أنسي الحاج: مَــن أنــتِ، نادجـا؟

20-02-2010

أنسي الحاج: مَــن أنــتِ، نادجـا؟

عن هذا السؤال الذي طرحه عليها أندريه بروتون ذات يوم من 1926 في أحد شوارع باريس، أجابت الصبيّة: «أنا الروح التائهة».
كان ذلك في مطلع الشروق السوريالي وفي خضمّ لقاءات «الصدفة الموضوعيّة»، وتاجُها لقاء رجل بامرأة.
أعطت نفسها اسم نادجا لأنه، كما قالت، «بداية الأمل في الروسيّة». ولم تكن روسيّة.
لا أحد يجزم بالضبط إذا كانت العلاقة بين الصبيّة الغامضة وزعيم السورياليّة استمرّت فقط تسعة أيام هي الفترة التي ركّز فيها كتاب «نادجا» على سرد تطوّرات العلاقة، أمّ أربعة أشهر ونصف الشهر التي تثبت رسائلهما المتبادلة أنهما بقيا على تواصلٍ خلالها، وربما بأكثر من التراسل. وبعد التفتّح الساطع بدأ العاشق بالفتور والمعشوقة بالتدهور، حتى راحت تهبط شلّال الانهيار بلوغاً إلى المصحّ العقلي فالموت في التاسعة والثلاثين. وبعد لقائهما بسنتين أصدر بروتون رائعته «نادجا» التي أصبحت نجمة الكتب السورياليّة على الإطلاق، وإن لم تكن أكثرها أهميّة. فمَن هي هذه المرأة التي توهّجت لحظة ووهّجت في الزمان ثم غاصت وراء الأفق كما يغوص الحلم في الكابوس؟
مَن أنت، نادجا؟
للجواب عن هذا السؤال قامت الكاتبة الهولندية هستر أَلباك (اشتهرت في بلادها مذ نشرت روايتها الأولى «البدايات» التي أصبحت فيلماً سينمائياً) بإعادة عيش التاريخ. تقصّت الشاردة والواردة بمثابرة وصبرٍ عجيبين، وفي ما يشبه أجواء القصص البوليسيّة تكلّلت جهودها أخيراً بالنجاح: نادجا صبيّة فرنسيّة من ضواحي مدينة «ليل» في الشمال، ولدت في 23 أيّار 1902 حوالى السادسة مساءً، واسمها ليونا دِلكور. وقد صدرت الترجمة الفرنسيّة لكتاب الباحثة عن دار «آكت سود» الباريسيّة بعنوان «ليونا بطلة السورياليّة».
■ ■ ■
امرأة اللُمَع والانخطافات، صديقة الرؤى والغرابة، بنْت بيئة كادحة في الشمال الصناعي النازلة إلى باريس في منتصف العشرينات اندفاعاً بقوّة قَدَر تَحْدس به أكثر ممّا يعرف، المتيقّنة، تعليقاً على عنوان أحد كتب بروتون، من أنْ لا «خطى ضائعة» هناك، المدفونة في «بايول» عند الحدود الفرنسيّة القريبة من بلجيكا، في مقبرة بلا اسم، محاطة بمقابر ترفع شواهدها بفخر الانتماء والهويّة، هذا الحلم الذي ابتلعه كابوسه، ليس فقط صفحة خالدة في كتاب الحبّ بل هو رمزٌ من رموز المأساة الكبرى: صدام الخيال والواقع، وغالباً ما تدفع ثمنه المرأة.
■ ■ ■
أين تكون وأين تصير. عمر الحياة، الحياة الحقّة المحضة، الحياة البَرْق في العتمة، عمرها بَرْق في العتمة. المُلهِمة، المؤتَمَنة على سرّ الوجود، الواجهة المتلألئة للطبيعة بأسرها، المرأة التي تشعل فتيل الومض العبقري في النفوس، توجز المعجزة في لحظة، تستنزل الوحي، وحي الخصب الكيانيّ كلّه، بلمحة بصر، المرأة التي تلقيك فتنتُها على ركبتي روحك وجسدك، تلقيك لا صريع الجمال بل مُنْقَذَ الجمال، مصطفى الجمال، مولود الجمال، هذه المرأة التي يوحّد وجهها بين إرث الطفولة ونضج الثمر، وتطلّ بوهجها كباقة مكوّنة من الأنوثة الأولى ومنتهى الأنوثة، أين تكون وأين تصير. عمركِ لحظة أيّتها الإلهة، وما عدا هذه اللحظة هو الخطيئة.
ولا ذنب على أحد. فقط هو الحلم يبطئ في تحقيق ذاته. حلم البشريّة في التوفيق بين الانخطاف والديمومة. حلم محو الذَنْب من كلّ علاقة. حلم إحقاق مملكة الحبّ الحرّ، الفرح المتساوي، فلا جلّاد ولا ضحيّة، ولا يعود وحشُ الخيالِ يفترس غير وَحْشات الإغراء، المتجدّدات الصبا والإغراء والحريّة والتخييل فور افتراسهنّ، مثل عذريّة الحوريّات، الخالدات الصبا، اللواتي لا يعود يقع عليهنّ نظر يشيح عنهنّ نافراً، لا يعود يقع عليهنّ غير نظر الإعجاب، نظر الشوق والرغبة، بسحر ساحرٍ، بالسحر الذي برهن عمر الإنسان على وجوده في كثير من حقول الأسى واليأس، ولا بدّ، مهما صُفعنا، لا بدّ له من إكمال مسيرته الظافرة.
■ ■ ■
صادفها أوّل ما صادفها نهار أحد على الأرجح، كما تقول أَلباك، وبالتحديد الأحد 3 تشرين الأول 1926، خارجة، وعلى الأرجح، أيضاً، من كنيسة نوتردام دو لوريت بالقرب من ساحة سان جورج في باريس، وسرعان ما اجتذبه فيها مفارقة المزيج في عينيها بين اليأس والكبرياء. أمّا ليونا فقد «وجدت نفسها أمام رجلٍ بنظراتِ إلهٍ يتّجه صوبها مغموراً بشعاعٍ من العَظَمة العذبة» كما وصفته في رسالة إليه مؤرّخة 20 كانون الثاني 1927.
هو في الحادية والثلاثين وهي في الرابعة والعشرين. هو متزوّج وهي سبق لها أن وضعت، حين كانت في السابعة عشرة، طفلةً حملت بها من ضابط بريطاني عابر. هو يدعى أندريه وهي من ضاحية لمدينة «ليلّ» تدعى سان أندريه.
وتتوالى لقاءاتهما اليوميّة. ذات ليلة، بينما يتناولان العشاء على شرفة مطعم في ساحة دوفين، تنبئه ليونا فجأة بأن النافذة السوداء في الجهة الأخرى من الشارع ستضاء بعد دقيقة بالأحمر. وهذا ما يحصل. ثم تحدّثه عن «ريح أزرق» يَعْبر الشجر، وعن حلمٍ أزرق، وعن صوتٍ لازورديّ يذكّرها بأنفاسه. تتساءل أَلباك: «تُرى، هل كانت فعلاً ترى العطر رأي العين، وتعطي لوناً لبعض الصور والأصوات والأحاسيس؟ هذه ظاهرة تدعى «سينيستيزيا» (الحسّ المتزامن، كأنْ يذكّر عطرٌ معيّن بلون معيّن) (...) ظاهرة استخدمها كثيراً الشعر الرمزي. «العطور والألوان والأصوات تتجاوب كلّها» كما يقول بودلير». وتضيف: «كان بين ليونا وبودلير ورمبو نقاط مشتركة».
ينسحر بروتون بليونا انسحاراً يسبح فيه كتاب «نادجا»، كما نرى ما يضاهيه ويزيده تصاعداً وتعميقاً في كتابيه اللاحقين «الأواني المستطرقة» و«الحبّ المجنون». ولعلّ ما يشدّه إليها، أكثر من العشق، هو طبيعتها الشعريّة التي تفاجئه وأحياناً تصعقه صعقاً بعباراتها الجامعة بين العفويّة الطفليّة والرؤيا المزلزلة. كأنها الكائن الأنثوي والجوهر الشعري وقد انصهرا في بوتقة واحدة.
خلال تسعة أيام، يرويها بروتون في «نادجا»، نشهد مغامرةً من صميم الواقع وفي الوقت ذاته من صميم الحلم. الواقع الفوتوغرافي، الحَرْفي، ومع هذا حلم. تسعةُ أيام فقط أم تسع سلالم تصل بين الحلم والوعي، النوم واليقظة، الشروق والغياب؟
■ ■ ■
ولم يتأخر الغياب. كلّما كان الشاعر يعود في نهاية اللقاء إلى بيته الزوجي والمعشوقة إلى غرفة فندقها الحقيرة الباردة، كان الغياب يزداد تقدّماً. إلى أن توقف اللقاء اليومي وبدأ التراسل. في البداية كانت تسمّيه في رسائلها إلهاً، شمساً، ينبوع نور، ملكاً. وكانت تعطيه لقباً مصريّاً قديماً يعني ابن الشمس، ويمكن أن يعني أيضاً أبا الهول.
وتمضي أَلباك فتروي: «وإن اتّفق لها أن تخرج (من غرفتها) توجّهت تلقائيّاً إلى الأماكن التي اعتادتها. وهذه الأماكن اوكار معروفة لتلاقي رجال العصابات، باعة مخدرات وقوّادين (...) لعلّها ما إن تدخل حتى تطلب صحناً وكأس نبيذ وربما بعض الكوكايين، أو هي ربما تفاوض للحصول عليها. والواقع أن كتاب «نادجا» يوحي للقارئ أن البطلة كانت تتعاطى المخدّر (...) أما مدير الفندق الذي تقيم فيه فقد عرض عليها أن تدفع له فاتورتها من جسدها (...) رغم هذا، يمنحها حبُّها ما تحتاجه من شجاعة. إنها مؤمنة بأن الأمور لن تسوء (...) وهي واثقة، بالنظر إلى الإعجاب الذي يكنّه لها حبيبها، أنه سيعرف كيف يحميها».
في هذه الأثناء كانت المرأة ـــــ الصورة (نادجا) قد بدأت النزوح من ذهن الشاعر مُخْليةً المكان للمرأةِ الواقعيّة (ليونا دِلكور).
في رسالة إليه تسأله بلوعة: «لماذا أخذتَ منّي عينيّ؟».
وحيالَ مُضيّهِ في الابتعاد تزداد إلحاحاً ثم توسّلاً، قائلةً له في احدى رسائلها إنها تريد ما يريد، وإنه بحاجة إليها، وإنها روحه التوأم، وإن كيانها مفعم به، ويدها لا تخطّ إلاّ ما يفكّر هو فيه. وتذكّره مستعطفة: «ألستَ مَن سمّاني زوجتك التي من زجاج؟».
هذه الرسالة كتبتها له بعدما يئست من إمكان سماع صوته بالهاتف. حملتها له بنفسها إلى منزله، شارع فونتين، فلم تعد تملك ما تشري به طابع بريد.
وأخيراً، بعد سلسلة رسائل متصاعدة الشكوى حتى الثورة، أعاد إليها الشاعر دفترها الذي كانت تطالبه به، وهو غير رسائلها. دفتر كتابات ما إنْ استرجعَته حتّى هدأت. فقد رفضت أن يشاركها الاطلاع عليه أحد غيره. وشكرته بعرفان جميل مؤثّر ومديح يجدّد «الإيمان» به. ورضيتْ أن تحيد عن دربه متلاشيةً كضباب عن زجاج نافذة.
■ ■ ■
وفي رسالة إليه مؤرّخة 7 كانون الأول 1926 تتحدّث عن «العدم، بداية كلّ شيء».
■ ■ ■
في آخر «نادجا» مقطعٌ يستهلّه الشاعر بـ«أنتِ»، مكرّراً إيّاها حتّى الختام. هذه الأنتِ المُمجَّدة ليست «نادجا»، بل هي الحبيبة التي ستحلّ محلّها. كانت ليونا ـــــ نادجا دمغة لن تُمحى، ولكنّها حلقة في سلسلة الوجوه العديدة لـ«الحبّ الأوحد». ويقول للجديدة: «أنتِ التي ليست شيئاً فوق كونها امرأة، رغم كلّ ما قادني ويقودني فيكِ لكي تكوني وهماً (...) أنتِ التي لا تعرف الشرّ إلّا عبر القيل والقال. أنتِ، وبالطبع، ذات الجمال المثالي. أنتِ التي كل شيء يعيدها إلى شقّ الفجر ولهذا السبب بالذات قد لا أعود أراها أبداً...». وأيضاً: «لستِ لغزاً بالنسبة لي. بل أقول إنّكِ تصرفينني صرفاً نهائيّاً عن اللغز. ولأنّكِ موجودة، كما وحدكِ تعرفين أن تنوجدي، ربّما لم يكن من الضروري كثيراً أن يكون هذا الكتاب».
«قد لا أعود أراها أبداً». هذا ما حصل مع السابقة ليونا وهذا ما حصل مع اللاحقة ثم اللاحقة ثم اللاحقة.
ومَن كان منكم بلا هذه الخطيئة فليرجمه بحجر.
لماذا تصدّق النساء حماسات الشعراء؟
ولماذا لا تصدّق المرأة أن التهاب حماسة الشاعر، أو أي عاشق كان، في هذه الساعة صادق، وأنّه إذا تبخَّر بعد حين فلأنّ خللاً ما في الطبيعة بل في العادات والحضارات فَرَضَ واقعاً يترنّح فيه طرفٌ من الغدر به وطرفٌ من عجزه عن المضيّ في حمل عبء الوفاء؟
وحتّى يستقيم الميزان ويُمحى الخَلَل، لا بدّ من تبدئةِ العشقِ على المعشوق والحبّ على الحبيب. وطبعاً بأقلّ ما يمكن من الخسارة.
وفي انتظار ردم هذه الهوّة، يجب أن تُشجَّع المرأةُ على المزيد من التحرّر، والمزيد من حقّ تقرير المصير، والمزيد من التجرّؤ على «خيانة» الرجل. ما دام الرجل يهيم وراء حلمه، لماذا لا تهيم المرأةُ وراء حلمها؟ وهل يحقّ للرجل أن يرى حلمه مجسّداً في الوجهِ تلو الآخر ولا يحقّ للمرأة؟
تُلهم المرأةُ الرجلَ أروعَ ما حَقَّق، ثم تُظْلَم أسوأ ظلم. يجب أن تشبه المرأة في المستقبل تلك التي في حلم الرجل وتظلّ تشبهها حتى تصيرها. يجب أن تصبح متعذّرة الأسر في رباطٍ واحد كما هو الرجل متعذّر الأسر في رباطٍ واحد.
وليس كثيراً عليها أن تبدأ بـ«خيانته» قبل أن تولد.

أنسي الحاج

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...