إبراهيم صموئيل: صعود سريع فصمت طويل

09-10-2007

إبراهيم صموئيل: صعود سريع فصمت طويل

واحد من الكتاب النادرين جداً الذين ظلوا مخلصين لجنس أدبي واحد هو القصة القصيرة، نادراً ما تراه، ذلك أنه يمارس الاعتكاف ويمارس كتابة القصة بطقوس أو حالات أقرب للابتهالية، منتم لدرجة المعارضة ووصل صدى (نحنحاته) إلى حيث لا يمكن سماع أعلى الصرخات، وتشعر دائماً أنه يسير في طريق وعرة زرقاء وتخاله يسكن منزلاً بمدخل واطئ يمارس (بوحاً بين أصدقاء) قبالة قلاع صغيرة حيث تفوح هناك (رائحة الخطو الثقيل). 
إبراهيم صموئيل تبدو معتكفاً.. نادراً ما نراك في الملتقيات والمحافل الأدبية أو نطالعك في الصحف والمجلات السورية بينما تبدو في الصحف العربية حاضراً متابعاً بمعنى أنك موجود وغير موجود.
ببساطة شديدة وباختصار لأنني يائس، يائس حتى من إمكانية الحد الأدنى بل يائس حتى من إمكانية ما تحت الحد الأدنى، وحتى ما دون الحد الأدنى وهذا اليأس يبدو أنه يترجم عملياً بهذا الاعتكاف والابتعاد عن الأوساط الثقافية من ملتقيات وندوات ومؤتمرات ومهرجانات.
عندما أُدعى إلى جهة عربية وربما لأنني ألبي الدعوة كضيف فإني أشعر أن ثمة حدوداً دنيا ربما لأن مزمار الحي لا يطرب عادة بينما له صدى في غير حيه، لست محتجاً ألا يكون هناك صدى في حيي ولا غاضباً، فقط معتكف.

هذا الاعتكاف نابع منك شخصياً كإبراهيم صموئيل أم إن مرده للجهات والمؤسسات الثقافية بصورة أو بأخرى؟
الحالتان معاً.. فأنا بطبعي أمتلك درجة حساسية زائدة وأعترف بذلك، ومن جهة أخرى ثمة تفريط زائد أو إهمال أو عدم انتباه حتى من جهة يفترض أنها أوروبية وأقصد هنا معهد ثيربانتس إذ ترجمت إيزابيل إيرباس قصصاً سورية إلى الإسبانية في كتاب دعينا إلى ندوة للحديث عنه فلم نحصل، نحن الكتاب الحاضرين الذين ترجمت قصص لنا- على نسخة من الكتاب ولا على كأس من الشاي أو على زهرة قرنفل كنوع من الشكر فهذا نوع من الإهمال وإذا كان نسياناً فهذا (عذر أقبح من ذنب!!).

تكتب قصصك في حالة أقرب للطقوس الاحتفائية أو بالأحرى الابتهالية.. أمازلت مخلصاً لهذه الحالة وما الذي يدعوك لأن تكتب كمن يصلي؟!
مازلت مخلصاً لوعد قطعته وعاهدت نفسي عليه ألا أكتب سطراً واحداً في قصة إذا لم يكن من دمي وروحي وإحساسي وحاجتي للكتابة.
وإن لم أشعر بحاجة ماسة لكتابة قصة لا أكتب، ففعلاً الكتابة عندي نوع من التعامل الابتهالي فأحياناً قصة واحدة يستغرق زمن كتابتها ستة أشهر وكل كلمة في القصة عندي وكل فاصلة هي من لحمي ودمي وروحي وهي عني ومني وهي أنا وهذا عهد قطعته على نفسي.

الطلقة التي لا تحتمل الخطأ وحكاية الغزال والفيل
وربما كان عهداً أيضاً ألا تكتب سوى القصة القصيرة كجنس أدبي نبيل كما تقول، علماً أنه عادة وكثيراً وربما دائماً ينتقل الكتاب من كتابة القصة إلى الرواية ومن الشعر إلى القصة فالمسرح وثمة من يكتب في الأجناس كافة ما تفسيرك لذلك؟

لأنه ثمة مفهوم (نقدي) خاطئ، رائج وشائع يقول الآن زمن الرواية، بعد عشر سنوات مثلاً يصبح زمن الشعر بعد عشرين سنة يصبح زمن المسرح وكأنه (موديل) شعر أو (موضة) لباس، أنا أقول لا يوجد زمن للفن، فمسألة رواج هذا الجنس أو ذاك أو عدم رواجه، تابعة للسوق وللترويج والإعلام ولأسباب كثيرة لا تتعلق بالفن نفسه، لقد مضى على تشيخوف أكثر من مئة عام وإلى الآن لا تخلو صحيفة عربية من الحديث عنه كقاص، علماً أنه كتب في المسرح وكذلك موبسان مثلاً وبالتالي القصة هي جنس أدبي رفيع المستوى صعب ونبيل مثل طلقة نحو هدف لا تتحمل الخطأ إما تصيب أو تخيب لا حل ثالثاً، في الرواية يمكن أن تهبط في صفحات ويكون السرد ضعيفاً وفي فصل آخر تسمو وترتفع وتحلق في حين أن القصة لا يوجد فيها هذا الهامش ورغم ذلك ينظر إليها من النقاد ومن كثير من الكتاب أنفسهم وللأسف كأنها الطور الأول من الكتابة نحو الرواية التي هي مرحلة النضج والرجولة فهل الغزال هو الطور الأول من حياة الفيل؟! للغزال حياته وللأرنب وللعصفور وللزرافة، لكل نسيجه وموقعه وجماله فلماذا نعتبر أن أحداً طور للثاني أو العكس؟!
يقولون لك الآن تكتب القصة فمتى تكتب الرواية باعتبار أنك طفل فمتى تبلغ العشرين وتتزوج، ما علاقة الزهرة بشجرة كبيرة؟!
هذه زهرة صغيرة برية تجمّل الأرض وتسعد العين وتبهج الروح وأيضاً الشجرة لكن هذه ليست الطور الأول لتلك ولا أجد أبداً ما يسيء إلى الغزال أو العصفور في حجمه أو شكله أو صوته ولا ما يسيء للفيل.

لمست في أكثر من قصة لك أنك تتواطأ مع الصوت الجماعي وإن كنت ترفضه وترفض الصوت الفردي وإن كنت مقتنعاً تماماً به؟
صحيح، مثلاً في قصة «الناس.. الناس» كنت منحازاً لهذا الذي نبذه الناس وطردوه من الحافلة رغم أنه يدافع عنهم وعن حياتهم ومصيرهم وهم خائفون قبل دفاعه ع السائق الأرعن قائد الحافلة فييل الناس مع السائق، ويدفعون بمن دافع عنهم خارج الحافلة.
أشد ما يرعب في حياتنا العربية هو أن السجين يدافع عن اعتقاله والمقهور يدافع عن قهره فالخوف يبدو أكبر من كل المشاعر والأحاسيس والحاجات وهو (كثقافة) مسيطر ومهيمن حتى على الغرائز وهذا الخوف كارثة فردية وجماعية ووطنية مستقبلية ولا يمكن للخائف أن يكون نافعاً أبداً.

قلت في حوار إن (مؤسسة اتحاد الكتاب العرب يفترض بها أن تمثل الكتاب والمثقفين في سورية لكن الاتحاد على طرف الهامش في الحياة الثقافية السورية)، فما الذي دفعك لتقول ذلك أو ما أوجه التضاد؟
الاتحاد مؤسسة حكومية للدفاع عن مصالح الحكومة كيفما كانت وأينما اتجهت وليس نقابة بالمعنى التاريخي والسياسي والاجتماعي والمهني للنقابة، فبالأصل نشوء النقابات هو معارضة السلطة ليس بالصح والخطأ أي معارضة للمعارضة، لا، إنما للدفاع عن أعضائها وحمايتهم والدفاع عن حريتهم وأدبهم ونتاجاتهم وعملهم فالنقابة يفترض أن تكون نقابة سواء كانت للعمال أو للفلاحين أو للكتاب.
في واقع الحال الاتحاد يقف موقف المعارضة من الكتاب وأهم الأسماء ورموز الكتابة ليسوا أعضاء فيه وهذه ليست مصادفة قد لا يكون هناك إمكانية لأن يمثل الاتحاد دور النقابة الحقيقي المدافع عن الكاتب وحريته واستقلاله وعندها يجب أن يلغى هذا الاتحاد، لكن ما هو أشد وأدهى هم الكتاب أنفسهم الذين يفترض بهم أنهم مع حرية الكاتب وحرية التعبير والاستقلالية وهم أعضاء في الاتحاد وبعضهم مؤسس له يرفعون لواء الاتحاد ما يخلق لدى الاتحاد ذريعة للقول: من ليس معنا فهو بالضرورة ضدنا.

تقول: إن الرقيب يقبع في داخلي وفي خارجي وأنك واحد من عباد الله المحكومين بالقهر والتسلط والرقابة، فهل رفضت الرقابة لك قصصاً ولم تنشر؟!
لا، وهذه تبدو مفارقة فقد نشرت قصصي لأنني لست من أتباع الكتابة الصريحة والمباشرة الفجة، لا أشتم بشكل مباشر ولا أسمي بشكل واضح ولا ألعن بشكل صريح لأنني أعتبر ذلك ليس من الأدب وليس من فن الأدب، هذا يصلح لبيان أو منشور أو مقال سياسي أما في الأدب فلابد من مستوى فني رفيع بحيث يصل المعنى للقارئ، دون أن يكون مباشراً وبالتالي نشرت القصص لأنه (ما فيها) ولأنها (تخلو)، كما قال الراحل ممدوح عدوان، من كلمة سياسية واحدة مع أنها مترعة بالسياسة أما طبعاً وبالإحالة إلى من قال إن لم تكن خائفاً من شيء ما فأنت لست من هذا الشرق، فأنا من هذا الشرق وما يسري على المجموع يسري علي.

على ذكر الصراحة ومباشرة لفتني أن كثيراً من عناوين قصصك هي صريحة ومباشرة وتخلو من الإيحاء أو الرمزية أما في المتن فالرمزية متاحة؟!
في العناوين لاحظ مثلاً (رائحة الخطو الثقيل) يحمل كعنوان رمزه ودلالته وليس وضوحه وصراحته.. (الناس.. الناس) هي رمزية ودلالية، (النحنحات) كعنوان هي عن تجربة سجينين في زنزانتين متجاورتين وعندك مثلاً (عيون مشرعة) كلها دلالية.

إذا ما وضعنا العنوان جانباً ودخلنا إلى المتن ورمزيته وإحالاته الدلالية نراك تناور وتحتال على الرقابة وتحتال الرقابة عليك ربما مثل (توم وجيري) فَمَنْ بالنهاية ينتصر على الآخر؟!
ثمة جزء من هذا الكلام صحيح وليس كله بمعنى أني لو كنت في سويسرا فسأكتب ما كتبت بالطريقة التي كتبت وليس بشكل مباشر، ثمة بعض الكتب الأدبية التي تتضمن إساءة مباشرة للمعتقدات الدينية أو لرموزها بصورة صريحة بالاسم، أنا لست مع هذه الطريقة على الإطلاق سواء كنت مؤمناً أو غير مؤمن حتى لو كنت ماركسياً فالمباشرة تسيء إلى الفن فيفقد جماله وشيئاً من سحره.

بهذه الحالة أو بهذا المنطق الذي تتحدث فيه، أنت مع الرقابة أحياناً وثمة أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ وزكريا تامر مارست الرقابة فهل أنت من الرقابة أحياناً أم مع حرية الإبداع مهما كانت التسميات والصور والأشكال.
سؤالك يحتمل تفاصيل لأن أي تعميم قد يفهم خطأ مبدئياً أنا ضد الرقابة الغبية وضد غباء الرقابة بهذا المعنى أنا لا أرى ضرورة للرقابة كما تمارس الآن في المؤسسات من قبل أشخاص محدودي الرؤية والفهم يتابعون ويلاحقون الكلمة ومعهم لائحة الممنوعات وقد يحوي الكتاب المسموح به ما هو أخطر مما تحويه تلك اللائحة.
إذاً بهذا المعنى من الصعب الحديث باختصار عن موضوع الرقابة لأنه معقد وشائك، الرقابة كما تمارس الآن أنا ضدها لأنها غبية وأبرز ما فيها هو الغباء، نجيب محفوظ لم يراقب بغباء إنما راقب كمبدع.

ولكن ثمة من قال: (الرقيب الجاهل خير وأفضل من الرقيب المثقف أو المتنور)؟
نعم، صحيح، هو أفضل من حيث تمرير العمل الأدبي من تحت ناظريه دون أن يدري وبهذا المعنى الرقيب الغبي والجاهل مفيد.

في كانون الأول سنة 1987 (صعدت قاسيون وناديت) اليوم لو صعدت قاسيون فماذا تنادي؟! ولمن توجه النداء؟
لو صعدت قاسيون سأنزل منكسراً خائباً، حزيناً، نادماً، مقهوراً مما آلت إليه أحلامي وأحلام الناس إلى درجة أن لا شيء الآن يدعوك لأن تنادي أو حتى لأن تهمس فلا النداء يجدي ولا الهمس ينفع فتنزل مثل (سيزيف) ولكن لا يمكن الاستمرار برفع الصخرة ثم سقوطها ثم رفعها ثم سقوطها، سأترك الصخرة وأنزل يائساً.. عندما أقول سورية يجب أن تهتز كل أعماقي وحتى تهتز يجب أن يكون كل إنسان ممتلئاً تماماً بهذه الكلمة وسعيداً بها وفخوراً لأنه بالتأكيد يفترض أن لا أحد يهدف إلى إيجاد ناسخشب.

هذا الانكسار وأنت تنزل قاسيون (أيجعلك تخلع قميصك) إن لم يكن، فمتى تخلعه؟
عبارة خلع القميص أثارت في ذهني حالتين، الأولى: يخلع القميص يائساً عندما يقضي عمره، وأنا لا أخفي ذلك ليس لأجل أي شيء، مما يمكن أن يتحدث عنه الناس، لا.. إنما فيما لو قالت لي زوجتي خذني إلى السينما، في سورية 2007 لا يوجد سينما ليس على مستوى الإنتاج فهذه ماتت منذ زمن إنما لا يوجد عرض سينمائي حتى وإن كان مستورداً ونحن في العاصمة فألغيت فكرة سينما وأيضاً المسرح، كل سنة تخرج مسرحية تعرض لمدة عشرة أيام ويغلق المسرح بعدها للذباب وهكذا بالنسبة للحفلات الموسيقية.
يخلع قميصه عندما يحلم بشارع غير محفّر، بعدم انقطاع الكهرباء والماء فنحن في الألفية الثالثة مازلنا نناقش هل نؤمن الماء والكهرباء بشكل كامل أم لا نستطيع؟ علماً أن البشرية ومنذ نشأتها تبحث عن الكلأ والماء وتعمل على تأمينهما، حينها ليس فقط تخلع قميصك إنما جلدك وروحك وكل تفاؤلك وتعتكف في بيتك.
الحالة الثانية وهي مختلفة: على الكاتب قبل (وليس بعد) أن يعرف كيف وبأي مستوى وماذا يكتب أيجب أن يعرف كيف يتوقف عن الكتابة ومتى يتوقف؟ وليس أن أصدر 15 رواية بعد 30 رواية لا يقرأها إلا زوجتي وبعض الأصدقاء وهي لا تصلح حتى للقمامة.
كتاب ومسرحيون وروائيون أنتجوا كمكنات دون أن يجدوا صديقاً مخلصاً يقول لهم توقفوا لأجل ما أبدعتم ولأجل الذروة التي وصلتم وتراهم ينزلون من الذروة إلى الحضيص ويستمرون بالإمساك بالقلم حتى الرمق الأخير.. أنا تعلمت كيف أخلع قميصي وعاهدت نفسي على ذلك.

علي الحسن

المصدر: الوطن السورية

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...