الكلمــات تتعلــق دائمــا بأشــخاصها

26-06-2009

الكلمــات تتعلــق دائمــا بأشــخاصها

قد لا يسع المرء في أن يكتشف الحلقة الناقصة في سلسلة ما إلا في وقت متأخر. أمر يبدو كأنه أصبح بمثابة قاعدة معروفة. من هنا نجد أن كتاب «مذاق الخرمة (kaki) الحازر» للكاتبة الإيرانية زويا بيرزاد يشكل هذه الحلقة المفقودة في أعمال الكاتبة التي ترجمت إلى لغة أخرى (الفرنسية تحديداً) من الفارسية، إذ تتيح لنا أن نكتشف هذه الدائرة التي بدأت مع «كما كل يوم بعد الظهيرة» (2007 وهو تاريخ نشر الترجمة الفرنسية) وهو مجموعة مختارة من النصوص القصيرة و«قبل يوم من عيد الفصح» (2008)، روايتها الأولى. الكاتبـــة الإيرانيـــة زويـــا بيـــرزاد
في واقع الأمر، يُشكل كتاب «مذاق الخرمة الحازر» الكتاب الثاني في سلسلة أعمال زويا بيرزاد (ولدت زويا بيرزاد العام 1952 في عابادان من أب روسي ومن أم إيرانية أرمنية)، وهي كانت نشرته في إيران العام 1997، ويتألف من مجموعة أقاصيص «رحبة» أكثر من كونها أقاصيص «نحيلة» تقع في نصف المسافة ما بين «المقاطع» (أو النصوص) الجذرية التي كان يعج بها كتابها الأول، وما بين الكتابة الروائية التي كانت السبب الرئيسي في شهرتها التي تخطت الحدود.
لكن وفي أيّ حال، لا بدّ أن نجد أنّ مفهوم هذه الكتابة «المقاطعية» (من مقطع) لا تزال حاضرة في كتابها هذا، على الرغم من هذه السيولة الظاهرة في القصة الأخيرة التي تعطي عنوانها للكتاب، إذ علينا أن لا ننجرّ إلى خطأ اعتبار أن الأقاصيص كلها تنتمي إلى ذلك. ثمة خاصية أخرى نجدها في كتابة زويا بيرزاد وهي بعثرة مفهوم الزمن: الزمن الذي يمضي، الزمن الذي مضى، الزمن الراهن، دوائر الحياة أو الفصول المتعاقبة، فترات الحياة المشتركة بين شخصين. أضف إلى ذلك، هذا الأسلوب المضيء الذي تتمتع به الكاتبة والذي يضفي تأثيراً مضاعفاً على هذه المقاطع. إذ ولكي يتم الالتصاق بزمن الشخصيات، نجد أن السرد لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يقطع إيقاعها الطبيعي، من هنا يبدو الأسلوب وكأنه ثمن ذلك.
تعتبر زويا بيرزاد واحدة من أهم الكاتبات الإيرانيات المعاصرات، ربما من هنا الترجمات العديدة لكتبها إلى مختلف لغات العالم. في أيّ حال، ليس في الأمر أي غرابة، إذ تستحق فعلاً. وما كتابها هذا إلا الدليل الإضافي على ذلك.
حول كتابها هذا الذي صدر حديثاً عن منشورات زولما في باريس، أجرت صحيفة «لوموند» الفرنسية (ملحق الكتب) حواراً – بورتريهاً، عن الكاتبة، نترجمه فيما يلي:
مستغرقة في مقعدها الصغير، كانت تنظر أمامها بثبات، من دون أن ترمش لها عين، وكأنها تحجرت في كثافة نظن في البداية أنها بسبب هذه البرودة. لكن، وبعد مضي عدة دقائق، تنزلق نظرتها عبر النافذة. كأن عينيها تضيعان في الشارع، لتتابعا رواح المارّة ومجيئهم. وهنت سماتها. وللحظة يتساءل المرء ما إذا كانت زويا بيرزاد بعيدة عنا، في مكان آخر، إلا أنها رفعت رأسها لتردد عبارة طائشة محتجة بأنها «غير معتادة على إجراء المقابلات الصحافية». ومع ذلك، كانت في الواقع، هناك، بفكرها، كما تقول، «مع الشعب الإيراني في شوارع طهران». وتضيف: «الأصعب بالنسبة إليّ، أن أكون هنا، في باريس، لا هناك، معهم».
تبتسم بحزن. من دون أن يبدو عليها أن الحزن أصابها، إذ أنها هي التي تدير الحوار. تطرح الأسئلة، تقدّم تعليقاتها، تستطرد. تشبه زويا بيرزاد، المولودة العام 1952، كتبها. يبدو عليها الذكاء، تروي الأشياء باحتشام، تشوبها سخرية ما تدفع إلى القلق، إلى السحر. ولكي تستدعي حشرية قرائها الفرنسيين، تخرج من أعماقها، هذه الجملة الباطنية على أكثر من صعيد: «لا أعتقد أن هناك مترو في العالم، يقرأ الناس فيه، أكثر من مترو باريس».
وحين نسألها عن صفاء نصوصها التي لا تقع أبداً تحت ثقل أي كلمة إضافية، تعترف بالقول: «أنا شخص بدون شفقة». تحذف كلّ ما تجده غير ضروري. مع أنها، أحياناً، تجد حسرة في ذلك. «حدث لي أن حرمت نفسي من فصول كاملة كنت أعشقها، حيث كانت متكاملة تماماً». تبرر ذلك الفعل بيقين طفولي يشكل «مهمتها الوحيدة»: عدم شعور القارئ بالملل البتة. «ليس الكاتب سوى قارئ آخر، القراءة والكتابة عملان لوجهة واحدة». من نجد أن الكتابة عندها ليست سوى إعادة قراءة.
تشرح زويا بيرزاد الأمر بتؤدة: «الدفعة الأولى من الكتابة تأتي بسرعة كبيرة، لا أؤخرها، أذهب إلى آخر الحبكة. بعد ذلك أعيد قراءة ما كتبت. أرسم دوائر أصغر فأصغر في قلب كل مقطع، في قلب كل جملة. لذلك تعرّضت روايتها «سنقوم بذلك» إلى 14 عملية إعادة قراءة متتابعة. أي 14 نصاً مختلفاً. وبحركة من يدها، تشكر العناية الإلهية التي جعلتها تولد في عصر الكتابة على الكومبيوتر. إذ تقطع نصوصها، تلصقها، تغير مواقعها. «على الأقل، تبدو القصص أسهل قليلاً على الكتابة. إنها أكثر تلقائية». وتضيف بخبث: «إنها أقصر بكثير».
بيد أن كتاب «مذاق الخرمة الحازر» ليس مجموعة كتبت دفعة واحدة. فالنصوص الخمسة التي يتألف منها الكتاب تتناغم مع خمس طرق مختلفة لتفحص التجربة نفسها عبر شخصيات مستقلة. كانت ترغب في إيجاد خمس نبرات، خمسة سجلات لغوية بدون أي علاقة فيما بينها. نجد على سبيل المثال، أن القصة الأولى، هي نوع من «توالي محادثات، ليس هناك أي سرد، أي شرح، أي توصيف: نجد فقط أشخاصاً يتكلمون». في مقابل ذلك، نجد أن القصة الأخيرة ليست سوى عملية سرد مسيطر عليها بالكامل، مكتوبة بشكل جيد، بدون اللجوء إلى أي نوع من الشفاهية. تدافع عن نفسها بالقول إنها خططت لجميع الأمور فيها: «تتعلق الكلمات بالشخصيات، بمكان الحدث. لا شيء أكثر من ذلك».
من هنا نرى أن مكان الحدث ليس بدون معنى. فهي ابنة أب نصفه روسي ومن أم أرمنية. أما زويا بيرزاد فهي إيرانية. هي كاتبة من طهران «هذه المدينة القبيحة بشكل خاص إلا أنها محاطة بجبال رائعة». تظهر لنا صورة عن المشهد الذي تراه من نافذة شقتها. وتضيف بالقول: «موضوعي المفضل هو الحياة اليومية، العلاقات بين الرجال والنساء». ولو كانت تعيش في مكان آخر لما كانت الكاتبة نفسها. «يتغير المجتمع الإيراني بسرعة كبيرة. إن لقاء التقاليد مع الحداثة ينجب أوضاعاً متناقضة، عنيفة، متفردة».
لا تزال القاعدة العامة تتطلب من الفتيات أن يصبحن زوجات، ومن ثم أمهات. «إلا أن الوضع يتحرك وبخاصة عند الجيل الجديد»، كما لو أنه يحاول اللحاق بالزمن الضائع. ومن تحت «فولارها» تحذرنا: «بكوني كاتبة، يبدو الأمر مدهشاً، إذ يكفي أن أخرج إلى الشارع لأكتشف شيئاً جديداً. يكفي أن ننحني لألتقط قصة أكتبها». ربما تأتي السخرية في أسلوبها من هنا، من خضوعها أمام التحولات السريعة لكي تلتقطها.
إلا أن السخرية بالنسبة إلى زويا بيرزاد، التي تعترف بميل كبير إلى ريمون كارفر، أمر يجب أن يُهمس به، لا أن يصرح به، لذلك تتجنب دوماً التصاميم الأولى: «على الحبكات الجيدة أن تأتي بهذه الطريقة: نقرأ بدون أن ننتبه فعلاً إلى كل التفاصيل الصغيرة، إلى كل نيات السرد». في القصة الأولى من كتاب «مذاق الخرمة الحازر»، نجد أن الانزلاق يتم التمسك به عن عمد. تكتشف الشخصية الرئيسة في نفسها هوساً للنظافة، عن طريق الصُدفة، بدون أي تأويلات تعود إلى علم النفس، أو من دون أي تحولات فجائية. وعبر سلسلة من الخبريات (القصص) الممتعة، التي تروي العراك المنزلي الأبدي، وتقول زويا إنها ترغب من وراء ذلك التحدث «إلى عدم استقلالية النساء المادية عن الرجال».
عن هذا الهوس بالكتابة، تعترف زويا بيرزاد إنها تعمل بطريقة انقباضية: «أحياناً، أكتب بدون توقف، لغاية أن أنهار من التعب، لأعاود العمل بعد الاستيقاظ، حتى وإن كانت الساعة الرابعة صباحاً». تتوقف حين ينتهي النص، لتقوم بأعمال أخرى: «ألعب بألعاب الفيديو على الكومبيوتر»، تقول بابتسامة كبيرة. قلة هم الكتاب الذين يقبلون بذلك. «ليس الأمر بذي مستوى». وبغمضة عين تلقي المسؤولية على ابنيها اللذين علماها على لعبة «عالم واركروفت» (واحدة من أشهر ألعاب الكومبيوتر). «في المرة الأولى لعبت الليل بأسره، كان الأمر مدهشاً، حين نلعب بألعاب مماثلة، لا نفكر عندها بأي أمر آخر. الأمر مريح بطريقة غريبة».
وحين لا تكون أمام لعبة الفيديو، نجدها تقرأ الكتب أو تشاهد الأفلام القديمة. وفي هذه الأيام، تغذي نفسها بحبكات من كل الأنواع. «أحب أن أتكلم إلى الأشجار كما لو كانت بمثابة أشخاص». تعترف ضاحكة. وبابتسامة تشير إلى الطريق الذي يظهر من النافذة، كما إلى المقهى الواقع في آخر الشارع: «مضى وقت وأنا أراقب النادلة، مهارتها في التعاطي مع الصواني، طريقتها في الركض من زبون إلى آخر، أتساءل إن كانت متزوجة». تقول جملتها وكأنها ضالعة في الجرم. ترى امرأة أخرى، تجعلنا نلاحظ التناسق الكبير بين لون النظرة ولون السروال الذي ترتديه. تهز رأسها، تقول: «إن خاصية الكتابة لا علاقة لها مع الكتابة ذاتها. في الواقع، أن يكون المرء كاتباً معناه أن يرى الأشياء بطريقة مختلفة. أن يراها بشكل قصير. أي أن لا يكتفي بمشاهدتها من النافذة فقط».

اسكندر حبش

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...