ديكتاتوري المفضل ياسين الحاج صالح

مع مودتي للقلوب السورية التي تحبك.
مع احترامي لما دفعته شخصياً تحت ظلم النظام السوري.
أنا تريثت بالكتابة عنك لأنني كنت بحاجة لأن اهدأ كي أفهم ما فعلته حضرتك وأصدقائك.
كان علي أن أعود وأعيد مجرى الأحداث في عقلي كي أفهم. صدمتموني أنتم...الحمد لله أنكم صدمتموني. لأن في كل صدمة استفاقة. لأن في كل خصام علني عيون تراقب وترى وتشهد وتدافع عن الحق حيث تراه. بيني وبينك وعلى جنب، حقاً إن صاحب الحق سلطان.
يوم بدأت تهاجمني على الفايسبوك، بدأ الأصدقاء يراسلونني ليخبروني عن الهجمة، بحثت عنك وبعثت لك رسالة، لا بد أنك تذكرها، لم تجبني. أنت هكذا، تماماً مثل الضابط الذي طردني من الأراضي السورية نزولاً عند أمنيتك ورغبتك.. أنتم لا تجيبون الأسئلة لأنكم لا تملكون الإجابات... أنتم لا تستمعون لنا... أنتم وحدكم المحق. أنتم وحدكم الصادق أنتم وحدكم الوطني.. لا قبلكم ولا بعدكم.
ربما أنا من جيل ابنتك لو كان لك إبنة. لكنك عيرتني بالهوى... (أقول لك على الهامش، أن الهوى أعظم نبض نكتب به، ألا يعلم كاتب كبير مثلك هذا السر العجيب؟) وماذا؟ هل أصبح ممنوع عنا الهوى؟ وفي زمن الثورات تحديداً؟ غريب أمركم أنتم أيها الجيل. نحن جيل يصغركم كثيراً، وفينا حماسة من يستعد أن ينبهر سريعاً بالمناضلين. أنا أغرمت بمكتب حسن عبد العظيم الفوضوي، ودخلت مكتبة ميشيل كيلو وشربت النبيذ مع فايز سارة ولؤي حسين وسهرنا نبحث في الثورة السورية، كالإسفنجة، ابتلعتهم وانبهرت بهم وبنضالهم وثم رأيت ماذا يفعلون، وحفظت آرائي وكتبت بعضها. هم ارتقوا بحريتهم، واستقبلوا الصحافية لأنهم يريدون أن يتكلموا، أما أنت، فأردت مقاضاة زميلنا الصحافي حين هاتفك، لأنه كتب عن الرئيس ما لم يعجبك. على الجميع أن يسب مثلك وعلى طريقتك فقط. ألا تذكر تلك الحادثة أيضاً؟ فعلاً أشكر الله أنك أنت أيضاً في المعارضة السورية... لولاك لانزلق انبهاري كثيراً إلى تصوير الجميع على أنهم ورود بيضاء... كم كبرت لأكره الورود البيضاء.
الورود البيضاء التي تعني الانهزام والموت والحزن والسلام. أكره السلام أنا، يزعجني السلام لأنه كاذب. ويزعجني منظر السلام الذي يلمع في الصحف التي تكتب فيها أحياناً، وإجمالاً كل العربان.
أقول لك بصراحة، أنا بكيت لأنك هاجمتني، نجحتم ببيانكم الشتّام أن تطردونني من جريدتي وكنفي الصحافي في أكثر الفترات حساسية. نجحتم أن تشدّوا الضغط على أرقام هواتفكم كي تعاقبونني...ذنب كبير أن تكتب.. نعم، هذا ما عودتنا عليه الأنظمة العربية النتنة...أننا حين نكتب سنعاقب. نتهم بالعمالة لأجهزة المخابرات.. نعم هذا هو التفكير الذي نريد اقتصاصه من العقول. وإلا فخبرنا كيف تريد أن تحدد الثورة كي نحددها سوياً. والله لم ندرس ولا قرأنا عن ثورات لها قوانين وأصول. أنا حين كنت أتنقل من بيت معارض إلى بيت معارض إلى مكتب سياسي إلى مكتب إعلامي كنت أمارس ثورتي الخاصة على الأفكار التي في رأسي، لماذا قاطعتني؟ ولماذا لا يحق لي أن أثور كما أشاء؟
أنت من بين المعارضين، تمثّل لي الديكتاتور، الذي يضغط على ناشر جريدة ليطرد صحافي. تخيلتك تشبه رئيس حزبي الذي فصلني من حزبي بسبب الكتابة. رأيت فيك الرجال الذين صرخوا في وجهي كلما حكيت، على مرّ فصول الهوى. رأيت تخلف الذكورية الشرقية كله، ونتن الموروثات والمحرمات والمحللات التي تقيد أنفاسنا. رأيت فيك أنت ما يعيق حريتي ويتآمر على قلمي ويمارس الضغط عبر علاقاته والهواتف.
أنا اعتقلت ومنعت من العودة إلى البلاد
لك أن تفرح. وعليك أن تفرح، إنها المرة الأولى التي يلبي لك النظام رغبة وأمنية...
أكتب لا لأعرف ماذا ستجيب ولا لأهاجم مقامك المعنوي للثورة السورية في عقول كثير من الشباب الذين هم أصدقائي. أحترمك لأنك محط احترام أساتذة لي... لكنني أكرهك. وأنا لست أنا، أنا بعض الشباب السوري أيضاً. وبعض الصحافة اللبنانية والسورية. وبعض القوميين وبعض اليساريين وبعض المقاومين... نحن جميعنا نكره النظام الأمني ويؤلمنا سيفه، وكذلك سيوفكم علينا وعلى الوطن الذي فينا.
أملي أن ترينا كيف ستتقبل حريتي الفايسبوكية... رجاءاً أن تعيرني "بالهوى" مرة أخرى. فإن ذلك أطرف ما في هجومك المهضوم.
وشكراً جزيلاً لأنك ساهمت في تكبير الخسة التي في رأسي. وتوسيع الضوء. وآمل أن نلتقي يوماً ما لأخبرك أكثر عن الثورة التي هي جيلنا، والعقدة النفسية التي هي جيلكم.
شكراً لأنك نبض دائم يذكرني بما علينا أن نثور عليه.
يا قامعي الأطرف يا مثقف.

                                                                                                                                         غدي فرنسيس

المصدر: الفيسبوك

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.