حنا مينه: شيء من الذكرى

05-06-2010

حنا مينه: شيء من الذكرى

القارئ الكريم يعرف، أو من المأمول أن يعرف، أنني روائي، لكنني، كما يقول بعض النقاد: أنسج الرواية شعراً، وهذا مأخذ عليَّ، فحسب الذين يفضلون، وهذا شأنهم، أن تكون الرواية كلاماً عادياً فقط، رغم أنني أدعو إلى قتل العادية، إلى وأد المألوف، وصولاً إلى الخارق، في الكتابة والكلام والعيش.

ومن البديهي، أن ثمة مبالغة، في مأخذ أولئك النقاد، من حيث شعرية الرواية التي أكتب، فالشعر شيء والرواية شيء آخر، وأفهم هذا جيداً، إلا أن التأنق في اللفظ ليس شعراً، بدليل أن القراء، من كل الفئات والطبقات، يقبلون على رواياتي إقبالاً فيه حفاوة مشكورة، ويعون ما فيها من مضمون، ومن قول مراد، في الرمز والأسطورة والأنق الجميل، دون أي صعوبة، وهم يكتبون إليّ، ويا كثرة ما يكتبون، أن السلاسة في هذه الروايات تأسرهم، وأن العفوية الفنية التي تتوارى معها القصدية تماماً، محببة إلى قلوبهم، تأخذهم إلى أجواء القص أخذاً فيه شغف وشدة، سواء في السرد أو الحوار، ولهذا فإنني، وفق إحصاءات دار الآداب اللبنانية، ناشرة رواياتي منذ ربع قرن، من أكثر الروائيين العرب انتشاراً، أُجاري فيه الشاعر المرحوم نزار قباني، الذي تبيع دواوينه الدار نفسها، وإن روايتي (الشمس في يوم غائم) بكل ترفها اللغوي، المداني لنشيد الإنشاء، تطبع، ويعاد طبعها، منذ صدرت قبل عشرين عاماً وإلى الآن. ‏

المهم، في هذا كله، أنني أدرك، على نحو جيد، حد الرواية وحد الشعر، فلا أخلط بينهما، وإن روايتي الشهيرة (الياطر)، ذات النفس السردي الواحد والمتواصل، دون تقطيع إلى فصول، يحار المتتبعون لأعمالي، في كيفية صياغتها لغوياً، من حيث البساطة والعمق معاً، ومن حيث الدلالة التي تتراءى فكرياً، من قلب الحدث، لا من خارجه، ولا بالمباشرة أو القسر أو الصراخ، هذه الأفعال التي تقتل الإبداع، أو تسطحه تسطيحاً، وقد تصدى الكاتب والناقد التونسي الكبير، الأستاذ توفيق البكّار، لترجمتها، أي (الياطر) إلى الفرنسية، ولا يزال في حيرة، وفي ضنك، بحثاً عن الكلمات الفرنسية، المقابلة لكلماتها العربية، رغم ضلاعته في اللغتين معاً. ‏

إذاً أنا لا أكتب الشعر رواية، ولا الرواية شعراً، وإن كان في بعض رواياتي مثل (مأساة ديمتريو) وغيرها، قدر من الشعر، في هذه الصفحة أو تلك، وفي هذا الفصل أو ذاك، او في الرواية كلها، مثل (حكاية بحار) وسواها، وتأتي الشعرية، غالباً، عند وصف البحر، أو الغابة، أو الثلج، أو الجبل، أو الحياة والموت مثلما في رواية (حمامة زرقاء في السحب). ‏

وإذا كان الشاعر المرحوم بدوي الجبل، قد قال: ‏

شادٍ على الأيك غنّانا فأشجانا ‏

تبارك الشعر ألحاناً وأوزانا ‏

ترنّم البان واخضلت شمائله ‏

فهل سقى الشعر من صهبائه البانا؟ ‏

فإن المبدعين يجيبون: نعم! فنحن الأيك والبان، ونحن بالكلمة، من يغزل الشعر أيكاً وباناً، تِيها بالجمال، والتيه بالجمال يكون، وحباً بالحياة التي باركها حتى بودلير نفسه، ثلاثاً، رغم مرارتها. ‏

إنني في الكتابة، استشعر فتوناً بالنشوة، وأحسب أن صحبي معي، على متن سحابة بيضاء، مسوقة بالريح رهوة، وهي السحابة، في زهو مسراها، جلوة فرح، وذكريات، وشوق قديم، عتقته الثمانون من الأعوام، ولا يزال له، بين الضلوع، حضور عزم، كالذي كان، كالذي مضى، ونحن في ميعة الصبا هبوة مضاء، يشيل بنا إلى مطلع الشمس، حيث الأكواب ملأى، من عرس قانا، عتاق راح، في عتاق مودات، نذرناها للجلّى، عتاباً لا دمع به، وإنما في رجوة القصد، رجوة كفاح، القلم بعض سلاحه، والجسد بعضه الآخر، وفي عناقهما عنوة وتصميم، كان لنا، في رابطة الكتاب العرب ملعب يراعات، السلم عادلاً هدفها، والحق والخير، والجمال، والدنيا، من حولنا، سكرة نيران، في شبقها تضرت الآمال خضراً، ونحن، في الأفق البعيد، طلوع فجر منتظر، في زنده والقدح، شراراتٌ عجاب، لفتية نُجُب، عاهدوا على العطاء، إبداعاً مصفى، فوفوا بما وعدوا، وصدقوا ما عاهدوا، وكان لوفائهم والصدق، رنين في الأسماع، طرب له من حولهم، لكونه رنيناً جديداً، لم تألفه الصياغات، نثراً وشعراً، يجانف ما توافقت عليه مطولات النثر والشعر، من ناحية التكرار، تزويقاً لمعنى بغير معنى، بغير هدف، بغير قراع، بغير تصدٍ للأعداء، محتلين ومغتصبين، في فلسطين وغيرها، وبغير مقاومة للشرور التي تأخذ بأعناق الناس، أغلال مذلة للمحتل، للمجرم، كشارون وطغمته الإرهابية، وقيود مهانة، وبؤس، بالغ البؤس، في شدته والبلوى. ‏

ولم تبق (رابطة الكتاب العرب) التي أرغب في الكلام عنها، سورية الحد والحدود، بل انداحت دوائرها إلى الوطن العربي كله، وهذا ما سوف أتحدث عنه، وفاء للذكرى، وللتاريخ الأدبي، في مقال لاحق .

حنا مينه

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...