يوم افترض العالم كله مزحة واحدة

28-01-2010

يوم افترض العالم كله مزحة واحدة

الجمل: زياد عدوان: هل من الممكن تصور مزحة واحدة يفهمها العالم كله، وبالطريقة نفسها، من اليابان إلى تشيلي؟
في الثامن من شهر كانون الثاني الجاري، كان الرجال المسجلون في موقع facebook على موعد مع لغز لم يتوقع أحدهم أن يتعرض إليه. لاحظ رجال ال facebook أن معظم النساء على الموقع إياه قد كتبن اسم لون ما فقط أمام أسمائهن. واحدة كتبت أزرق وواحدة كتبت أحمروأسود وزهري وأخضر وأبيض وهكذا... انتشر اتفاق ما بين المشتركات في موقع  facebook على كتابة أسماء الألوان فقط، وبالمقابل انتشرت الحيرة بين الرجال.
انقسم العالم تماماً في ذلك اليوم إلى إناث وذكور بعد أن انتشرت حكاية  الألوان عبر القارات الخمس. فتواطئت على سر ما معظم المشتركات في موقع  facebook من انكليزيات وبرازيليات وعربيات وصينيات وكل إناث العالم المسجلات على موقع  facebook وهن على دراية كاملة أنهم سيشغلون رجال الـ  facebook  من جميع الجنسيات. كان هناك إحساس ما أن العالم كله يخترع ويتشارك لتأليف مزحة كونية ما.
اعتقد بعض الرجال بداية أن وجود لون أمام أسماء المشتركات في الموقع قد يكون صدفة. ولكن ومع ازدياد النساء المتورطات بهذا اللغز، احتار الرجال وانشعلوا وخمنوا وناضلوا واستغربوا وتمحصوا لمعرفة ما وراء حكاية الألوان هذه، ولكن بلا فائدة. كلما حاول رجل ما الاستفهام من امرأة عن الموضوع كان التجاهل مصير فضوله. وبقي الأمر على هذا الشكل طوال يوم 8 – 12 – 2010، النساء يزددن اصراراً على كتابة أسماء الألوان والرجال يزدادون فضولاً دون إجابة.
ولكن، وبطريقة أو بأخرى، تسرب السر خارج دائرة النساء على  facebook، واضطلع بعض الرجال إلى السر. فالسر سينكشف عاجلاً أم آجلاً، وخاصة أن هذه الظاهرة شغلت وكالات الأنباء العالمية جميعها التي لا تترك (ستر مغطى). وبما أن الأمر بدأ كمزحة فكان لا بد للسر أن ينكشف. وهنا كانت المفاجأة بصدمتين عندما بانت الحقيقة وانكشف السر و(الستر المغطى).
الصدمة الأولى: أشارت أسماء الألوان أمام أسماء الإناث إلى لون الصدرية الداخلية لكل مشتركة. أما الصدمة الثانية: كانت هذه الوسيلة تعبيراً عن تضامن النساء مع المصابات بمرض سرطان الثدي! استيقظت المشتركات في  facebook ليجدن رسالة من مجهول في صندوقهن الخاص، تطلب من المشتركات أن يكتبن لون الصدريات الداخلية فقط. أما الهدف فهو جذب انتباه العالم إلى المصابات بسرطان الثدي. وهنا كان نص الرسالة:
" فلنمزح قليلاً ... اكتبي فقط لون صدريتك الداخلية أمام اسمك. اللون فقط ولا شيء آخر. وسنرى إن كانت هناك مقدرة للفت انتباه العالم إلى مرض سرطان الثدي. وسيكون مسلياً أن نرى كم من الوقت سنحتاج قبل أن يبدأ العالم بالتساؤل لماذا تكتب البنات أسماء الألوان أمام أسمائهن ... هاها"
ولأن هذه ال(هاها) سريعة العدوى فقد بدأت الإناث بكتابة ألوان أمام أسمائهن، وكان الأسود والأبيض والوردي والبيج الأكثر استخداماً بين ألوان الصدريات. ونجحت الحملة كما خطط  نص الرسالة وبدأ العالم بالتساؤل، واتشغل محرك البحث google  بالتقصي عما وراء قصة الألوان هذه، فلم يخطر ببال أي رجل أن تشير هذه الألوان إلى ألوان الصدريات الداخلية، كما لم يخطر ببال أي رجل أيضاً أن هدف المزحة هذه هو لفت أنظار العالم إلى مرض سرطان الثدي. وفي لحظة معينة بات موضوع الألوان أمام أسماء إناث ال  facebook في المرتبة الثالثة والثلاثين بين كل ما يقوم  google  بالبحث عنه. انكشاف السر هذا زاد من الحيرة، كما زاد الارتباك أمام الرد الفعل الآني والمناسب. وقع المعظم في حيرة بين أن تضحكهم مزحة محرجة وبين أن يفكروا وفي الوقت ذاته بسرطان الثدي.
ولأن مرض السرطان يبعد الضحك كفكرة وسلوك يومي، كانت الحملة تذكيراً للجميع أن  أمر الشفاء لا يتوقف عند المستوى البيولوجي والعلمي لمرض السرطان، بل هناك مستوى آخر، وهو نفسي بالضرورة. فمن أجل هدف يحاول أن يرفع المعنويات، استخدمت النساء جرئتهن وخفتهن وتشاركن بمعلومات عن قد تبدو حساسة ومحرجة بعض الشيء من أجل صياغة مزحة يشارك بها العالم كله بكل أعراقه. ومع الوقت سيعرف العالم هذه المزحة، وسيعرف أيضاً أن نوايا النساء الطيبة هي التي كانت فقط وراء هذه الحملة. قد لا تشفي الحملة هذه المصابات بسرطان الثدي، ولكن خفة المزحة كانت مشاكسة للألم وأرادت أن تترك ابتسامة ما.
من المثير هنا استذكار كاتب القصة الإيطالي إيتالو كالفينو عندما تشاكس مزحة الألوان هذه كآبة مرض كالسرطان. في المحاضرة الأولى من محاضراته المشهورة (ست وصايا بمناسبة الألفية القادمة) أوصى كالفينو بضرورة أن أن يكون الأدب خفيفاً أمام ثقل الحياة المعاصرة، وثقل الحروب، وثقل المدن، والبنوك. الخفة هي وحدها القادرة على مقارعة هذه التركات الثقيلة، تماماً كما فعل بيرسيوس عندما أراد أن يقتل ميدوزا التي كانت تحول الناس حجراَ متى نظرت إليهم. لم يكن أمام بيرسيوس إلا ارتداء الأحذية المجنحة والطيران ليقضي على ميدوزا، ولم يكن من وسيلة للقضاء على ثقل الحجر إلا خفة الطيران.
ما قالته النساء على ال  facebook  ينصب على النحو التالي. هناك العديد من حملات التبرع المنظمة لمراكز أبحاث السرطان، ولكن هل كل ما تحتاجه المصابات بسرطان الثدي (والمصابون والمصابات بشتى أنواع السرطان) الأموال لإجراء التجارب العلمية واكتشافات العلاج؟ وهل يتوقف العلاج عند المستوى البيولوجي؟ يعرف الجميع أن المصابين بأمراض السرطان أيضاً يعانون من الكآبة التي يمكن أن تصل إلى الإحساس بالعدمية والاستسلام. فأتت المزحة التي أطلقتها نساء الـ facebook  كرغبة بسيطة بمساعدة معنوية وغير مؤذية تضامناً مع المصابات بسرطان الثدي.
لا يزال مصدر الرسالة هذه مجهولاً. وترجح الاحتمالات أن مجموعة سيدات من ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية كن وراء الرسالة هذه، ولكن لا يزال هذا احتمالاً. كما ذهبت بعض التأويلات إلى أن مصدر الرسالة كان فيروساً. إلا أن الملفت للنظر أن هذه حملة (ما هو لون صدريتكِ؟) لم تهدف إلى تجميع التبرعات والأموال لمكافحة السرطان. كان كل ما هنالك مزحة خفيفة ولفت انتباه بسيط انتشر بسرعة تفوق السرطان نفسه في العالم كله، وخلال دقائق قليلة تضامنت المشتركات في  facebook وكتبن ألوان صدرياتهن. وفي غضون أيام قليلة انتشرت حملات أخرى على الانترنت للتبرع إلى مراكز أبحاث سرطان الثدي.
مزحة يوم 8-01-2010 كانت مناسبة لمشاكسة الألم وهدية من البشرية كلها إلى المصابات بسرطان الثدي. أثبتن نساء الـ  facebook أن العالم بات صغيراً بحجم المزحة. وأن المزحة قادرة على الانتشار بسرعة تفوق انتشار السرطان نفسه. اندفع الجميع للمشاركة بهذه المزحة، وأبقوا على المزحة بحجم المزحة دون مزايادات. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن السوريين الممنوعين من الدخول إلى موقع facebook استطاعوا استخدام proxy  سعودي وصيني (وهما أشد ديكتاتوريات العالم قسوة، وأكثر الأنظمة احتقاراً للمزاح والضحك)، للدخول إلى موقع facebook، كي يشاركوا العالم كله في مزحة 8-1-2010.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...