مطبخ البيت مملكة المرأة ويبقى أشهر الطباخين «رجال»

30-01-2010

مطبخ البيت مملكة المرأة ويبقى أشهر الطباخين «رجال»

بعض الناس يأكل ليعيش، وآخرون يعيشون ليأكلوا، وجميعهم يجد ضالته في المطبخ.. حقاً، متعة لا مثيل لها أن نتلذذ بما أفنى الطباخون عمرهم لإتقانه، وأن نلتهم في دقائق ما اجتهدوا لتحضيره لعدّة أيام.  بين «الطنجرة» والمقلاة، وعلى رائحة البصل والفلفل الأسود، اقتحمنا على الطباخ مملكته، وهذه المرة استطاع، وبجدارة، أن يسعى إلى قلوبنا بمتعة تجربته لا أطباقه، معتذراً بلباقة، لأنه سيخالف أصول المهنة ويخاطب وجداننا لا بطوننا..

 (اليوم، يُطل علينا الشيف رمزي بكتاب هو أقرب إلى الموسوعة في فنون الطبخ الشرقي والغربي)، وقبل أن ينتهي الإعلان، يطفئ التلفاز، فهو ليس من المتحمسين لكتب الطبخ المحضّرة في المطبخ العربي، أو بالأحرى ليس من تلامذة الشيف رمزي، أو حتى المعترفين بأستاذيّته في فنّ الطبخ.
 حسام الحلبي، الممتهن الطبخ، منذ أكثر من ستّ عشرة سنة؛ لم يصل خلالها إلى حلمه في الشهرة، رغم محاولته إقناع نفسه بأنّه شيف ذو خبرة، وبشهادة المعهد المتوسط الفندقي، الذي فشل في تطبيق أيّ من نصائحه النظرية، بدليل أنّ المعكرونة، التي تعلّم طبخها نظرياً في المعهد، لم يأكل الزبائن أصابعهم وراءها، كما وعد الأستاذ فيما لو طبِّقت وصفته بحذافيرها، وإنّما أكل عليه صاحب المطعم أجرة شهر، عقوبة على سوء النكهة، في أوّل مطعم عمل فيه بعد التخرج.

المطبخ.. مملكةٌ وباب رزق
وتحت إشراف الشيف الجنرال ينقسم الطهاة المساعدون قسمين، قسم البارد (مقبلات، وفتة وسلطات)، وقسم الساخن (طبخ)، وبعض المطاعم تصنّف طهاتها، بحسب التخصص، فإما غربي وإما شرقي.
يقول الشيف هيثم الشوفي: «الطبخ الشرقي أصعب بكثير من الطبخ الغربي المسلوق، وهذا يتطلب خبرة وممارسة، بعيداً عن الوصفات التنظيرية»، ومن هنا أكثر طباخي العالم شهرة ليسوا من حملة الشهادة، وإنّما من خريجي المطابخ، والشوفي، الذي لا يملك أية إجازة في فن الطهي، باستثناء خبرة 35 عاماً قضاها في التدريب والتعلّم ما بين مطبخ المنزل، بإشراف والدته، ومطبخ المطعم، كشيف مساعد، ليستحق بعدها لقب الشيف الجنرال لأفخم الأوتيلات والمطاعم.
يقول: «طالما تمنّيت غياب الشيف الرئيسي عن المطبخ ولو لساعات، لأظهر نفسي وحبّي للطهي».
البصلة... والسرّ
(الشيف العربي يطلب من الشيف المساعد إحضار بصلة، ريثما يضع البهار للطبخة، ليفوّت عليه فرصة تعلّم الطبخة على أصولها).. هذه الحادثة يرويها أكثر من شيف، ومنهم بلال، بعد أن ضاق ذرعاً ببخل الطبّاخين العرب ممّن خضع لدورات تدريبية على أيديهم، وكانت خبراتهم تصله بالقطارة، وكأنّه جاسوس على المهنة لا مرتزق منها، فأسس الطبخ، بالنسبة للشيف، ضرورةٌ وليست ترفاً، طالما أنّه امتهنها ليعيش منها.
ولكن، يبدو غريباً عن واقعنا، إصرار غالبية الطباخين السوريين على احتكار أسرار الطبخ، فالوضع اختلف اليوم، ولم يعد هناك ما يسمى سر الطبخ، لأن من يرفع هذا الشعار من الطباخين، يدلل على أفكاره التقليدية وخوفه من المنافس، وعدم قدرته على التطور ومواكبة جنون الأطباق المتجددة وغير المبتكرة. وتقلّ أهمية نتاج الشيف عندما يسمح لاجتهاده الشخصي بالتغلّب على أصول الطبخة، وعادةً ما تسمّى هذه الأطباق بلغة الطباخين «تخبيصات».

للرجال فقط
في المثل الشعبي: «أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته»، وفي المجتمع الشرقي: «جميع الطرق مسدودة ما عدا طريق مطبخ البيت».. فالعادات تحظرعلى المرأة إقحام نفسها في هذه المهنة الذكورية بامتياز، وتحبس موهبتها ونَفَسَها في الطهي بغاية إرضاء زوجها، فلا تتعدى حدود مملكتها (مطبخ المنزل).. وفي حين تؤكد إحدى الدراسات أنّ 74 % من النساء يجذبهنّ منظر الرجل المنهمك بتحضير الطعام، يرفض الشيف بلال دخول مطبخ المنزل إلا ليضع اللمسات الأخيرة على ما أعدّته الزوجة المحرومة من طبخ زوجها.  وفقاً للشيف حسان: «طبخ البيت له طعم خاص، أطيب من طبخ المطعم، فالنفس الأنثوي لا يُعلى عليه، ولا من أمهر الطباخين الرجال».
وربما يرجع ذلك إلى كون المرأة في المنزل تطبخ بكميات قليلة، وتعطي الأكلة حقّها من العناية لتنضج بهدوء، بينما في المطعم ـ كما يقول الشيف هيثم ـ يطبخ الشيف الرجل لخمسين شخصاً في أقلّ من ساعة، وهذا ما لا يمكن للمرأة أن تنجح فيه.
وبدوره رامي يرفض فكرة دخول المرأة مطبخ المطعم، وتحمّلها مسؤولية 20 شيفاً مساعداً يعملون تحت إشرافها، ويضيف: «المصيبة الكبرى أن يكون الشيف الجنرال ومساعدوه كلهم من النساء، عندها ستبدأ المشكلات والغيرة وحب إظهار الذات على حساب الأخريات». ويؤكد الشيف عبد القادر: « لا أحد ينافسني في المطبخ سوى زوجتي، إنّني أعشق جميع الأكلات من يدها، ولا سيّما المحاشي والكبب»..
ففي العام 2007  حصل الشيف الشاب، أيهم غزال، على جائزة «طاهي المستقبل»، التي تمنحها الأكاديمية الدولية لذواقي الطعام، وقبلها بعام واحد منحت الأكاديمية كتابَ «أسرار حلب» (Les Secrets de Alep) جائزة أدب تذوّق الطعام. 
 «الشاكرية».. والجائزة الشرفيّة..
والجائزة الشرفيّة التي استحقها الشيف السوري، هيثم الشوفي، عن طبخة «الشاكرية»، كأطيب أكلة في مسابقة الطباخين في دبي، لم تكن الجائزة الأولى ولا اللقب الأخير الذي ينتزعه طباخون سوريون من مسابقات وبرامج عربية وعالمية، فالمطبخ السوري من أعرق مطابخ بلاد الشام، هذا المطبخ الذي يقبل في عضويته اليوم طباخين ذوي خبرة قبل أصحاب الشهادات.
 أشهر الأطباق السورية
من أشهر أطباق المطبخ السوري الكبب - المحشي - اليبرق - الملفوف - الملوخية - الفاصولياء - البامية- السبانخ - المجدّرة - المخلوطة ـ المطبقة - المحوّشة - ارمان (شاكرية) - شيخ المحشي - البازلاء - الفول - المنسف الحلبي – الفريكة، ولكن يعاني المطبخ السوري من ندرة الكتب التي تختصر وصفات أطباقه، لتجعله حاضراً بين كتب الطبخ العالمية.
 «احترقت الطبخة»
الإحصاءات التي أجريت مؤخراً أظهرت أنّ كتب الطبخ تحتلّ المرتبة الثانية في نسبة المبيعات، بعد الكتب الدينية مباشرة، و80 % ممّن يشترون كتب الطبخ يطبّقون في منازلهم ما تحتويه هذه الكتب.. أمّا في العالم العربي، فالمسألة تجارية يقف وراءها أناس يركبون موجة فوضى الكتب.. مسميات براقة ومغرية بلا مضمون، ومقادير غير دقيقة. وطالما أكّد الشيف أنّ «الطبخ صار بالنسبة إليه مهنة أكثر من هواية، وأنه لا بد من تطوير أدواته الاحترافية»، غير أنّ كتب الطبخ العربية لن تفي بالغرض، لأنها  تفيض بالمقادير وتبخل بالتفاصيل، كما يقول الشيف رامي: «نادراً ما تجد في كتاب طبخ من إعداد شيف عربي، فصولاً تعلّم كيفية إصلاح «الطبخة» أو أيّة نصائح عن تنمية الذوق والنَفَس في الطبخ».

المقلاة الذهبية
تعاني نسبة كبيرة من الطباخين مشكلة إدراك غايات الزبائن، أو بالأحرى إرضاء صاحب المطعم (المعلّم)، وهذا ما يحدث تماماً مع الشيف غسان، حيث يصرّ صاحب المطعم على تنصيب نفسه أستاذاً عليه في فنّ الطهي، ورغم ذلك يرفض أن يفعل كما يفعل أغلب زملائه في المهنة، وذلك باستغلالهم جهل أصحاب المطاعم وزبائنهم بأكلات أوروبية شكلاً وطعماً واسماً، ويتباهون بها، كآخر اختراعاتهم في فن الطهي، والتي تضاف لاحقاً إلى (المنو) باسم وجبة الشيف.
ومع أنّ بعضهم يعتبرها شطارة، فإنّ آخرين يرونها مناقضة تماماً لأخلاقيات المهنة التي تتطلب من ممارسها احترام الزبون وحقّه في معرفة ما يأكل ومصدره، فضلاً عن النظافة والشكل الأنيق للطبق، الذي يعمل على فتح الشهية، و «على سيرة (الشهيّة)» يفترض أن يخضع الشيف اليوم ـ بحسب رامي ـ  لدورات في كيفية ضبط الشهية تجنّباً للبدانة والأمراض الصحية.
وبعض الطباخين علّمتهم التجربة في المطاعم الغربية أن يحترموا الشيف العربي الذي يبدع في كلّ ما يحضّره من أصناف، لأنه ذوّاق بطبعه، أكثر من كونه صاحب خبرة عاش مع شعوب «تحبّ بطنها»..
 كلمة شيف (CHEF) ليست مجرّد لفظ يطلق على الطاهي، بل هي كلمة تختزن في داخلها علماً واسعاً؛ فالحرف الأول C اختصار لكلمة Cuisine، أي مطبخ؛ أي معرفة الطاهي بالمطبخ.. فيما يدلّ الحرف الثاني H على Hospitality؛ أي الضيافة، أمّا الحرف الثالث E، فيعني تعليم Education، بمعنى أن يكون الطاهي حاصلاً على شهادات من كليات وفنادق عريقة، وأيضاً قارئاً ومثقفاً، في حين يشير الحرف الرابع F إلى Food؛ أي يكون هذا الطاهي عالماً بخصائص الأشياء ومكوّنات ما يطبخ.
وإذا أخذنا الجمع من الكلمة؛ أي Chefs، فعندها يدلّ الحرف S على Society؛ أي المجتمع، فالطاهي ملتزم تجاه المجتمع الذي يعيش فيه.

دارين سليطين

المصدر: بلدنا

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...