«دائــرة العــدم» ليانيــك إينيــل

01-02-2008

«دائــرة العــدم» ليانيــك إينيــل

تتهافت اليوم أفضل الشخصيات الأدبية والفكرية على نشر مقالات لها في مجلة «حدّ المخاطرة» (Ligne de risque) التي أسّسها فرنسوا ميروني ويانيك إينيل عام 1997 حول مشروع محاربة العدميّة، أكانت أدبية أو فلسفية أو سياسية، فعصر اليوم هو عصر العدميّة بامتياز. في صلب دورهما كمديري مجلة «حد المخاطرة»، اتّضح شيئاً فشيئاً تقسيم الأدوار بين إينيل وميروني: يهتم هذا الأخير بالبعد الفلسفي لمشروع «الإنشقاق» (La scission)، أما الأول فيتناول بعده الأدبي، كلٌّ من خلال أعمال خاصة به، منشورة بمجملها حتى هذه الساعة ضمن مجموعة «لا حدود» (L?infini) التي يديرها الكاتب فيليب سولير في دار نشر غاليمار. الحوار والتبادل الصامت بين أعمال ميروني وإينيل يبدأ بمضمون تلك الأعمال التي تشكّل مرآة لبعضها البعض، ويمتدّ الى الشكليّات، أوّلها تاريخ إصدارها: عام ,2000 صدر لإينيل رواية بعنوان «مقدّمة لموت فرنسا» (Introduction à la mort française)، قابلتها رواية لميروني أرادها أهمّ ثورة أدبية في القرن الواحد والعشرين بعنوان «رأسي الحرّ» (La tête en liberté). عام 2003 صدر لميروني بحث أساسي بعنوان «محور العدم» (L?axe du néant) في حين صدر لإينيل رواية تكميلية لرواية ميروني بعنوان «السير بين الإنهيارات» (؟voluer parmi les avalanches). أما عام ,2007 صدر بحث ميروني، «الإبادة كإحدى الفنون الجميلة»(L?extermination considérée comme un des beaux-arts)، بشكلٍ متزامن مع رواية إينيل الأخيرة، «دائرة العدم» (Cercle).
علاقة «السير بين الإنهيارات» برواية «دائرة العدم» هي كعلاقة الفكرة العبقريّة التي ما زالت على شكلها الأوّلي بالفكرة نفسها التي وصلت الى ذروة تطويرها. إنها تشبه من هذه الناحية علاقة روايتيّ «توسيع رقعة المواجهة» (Extension du domaine de la lutte) و «الجزئيات الأوّلية» (Les Particules ?lémentaires) المنشورتين عام 1994 و 1998 للكاتب ميشال ويلبك، أو أيضاً علاقة « قطاع الخارج » (La zone du dehors) لألان دامازيو بروايته الأخرى، «فرقة الريح المعكوس»(La Horde du Contrevent). في عصر تحوّلت فيه الكُتُب الى أدوات إستهلاكية، يوجد احتمال عالٍ لبقاء «دائرة العدم» ضمن مجموعة الكتابات البشرية القليلة في هذا القرن التي سيدرسها بإعجاب خلفاء الإنسان أو حضارة كوكبيّة أخرى.
- في صباح نهار الإثنين الواقع في 17 نيسان، قرّر الراوي جان دَيشل (Jean Deichel) عدم التردّد الى عمله. قد تكون هذه البداية نهاية للعديد من الروايات، لكن لكلّ أدب تأسيسي موضوع واحد: الرحلة. أكانت هذه الرحلة رحيل بالمعنى الديني كما في التورات، أو اكتشاف للعالم بالمعنى الأدبي كما في الأوديسة الهوميريّة، أو «رحلة إلى حدود الليل» (Voyage au bout de la nuit) كما عاشها الكاتب لويس ـ فردينان سيلين، أو مشاركة شاملة في الفاجعة كما في «العطوفات»(Les bienveillantes) لجونثان ليتل. رحلة إينيل ـ دَيشل رحلة إنسانية بامتياز، تبدأ، كما في «السير بين الإنهيارات»، مع بضعة جُمَل كتبها الآخرون، وحاول الراوي ان يحقّقها بالخروج عن كلّ ما يشكّل خصوصيته أو شخصيته الفرديّة. «يجب الآن العودة الى الحياة» هي الجملة الأولى، مجهولة المصدر. اما الجملة الثانية، فهي للكاتب والملحن بوب ديلان: «كلّ من لا يهتمّ بولادته هو مهتمّ بموته». والجملة الثالثة كتبها الشاعر أرتور رمبو: «حياتي خفيفة جداً، إنها تعلو بعيداً فوق الأفعال». قرار جان دَيشل بعدم الذهاب الى اهتماماته اليوميّة لا يأخذ أبداً معناً كلاسيكياً، أيّ الهروب من الحياة الروتينيّة، لأنه أولاً ولادة الراوي الحقيقية. فبالنسبة إليه، يولد البشر أموات، ثمّ البعض منهم فقط يعود ليولد حيّاً. لا يزال السؤال المطروح، منذ الرواية السابقة، هو نفسه: من هو ميت، من هو حيّ؟ رحلة إينيل ـ دَيشل هي رحلة الحياة ما بعد الحياة، هي رحلة تبدأ على النحو التالي: «كلّ يوم، يقرّر الرجال والنساء عدم تباعة مهامهم، يأخذون الطريق المعاكس ويعودون الى منزلهم. إمّا يرتاحون، وإمّا يبدّلون أفكارهم وإمّا ينتحرون. كان يحدث أمر آخر. كنت أتحوّل بشكلٍ أكثر راديكالية. طريقتي في السير، في التنفّس، كلّ شيء أصبح أوسع». ذهبت هذه التجربة الجديدة بالراوي، وهو يمشي في الشوارع الباريسيّة، الى ما سمّاه «الوجود المطلق»، الذي رأى من خلاله عكس الكمّ: بدأ يرى الأشياء من دون الأرقام التي تقترن بها. بعدها، فهم أنه يجب تجنّب الإختيار وإستبداله بجهوزية دائمة حيال كلّ ما يصادفه وكلّ ما يأتي إليه. بعدها انتقل الى «اللحظة الفارغة» التي رأى خلالها العاصمة في جوف الجحيم الذي يحفر في الطرقات ويلتهم الأجساد ويحوّل الجمال الى قبح، أيّ الى الموت الحقيقي. أمام عينيّ الراوي، انفتح الكون على دماره، وظهر عمق الخراب تحت طبقة الوجود: هذا هو «الحدث». بعد نهار طويل، حجز دَيشل غرفة في إحدى الفنادق المخصّصة للطلاّب، ليعيش فيها كراكب على سفينة اللا محسوس، الذي ليس إلاّ أفضل استخدام للوقت، لأنه تحديداً استخدام الوقت لنفسه. قضى دَيشل كلّ شهر نيسان في غرفته، أو في المترو الباريسي الذي ينقله يومياً الى محطات لا يعرفها، أو على إحدى الجسور فوق نهر السّين يستمتع مساءً بمرور المياه. عانى أيضاً دَيشل من أوجاع في المعدة ومن نزيف في مؤخرته. شارك مع طبيبه بعض من تجربته الجديدة. قال له هذا الأخير: «لستَ مريضاً، لكن جسدك يعبّر على طريقته ما يصيبه من حياتك الجديدة». جغرافياً، لن يبقَ دَيشل في باريس، بل سيصل الى تشيكيا، مروراً بألمانيا وبولونيا، وسوف يرى في برلين «الشقة الناقصة» للوك بولتانسكي، كما سيزور ما تبقى من مخيّمات أَوشفيتز ـ بيركينو.
- كلّ ما عاشه دَيشل خلال العام الذي تمتدّ على طوله تجربته يشكلّ تنويعات على لحن العدم: بعد أن برز وجه العدم الإيجابي، الأزرق ـ الأخضر، في باريس، برز وجهه السلبي في برلين، حيث مكث الراوي أربعة أسابيع. لكن بدأ فعلاً اختبار العدم عندما رافق دَيشل سياح أميركيين الى إحدى أبراج كاتدرائية «سيدة باريس» حيث رأى رجلاً يرتدي معطفاً كحلياً ينظر الى الأرض تحته، «ثمّ رأيت جسداً يخرج من المعطف، شاحب الوجه واليدين. ترك الرجل المعطف يغرق وراءه. ثم التفت نحوي وابتسم. سلّم عليّ بيده اليسرى ثم أبعد الشبك ورأيت حركة كتفيه اللذين خرجا من الجوف الذي أحدثه، ثم لم أعد أرى شيئاً». حاول دَيشل أن يقاوم ديخوخة الأعالي ويحدّق بالمكان الذي فيه اختفى الرجل. حاول أيضاً مدّ يده من خلال الجوف الذي تركه وراءه الرجل، فشعر بجاذبية فريدة. استفاق دَيشل وهو يرتدي معطف الذي رمى بنفسه في العدم، فلم يفارقه المعطف إلاّ عند نهاية الرواية». جسد يرمي بنفسه في العدم، لكن لم يجده أحد. ماذا يحصل بين القفزة والإختفاء؟ أين يذهب الجسد؟ لست مجنوناً، لقد رأيته يقفز في العدم. وبالتالي هناك، في العدم، أمر معاكس للسقوط. الخصوصية الأساسية لتجربة دَيشل هي الكتابة: عندما فوّت على نفسه ميترو الثامنة والدقائق السبع، قرر الراوي أن يدوّن الجُمل التي ذهبت به الى إختيار طريق الولادة الحقيقية، فكل ما يقرأه القارىء ليس فقط ما عاشه دَيشل، لكن خاصةً ما كتبه. تبرز هنا إحدى ثوابت إينيل: بالإضافة الى ذكر العديد من الفنانين والمفكرين في رواياته، تكوّن إحدى شخصيات هذه الأخيرة الكتابة بحدّ ذاتها. يروي دَيشل بالتفصيل، في مقاطع عديدة، كيف تأتي الجُمل إليه، أو كيف لا تأتِ إليه في برلين. كانت أيضاً كيفية الكتابة موضوع أساسي في رواية «السير بين الإنهيارات»، إنما وصل إينيل الى ذروة هذه المنهجيّة في المقطع التالي: «اليوم، يبدو كلّ شيء بديهياً. جلبت معي كلّ ما كتبت حتى الآن. أقرأ مجدّداً، أختار، أصحّح. المطعم يسيل من الشمس، وليسترانج (صاحب المطعم) ترك الباب مفتوحاً. نسمع شائعات الأرصفة، وحركة السيارات البعيدة. في النور مطالب لصيفٍ مبكر، لشطٍّ برتقالي، لقشعريرة خضراء وكستنائية». إذا كلّ ما قرأه القارىء كان قد كتبه الراوي، وإذا بعد ذلك راح الراوي يصحّح ما كتبه، فيكون كلّ ما قرأه القارىء غير نهائي، إذاً معرّض إما للتعديل وإمّا للزوال، غير أن كتابة الراوي النهائية لن تُنشَر، لأن كتابته اللا نهائية تشكّل كتابة الكاتب النهائية المنشورة والتي يقرأها القارىء. فالكاتب، نسبةً الى القارىء، غير موجود، وإذا وُجِد لا يكون إلاّ نتيجة مزجه مع الراوي. صفحات دَيشل التي يقرأها القارىء تختفي تباعاً بعد قراءتها، أما إعادة قراءتها فلا تعدّل بزوالها، لأنها ليست أثر كتابي لماضٍ قد مضى، إنما هي نتيجة حاضر الراوي الذي يتبدّل باستمرار.
في الجزء الثالث من مذكراته بعنوان «العلبة السوداء الأميركية» (American Black Box)، أفشى الكاتب موريس دانتك عن هذا السرّ للمرّة الأولى وبشكلٍ نهائي. بعد ان كتب إحدى الخواطر، كتب دانتك: «ما قرأتمّ أعلاه هو فكرتي، لكنه ليس فكرتي». ثمّ فسّر دانتك هذه الجملة الأخيرة بالتأكيد أن الفكرة التي كتبها هي فكرة الكاتب الكاثوليكي ليون بلوى، لكن على النحو التالي: إذا كانت تلك الفكرة غير موجودة حرفياً في كتابات ليون بلوى، هذا لا يعني ان هذا الأخير لم يكتبها، لكنه كتبها من خلال دانتك، فالكتّاب الأموات يتكلّمون من خلال الكتّاب الأحياء، إنما ليس بالمعنى المبتزل حيث يتأثّر هؤلاء بأولائك، لكن بإستمرار إبداع الأموات من خلال الأحياء الذين قرأوا لهم. فالكتّاب الأحياء هم استمرارية للكتّاب الأموات الذين، لو كان باستطاعتهم إبداء رأيهم بعالم اليوم، لكتبوا ما يكتبه بعض الكتّاب المعاصرين. هذا ما سيحصل بشكل مباشر مع دَيشل عندما وقف في برلين أمام تمثال لكارل ماركس. تكشف رواية إينيل سرّ آخر، ملاصق للأول، وهو علاقة الخلق بالعدم: مجمل الفلسفة الثنائية الغربية تلخّص بدائرة مقسومة الى نصفين، الأول أسود والثاني أبيض، أما الفكر الصيني فيلخّص بصورة «اليِن واليانغ»، أيّ بنصفيّ الدائرة المتداخلان، في وسط كلّ منهما دائرة تمثّل النصف الآخر. إن التطبيق الأدبي لهذه الصورة الأخيرة يلخّص رواية «دائرة العدم». بعبارة أخرى، إن تطبيق الصورة الثانية على علاقة العدم بالوجود يدحض كلّ الفكر الغربي ـ مشروع مجلة «حدّ المخاطرة» الأبرز ـ لجهة صفاء الوجود من ناحية، وصفاء العدم من ناحية أخرى: في كلّ وجود عدم، وفي كلّ عدم وجود. وبالتالي فاختبار العدم هو أولاّ اختبار الوجود لكن انطلاقاً من العدم، أيّ السير على الطريق الذي يربط بين العدم والوجود، أيّ الطريق الذي يربط بين الصفر والواحد. في الجمع والطرح، لا يلعب الصفر أيّ دور: كلّ ما هو مضاف إليه أو مطروح منه صفر يبقى على حاله. لكن في القسمة يظهر جلياً دور الصفر، إذ يستحيل قسمة أيّ رقم بصفر. الخلق، بالمعنى الالهي، هو القسمة اللا متناهية بصفر، وهي تحديداً عملية ماتيماتيكية لا يمكن لأيّ إنسان أو آلة أن يقوم بها. الخلق هو الإنتقال من الصفر الى الواحد، لكن بهذا الإنتقال لا يزول الصفر، بل يبقى محفوظاً داخل الواحد، لأنه إذا أضيف أو حُذِف الصفر من الواحد، يبقى الواحد واحداّ. العدم الموجود في الوجود هو تحديداً إمكانية كلّ وجود ان يتحوّل الى وجود آخر، وهذا الذهاب والإياب بين الوجود والعدم لا يمكن ان يقوم به، بعد الإله، إلاّ الإنسان. كلّ وجود هو استثناءً لا عدميّاً للعدم، ولا مرئية العدم ليست إلاّ نتيجة لتجليّه المطلق. لذا، إن اختبار العدم يتزامن لزوماً مع اختبار الخلق. في باريس، انطلق دَيشل من العدم نحو الوجود فاختبر الخلق، لذا أتت الجُمَل إليه. أمّا في برلين، مشى دَيشل من الوجود نحو العدم فاختبر الدمار، لذا لم تأتِ الجُمَل إليه.
«دائرة العدم» هي أيضاً، ككلّ رواية ضخمة، قصّة حبّ. إتصل دَيشل، بضعة ثوانٍ بعد الثمانية والدقائق السبع، ليضع حدّاً لقصة حبّ قائمة مع جوزفين. تمثّل هذه الأخيرة الحبّ داخل الوجود، أو الحبّ الميت، أمّا «الخشخاشية»، التي أصبحت أنّا ليفيا (Anna Livia) فهي موضوع الحبّ الذي يختبر العدم، الحبّ الخلاّق، الحبّ الأدبي والشعري. عند إحدى جسور نهر السّين العديدة، كانت تماثيل شبيهة بتلك التي نحتها غياكومتّي. بدأ دَيشل يرتجل رقصة مع فتاة لم يعرفها من قبل حول تلك التماثيل، ثمّ غادرت الفتاة من دون أن يتعرّف عليها. في غرفته في أوتيل «كاسكاد»، صادف فتاة أخرى تدعى كلارين (Clarine) بالتزامن مع قراءته لرواية «موبي ديك» (Moby Dick) لهيرمان ملفيل، فراحت تساعده في ذلك كلارين التي كانت تدرس الأدب الإنكليزي، أمّا صديقتها كولومب (Colombe)، التي يستحيل على أيّ رجل ان يتزاوج معها، فعرّفته على كتاب صيني بعنوان «الهجر المثالي» (La désertion parfaite). أما ليسترانج (Lestrange)، فكان مهووساً بأوديسة (L?odysée) هوميروس التي يطبّق مضمونها على كلّ يوميّاته. وفقاً لليسترانج، إن الحوريّات التي يصادفها أوليس (Ulysse) تمثّل كلّ نساء الكون. عندما صادف دَيشل أنّا ليفيا مجدّداً، اكتشف أنها راقصة في فرقة مصمّمة الرقص بينا بَوْش (Pina Bausch)، وتعمل على تحضير عرض على موسيقى «تابولا رازا» (Tabula Rasa) للمؤلّف أرفو بآرت. ثمّ راح الراوي مع رفيقته ليشاهدا لوحة ثلاثية للرسّام فرانسيس باكون تتضمّن، وفقاً لبَوْش، حركة رقص مستحيلة، تحاول دوماً في كلّ عروضها ان تجسّدها إحدى الراقصات. في رواية إينيل الأخيرة، لا تأتي الشخصيات وحدها، بل بازدواجية مع أعمال فنّية يبدي الكاتب نقداً عميقاً حولها عبر إحدى الشخصيات. أتت النساء، الواحدة تلوى الأخرى، الى دَيشل. قبل أنّا ليفيا وبعدها، لكنها كانت التي من أجلها كتب دَيشل ما كتب، ومن خلالها عاش ذروة تجربته، وهي فهم سرّ عذرية مريم من خلال دخول أنّا ليفيا، التي كرّس لها إحدى أجمل المقاطع الجنسية على الإطلاق: «تمدّدت على الدرج، نزعت عنها سروالها. كان ساقاها يمتدّان في الليل، ملفوفين بالحرير. كعباها كانا يبخشان السماء. كانت تفرجهما جيداً. دخلتها على الفور. عند الأذن كانت تهمس بالإيطالية. حرير جَوْرَبيها يرتعش تحت أصابعي. الشعور بأن النهار والليل، معي، يضاجعانها».
- تتضمّن أيضاً رواية «دائرة العدم» بُعدا سياسيا يبدأ مع وصف للعباد المحتشدين صباحاً أمام مدخل إحدى المحلات الشهيرة، ينتظرون شراء الألبسة بأسعار مخفّضة بعد فترة الأعياد، وينتهي بذهاب الراوي الى مخيّم أَوشفيتز حيث استعاد في ذاكرته ما كتبه بريمو ليفي، ليستنتج ان الحياء هو الموقف الوحيد الذي يمكن أخذه حيال المحرقة. الحياء هنا بمعنى الإقتناع باستحالة فهم ما سُمّيَ بالمحرقة. تطرّق الى هذا الموضوع، إنطلاقاً أيضاً من كتابات بريمو ليفي، الفيلسوف جورجيو أغمبن الذي برهن ان كلّ الشهادات المتعلّقة بالمحرقة هي شهادات جزئية، إذ ان الشهادة الكاملة لما جرى عاشها فقط من سمّاهم النازيون «المسلمين»، أيّ السجناء الذين غادرتهم الإنسانية ليتحوّلوا الى أشياء حيّة. هؤلاء الذين، تحت تأثير قلّة الطعام وقسوة المعاملة، أصبحوا ينحنون مثلما ينحني المسلم عندما يصلّي، لكنهم فقدوا القدرة على الكلام، فهم يمثّلون الحدود بين الإنسان واللاّ إنسان. لكن ضمن هذا الإطار، يبقى الأهم هذيان دَيشل أمام تمثال لماركس: اعتقد الراوي أن ماركس ما زال حيّاً، ولا زال يتكلّم، لكن البشر لم يعودوا يستمعوا إليه: «عندما تتنازل حضارة ما عن قدراتها الرمزيّة، يضاعف الإحتساب قدراته الخاصة ويفوز على الأولى. المال يحتلّ كلّ الأماكن، لا يحتلّ أيّ شيء آخر المكان الشاغر. هكذا العالم الذي يتنازل عن روايته الكبرى يضحى كالبضاعة في كيس. عندما لم يعد يُكتب أيّ شيء، عندما يُنقل كلّ شيء دون أن يُكتب، تكون الرواية قد استُبدِلت بالكامل. عندها، للنسيان مستقبل زاهر. عندما سيستسلم الكون إلى سفالة الرقم غير الملجومة، سيكون التاريخ قد انتهى. سيبدأ أمر آخر، دون البشر، سيبدأ البرنامج. سيُستبدَل التاريخ بالبرنامج، لكن هذا لا يعني أنه انتهى، كما تريد ذلك البروباغندا: يكون التاريخ قد تحوّل الى وحش. تحقُّق التـــاريخ يكمن في التوضيب التسلسلي للبشر من خلال سيادة الرقم التامة. «لم يعُد يقرأ ماركس ما كان يقوله، فالراوي كان يلفظه مباشرةً. كانت تُكتب مباشرةً جُمل ماركس في رأسه. يستأنف الفيلسوف أفكاره، بلسان دَيشل، على النحو التالي : «كلّ واحد منكم يتبع النظام القائم، كلّ واحد يبحث عن حماية انتمائه. المجتمع يحرّضه على ذلك. القطيع يحرّضه على ذلك. والذي يكرّس حياته لحماية انتمــائه يكــون فعــلياً حــافظ على الإنتماء بحدّ ذاته. هكــذا، لم يعُد أحد يقاوم، والذين يعتقدون انهــم يقــاومون يخدمون الروابط التي تأسرهم. لأن للهيــمنة هدف واحد: زيادة الهيمنة. قبل الإقتتال في العمــل، يقتتل البشر من أجله: رغبة العـــيش يقابلها الإرتهان. هكذا ما لا يمكن تحمّله يتحــوّل الى قاعدة، والأجساد تختلط في كلّ مكان مع الإستهلاك، وستستبدل قريباً الإنتاج بنفسه. الذين يعتقدون انه لا يمكن العيش دون عمل سيبحثون من الآن فصاعداً عن سُبُل العيش معه. لأن الوجود خارج السوق مستحيل. المستحيل سيكون تحديداً الوجود. كيف سمحتم لحياتكم ان تتقلّص ؟ أليس هذا هو السؤال الوحيد ؟ أليس هذا هــو الســؤال السياسي الحقيقي الوحيد؟».

رودولف ضاهر

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...