ً ونجاحا ً في تناولها لهذه التجربة الرقمية الفيلمية الرائدة – التي أنجزها الباحث المخرج فداء الغضبان ،والتي تمثل الجانب الميداني لبحث علمي يعده الباحث الغضبان عن شعر أدونيس – والتي برأينا – فتحت أفقاً جمالياً جديداً وغير مسبوق – على مستوى علاقة الأدب بالتكنولوجيا ؛بما يتعلق بكيفية تلقي القصيدة الشعرية - في فضاء الإعلام الثقافي ، هو أفق : ( القصيدة الضوئية ) التي هي بمثابة ( الجينات الجديدة للشعر) كما يصفها الكاتب ( باسم سليمان ) وهي بمثابة ( نصٍ آخر لنص أدونيس ) كما تؤكد الناقدة (غالية خوجة ) ؛ حيث :" استطاع، وببراعة، فداء الغضبان، أن يكتب نصاً آخر لنص أدونيس، معتمداً على اللحظة البارقة بالمعنى، واللون، وما يتراوح بين الضوء والظلال،" وهو ما يتكامل مع ما كتبه  الكاتب والروائي خليل صويلح في صحيفة الأخبار اللبنانية ، حيث أن َّالقصيدة الضوئية بعد ذلك  ،" تسعى إلى كشف ألغاز القصيدة وتحولاتها،" و" تسعى إلى تأويل النص على نحوٍ آخر. من خلال إشارات دلالية " كما يقول مؤكداً : " ينطوي ( العمل) على أطروحات جمالية في تفكيك النص الأدونيسي، ومعالجة الغموض الذي يَسِم شعره. كلّ ذلك من خلال مفردات بصرية تسعى إلى كشف ألغاز القصيدة وتحولاتها، من خلال مقاطع تنتمي إلى مراحل مختلفة ممتدة من «أغاني مهيار الدمشقي»، مروراً بـ«كتاب الهجرة والمطابقات»، و«أول الجسد آخر البحر» إلى «أمس المكان الآن». ... وإذا باللون يتحوّل إلى بوصلة تقود خطوات الشاعر إلى فضاءات أرحب في «رفع الحجاب عن نور المعنى»، وفقاً لما يقوله طلال معلا."
ويؤكد الناقد والكاتب علي الراعي : أن َّالديوان الضوئي لأدونيس ...هو : " توسيع في أفق القراءة"  حيث يكتب في ملحق أبواب : "هنا ثمَّة من سيوسع في أفق القراءة، وهكذا ستحضر الخيالات والإنزياحات مجسدة في اللون والضوء. ‏ سيكون لها وقع آخر غير تتبع سواد الكلمات في مدى صفحة بيضاء، بل ثمَّة محاولة لاستحضار الآفاق اللونية للكلمات ومجازاتها ؛مضاءة بزوايا عين الكاميرا، بل والمسك بحبال المجاز، حيث يصير في الإمكان تحسسه، وعلاقة الشعر واللون ثمة أكثر من تشابك في تفاصيلها، وطالما شكَّل كل طرف للآخر فضاء جديداً، زاد الأمر من رحابة آفاق كل منهما،".
فيما ينظر الأستاذ الناقد طلال معلا ، الباحث في الجماليات المعاصرة ، إلى هذه التجربه بوصفها : ضوءاً للتواصل الإنساني، يَشهَدُ على التحولات التقنية التي يمكن للقصيدة أن تُمسِّد جبهتها بنوره، وبما تفصله اللغة التفاعلية ... اللغة المنطوقة المتصورة المتكاملة مع أجزاء النص التشكيلي، باعتبار أن كلاً من الكلمة والشكل يحاوران خزاناً معرفياً قام الزمن بشحنه جمالياً ومعرفياً، محولاً سحر التعبير إلى لغة ضوئية لها مستوياتها المخيالية التي تلتمع باعتبارها افتراضاً لصورة روح اللغة الوهمية النابضة بالقدرة التكوينية اللحظية.. اللغة المزدوجة المتجاوزة لبلاغة الفهم، أو ما تدل عليه اللغة في ثنائية المعنى وأسلوب الإفصاح عنه."      "...إنه الإفراط  في التعرف على كنه الشعر، والكناية الأكثر شوقاً لتذكر الفرق بين الوجود والفناء، خاصة حين يصبح الضوء هو السبيل لرفع الحجاب عن نور المعنى".

ختاما ً :
وبالعودة إلى أدونيس والسؤال الذي بدأنا منه

-هل يشكل ( إسم أدونيس الإعلامي ) حجابا ً على ( منجز أدونيس الإبداعي )..؟!

واستدراكا ً لمحاولة استكشاف الإجابة عن هذا السؤال ،وبعيداً عن لغة الخيبة المؤلمة ، التي يُعبِّر فيها – ( أشهر شاعر في العربية في العصر الحديث ) - عن غربته في علاقته مع القارئ  العربي" بعد خمسين عاماً من الكتابة " والحضور الإبداعي والثقافي والفكري

ها هو أدونيس نفسه ، يمدُّ بيده الإبداعية لكل ( قارئٍ ) يريد أن يقرأ ..!! و ".. يريد أن يفهم ..!! أو يقوِّم شيئاً جديدا ً يختلف عن الأشياء التي عهدناها ." حيث يكتب في مقال بعنوان ( القارىء خلاّق آخر ) من كتابه ( زمن الشعر ) الصادر عن دار الساقي في طبعته السادسة :

" لابدَّ لمن يريد أن يفهم أو يقوِّم شيئاً جديدا ً يختلف عن الأشياء التي عهدناها ، من أن يستند إلى طريقة في الفهم أو التقويم تكون هي كذلك جديدة ، أي تختلف عما عهده من طرائق .
ومن شروط الفهم ، أن نعترف بأن َّ الإنسان محدود الفهم : بأنَّ المعاني لا يمكن أن تكون كلها واضحة ( ... ) هذا كله يؤكد دور القارئ الجديد الذي يقرأ بجميع ملكاته الشعورية واللاشعورية ، ويقرأ في ضوء الآفاق التي فتحتها الكشوف الإنسانية ."
ويقول في المقال نفسه أيضا ً : " إنَّ التسارع الحضاري الذي نعيشه اليوم أدى إلى أن ينمو الشاعر أكثر من القارئ ، وإلى أن يزداد كثيراً الفرق بين ظاهرتي النمو لدى كل منهما ، إلى درجة تقارب حالة الانفصال والغربة ".

وفي الصفحات الأخيرة من  الكتاب نفسه ، أيضا ،ً يكتب أدونيس :
" يسير النقد العربي السائد ضمن اتجاهين رئيسيين : مدرسي ، وإيديولوجي ."
وهو –أي أدونيس –لا يحصر النقد الإيديولوجي بالماركسية فقط  بل بالوجودية وغيرها من الفلسفات ... إلخ. ثم يتابع :
-    " النقد الجديد هو الخروج على هذين الاتجاهين : لا يصدر عن موقف إيديولوجي مسبق يتحكم به ، ولا عن موقف مدرسي يضيِّق أفقه ، وإنما يحاول أن يقرأ النص بذاته ، ويقدم هذه القراءة بوصفها احتمالا نقديا ً من احتمالات عديدة .إنه إذا ً لا يقدِّم مجموعة من الأحكام القاطعة ، وإنما يكشف،  في النص ، عن نظام مترابط  من الدلالات لا يُلغي إمكان قراءة ثانية تكشف عن نظام آخر . أي أنه يؤكد استقلالية النص ، ولا يعدّه أداة إيديولوجية ، وإنما يتناوله كأفق ... أو تحول... ، أو حقل . "

-    " هكذا يحاول النقد الجديد أن يكتب نصَّاً ثانيا ً على النص  الأصلي الأول . ويجيء بمثابة لغة ثانية يمارسها على لغة أولى .وبهذا يعتمد هذا النقد على نوعين من العلاقات : علاقة لغته الخاصة بلغة النص الأصلي ، وعلاقة لغة النص بالمجال الذي يتحدث عنه ، وهو ، في هذا ، لا يزعم انه يكشف المعنى الأخير الكامل للنص ، ويكتفي بكونه يقدم نسيجاً نقديا ً يحتضن أعظم قدر من نسيج النص المنقود .

-    " ومن هنا يلائم بين لغتين : اللغة التي توفرها المرحلة التاريخية للشاعر الذي ينقده ، ونظام القول الذي أسسه ، مؤكدا ً على أن قوام النص الشعري ليس في ما يقوله بذاته ، وإنما هو في نظام قوله . وتبعاً لذلك يمكن القول إن النقد الجديد لا يعري النتاج الذي ينقده ، وإنما على العكس ، يغطيه بلغته الخاصة . (...) إن موضوعية النتاج الثقافي أو شيئيته لا تكمن في مادة القول ، وإنما تكمن في نظام القول . وهذا ما ينطبق ، بشكل أخص ،على الشعر ،... والفن بعامة ." ص ( 361-362)

وفي المقال الختامي للكتاب،  يكتب أدونيس   :
-    " لست كتاباً ولا قاعدة ، ولا زاوية : إنني أفق ... وقدري هو هذا ... أن أشعَّ ، وأستقبل الضوء . "

( الضوء ) ... نفسه الذي استقبله الباحث المخرج فداء الغضبان ،ونسج منه سياسة ً لونية ً نفسية ً- قادته إلى اكتشاف أفق جديد هو ( أفق : القصيدة الضوئية )  في تجربته الرائدة        ( أدونيس : سياسة الضوء ) كاقتراح  بصري – سمعي ؛ لكيفية تلقي القصيدة مرئيا ً،بواسطة عين الكاميرا، - كما يقول الغضبان في تعريفه الإجرائي - عبر البحث عن جماليات كامنة في النص الشعري، بالاعتماد على مجموعة قوانين لونية ؛ تستند إلى عدد من الإختبارات والروائز النفسية العالمية ، بمشاركة الحضور الفيزيقي الواقعي والمجازي للشاعر؛  بالآن نفسه " ...إلخ
وباستعارة كلام أدونيس نقول :
يقدِّم الغضبان تجربته ، لمن يريد أن يفهم أو يقوِّم شيئاً جديدا ً يختلف عن الأشياء التي عهدناها- وهو على ذلك يقدم هذا ( الإقتراح ) القراءة بوصفها احتمالاً نقديا ً من احتمالات عديدة . إنه إذاً يكشف،  في النص ، عن نظام مترابط  من الدلالات لا يُلغي إمكان قراءة ثانية تكشف عن نظام آخر . أي أنه ، يؤكد  استقلالية النص ، ولا يعدّه أداة  ، وإنما يتناوله كتحول... ، أو حقل ...  أو... كأفق .

-    حسنا ً- لقد انتهى المقال – وفي النفس أشياء كنت أريد الكلام عنها ..؟!!
-    ولكنني ... الآن فقط – على مستوى آخر - أدرك ،لماذا كتب ( طه حسين ) في إهداءه لأحد كتبه، في الصفحة الأولى : " عجبتُ لمن لا يعمَلون ويُسيئُهم أن يَعملَ الآخرون ".
-    حقا ً ، وإنني إلى هؤلاء الذين " لا يعمَلون ويُسيئُهم أن يَعملَ الآخرون " ، أُهدي هذا المقال .

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...