كيف يفكر جمهور حزب الله في لبنان وما هو سرّ حسن نصر الله؟ (1-3)

29-08-2006

كيف يفكر جمهور حزب الله في لبنان وما هو سرّ حسن نصر الله؟ (1-3)

الصمود والكرامة والسيّد نصر الله، أقانيم ثلاثة يلهج بها جمهور "حزب الله". تتهدّم المنازل فوق رؤوس النساء والشيوخ والأطفال، يقتل الشباب في المواجهات، تحرق الأرزاق، يرتفع عويل الثكالى وينزح الآلاف من بيوتهم، ويبقى الصمود والكرامة والسيد نصر الله حيث هم، فكيف يفكر جمهور "حزب الله"؟
تركيبة هذا الجمهور الدينية والسوسيولوجية وما عاشه من ظروف صعبة نتيجة وجوده على خطّ المواجهة مع إسرائيل جنوبا مجبولة بمعاناة عميقة.
على مرّ التاريخ ملأت الجراح كيان الشعب الجنوبي وحفرت عميقا في لاوعيه، فصار يبحث عن منقذ ينتشله من مخالب إسرائيل ومن تهميش المجتمع اللبناني، فكان "حزب الله" الذي تعرّف المجتمع اللبناني الى جمهوره أثناء النزوح الكثيف من الجنوب والضاحية والبقاع.
كيف يفكّر جمهور "حزب الله" ولم طريقة تفكيره "مختلفة" عن بقية شرائح المجتمع اللبناني؟ ما السر في شخصية أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله الفذّة الجذابة الكاريزماتيكية، التي تأسر قلوب الشباب والنساء والأطفال في لبنان كله، وذات السطوة على جمهور "حزب الله" السائر نحو الإستشهاد بلا تردد في مسيرات جماعية لا توفّر أحدا؟
السيدة الخمسينية التي تظهر عبر شاشة تلفزيون الـ"أن بي أن" تقول أنها "لم تصل" الى الكرامة بعد لأنها لم تصبح أما لشهيد. في أحد صفوف مدرسة حارة صخر الرسمية بدا الصمود مجسّدا أيام الحرب: يجلس فهمي علوية وزوجته سلمى وأولاده وأقارب له في حلقة دائرية ويجالسهم السيد كميل تابت وابنه مارون الذي يهدهد بين يديه طفلة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة هي لايدي، ابنة فهمي وسلمى. الرجلان ناشطان في "التيار الوطني الحر" وهما يمضيان معظم أوقاتهما في التحادث مع "الزائرين" متبادلين الأحاديث السياسية والاجتماعية التي لا تخلو من نقد كثيف للطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، في ترجمة تعكس التحالف بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".
إنه الثاني من آب، مرّ 21 يوما على بدء الحرب، وامتلأت صفوف المدرسة بثلاثين عائلة نزحت من صريفا وشبعا ومارون الراس وضاحية بيروت الجنوبية وتوزعت العائلات على 13 صفا.
جوّ الصف حيث عائلة فهمي يبدو مريحا: قهوة عربية في فناجين بلاستيك، ابتسامة السيدة سلمى لا تفارقها، لا تشعر أنك في صف مدرسة وان ثمة عائلة سلخت من منزلها وتركت رزقها إلا حين ترى فرشة سميكة مفروشة على الأرض " الإخوة المسيحيون في هذه المنطقة جلبوا لنا الفرش التي ينامون عليها وقدّموها لنا ما إن علموا بوجودنا" تخبر سلمى وتردف:" لم أتصوّر يوما أن أعيش بين مسيحيين وأكون مرتاحة الى هذا الحدّ، تصوّري أنني أحمل همّ فراقهم وأنا في هذه الحالة".
ويقول فهمي: "هذه التجربة رسخت فينا قول الإمام موسى الصدر: التعايش المسيحي - الإسلامي ثروة يجب أن نتمسك بها".
عائلة فهمي وسلمى لا تنتمي الى "حزب الله"، هكذا أخبرانا في بداية الزيارة التي دامت زهاء ساعة ونصف الساعة، لكن سلمى أخبرتنا ان ابن خالها محمد طفلا استشهد في صفوف "حزب الله" في المعارك الأخيرة " هو أب لخمسة أولاد، نعاه الحزب، تضايقت عندما علمت بالخبر، لكني شعرت بالفخر بأنني قدمت وعائلتي شيئا لهذا الوطن، أشعلت سيكارة ثمّ اتصل بي شقيقي من المانيا وقال لي أنه يجدر بي ان افخر بذلك وأننا جميعنا على طريق الشهادة".
ويتدخل فهمي:" لدينا مبدأ في ديننا، إما النصر أو الشهادة وفي الحالتين إن النصر لنا".
سلمى هي أمّ لأربعة أولاد أكبرهم في الحادية عشرة: فالنتينا، علي، لين و لايدي إبنة الخمسة أشهر، صغيرة العائلة وقد تكفّلت إحدى السيدات في جونيه بأخذها يوميا للاستحمام في منزلها. تبدو الطفلة جميلة جدا بعينيها الزرقاوين، وفجأة يدخل علي ليلقي التحية، إنه شابّ صغير يعرّف عن نفسه بثقة وبابتسامة بريئة.
نسأل سلمى: هل أنت مستعدّة للتضحية بعلي إبنك الوحيد من أجل المقاومة و"حزب الله"؟ بسرعة البرق يأتي الجواب:" بالطبع، كرمى لعيون كلّ الشباب. اشجع إبني على الدخول في صفوف المقاومة، وعلى أي حال هو اليوم في صفوف كشافة الحزب، نحن نربي أولادنا على مقاومة المعتدي وعلى العقيدة الوطنية والحسّ الإسلامي والقومي".

العيش من أجل الإستشهاد أمر لا يحبذه إلا جمهور "حزب الله"، وهو من الشيعة التي نهلت هذا التفكير من استشهاد الإمام الحسين بن علي حفيد الرسول وسبعين من آل بيته في القرن السابع ميلادي، أما معظم اللبنانيين الآخرين، وبعد شهر على المواجهات الحادة التي مرّ بها لبنان فقد بدأوا يفكرون في الهجرة".
أهيئ نفسي وأعدّ اوراقي للهجرة الى بلد ما حيث أكمل حياتي وعلومي وأعمل في سلام"، يقول مارون الذي لا يبدي تفهّما لمقولة سلمى وفهمي مع انه يتسامر معهما ويهدهد الصغيرة لايدي ويقبّل علي بمحبّة، ويبدو والده كميل على تناغم معه أيضا، رغم أنه لم يعلّق على كلام الضيفين إلا بابتسامة ذات مغزى.
" إننا ننجب الكثير من الأطفال لمقاتلة إسرائيل، هي تقتلنا ونحن ننجب الأطفال وسنبقى على هذا المنوال ولو لمئتي عام، كرامتنا هي أهمّ من حياتنا"" يقول عبد الله بيضون وهو نزح من جويا في بداية الحرب.

"التحرشات الإسرائيلية"، مرفق تسمية أهالي القرى الحدودية مع إسرائيل، هي التي دفعت هذه الشريحة من اللبنانيين الشيعة الى هذا النمط من التفكير.
قضيّة "الكرامة" التي لا يتفهّمها قسم كبير من اللبنانيين، وخصوصا بعد تدمير لبنان فوق رؤوسهم، تعني الكثير لأبناء الجنوب اللبناني، يقول عبد الله بيضون:" البارحة انزعج أهالي كسروان وجبيل من سماع هدير طائرة الاستطلاع الإسرائيلية وهي تحوم على علوّ منخفض فوق بيوتهم طوال الليل، نحن نسمع هديرها وأزيزها المزعج ليل نهار منذ العام 1974"، يقول عبد الله هذه الكلمات بغضب وهو والد لطفلتين هبة وزهراء.
يتساءل قريب فهمي يحي علوية الذي نزح من عين بعال الجنوبية (قضاء صور) ويعمل في مارون الراس " لا نتمكّن من حراثة أراضينا وحقولنا بسبب الألغام التي زرعتها إسرائيل قبل انسحابها عام 2000 والتي تمتنع عن تسليم خرائطها للدولة، بسببها لا أتمكّن من استثمار أرضي في مارون الراس، إنها معاناة يومية لا يفهمها من لا يسكن في الجنوب"، ويتابع:" أرضنا تتآكلها الأعشاب، بقراتنا تموت بسبب ألغام إسرائيل، حتى ان الفلاحين الذين يتجرأون على حراثة الأرض يموتون أو يصابون بإعاقة بسبب الألغام".
أبو الفضل من قرية شبعا، وهو من سكان بئر حسن في ضاحية بيروت الجنوبية ترك منزله بعد 4 ايام على بداية الحرب، أبو الفضل سنّي لكنّه يحب "حزب الله".
تملك عائلة زوجة أبو الفضل آلاف الدونمات من الأراضي في مزارع شبعا المتنازع عليها وهي في خراج القرية ومحتلة من الإسرائيليين:" يملك أهل زوجتي 50 صك ملكية هناك، تبلغ مساحة المزارع 22 كلم. بعرض 18 كلم فيها مياه وخيرات كثيرة وهي منطقة سياحية تقع على سفح هضبة الجولان. نحن مع "حزب الله" حتى تعود المزارع والأسرى.. بعدها نتوقف عن الحرب".
تتوالى الشكاوى من فهمي هذه المرّة :" مياه الوزاني تشحنها إسرائيل من مصدر النبع في مدينة صور عبر الجبال، لا يمكننا استخدام مياهنا. الصيادون يقتلون بدم بارد ومواسم القمح تحرقها الطائرات الإسرائيلية ما إن يحين موعد الحصاد".
يتدخل جاره يحي الآتي من مارون الراس "نحن شعب لم نولد وفوق رؤوسنا ناموسيّة تبعد عنّا البعوض، كانت والدتي تقتل البعوضة على أجسادنا"، هذا المثل يقدّمه يحي ليصوّر مدى شظف العيش الذي أمضى عمره فيه وعدم اهتمامه بالقهر الذي يلحق به وبعائلته اليوم:" إعتدنا التهجير منذ العام 1978، ينبغي أن تنتهي معاناتنا وليس على قهر. نحن مستعدون للموت مع أولادنا لكي نعيش بكرامة، نقوم بذلك من أجل لبنان".
لكن لمَ يرغب في الموت من أجل تحقيق ذلك فيما الأمور قد تحل بالمفاوضات؟ المفاوضات لا تنفع، أنا أعيش في جوار إسرائيل، كان والدي يزرع الدخان فيأتي الإسرائيليون ويطردونه من أرضه ليحرموه زراعتها".
ما الحلّ إذن؟ يأتي جواب يحي سريعا:" الوثوق بـ"حزب الله"، إنه الخيار الأنسب والصحيح، السيد حسن نصر الله لا يريد أن يكون زعيما، لا يهمه ذلك، إنه يعمل انطلاقا من مبدأ الدفاع عن لبنان".
ألا يخطئ السيد في بعض الخيارات؟ " البتة، وإذا لم يصل الى هدفه أحيانا يكون الأمر بسبب تحالفات مع اشخاص بلا مبادئ يستغلون صدقه ووطنيته ثم يعمدون الى خيانته كما حصل في الإنتخابات النيابية الماضية" يجيب يحي بسرعة.
هنا يتدخّل فهمي، أنا "أعرف السيد نصر الله شخصيا، إنه حنون ومحبّ وعطوف ولكنّه صلب في اتخاذه القرارات العامّة". ومن اين تعرّف إليه؟ يجيب فهمي:" كنت أقلّ أولاد شقيقته الى المدرسة في "الفان" الذي أمتلكه، وكان الأولاد يخبرونني عنه، كما أنه إبن البازورية. السيد لا يكذب، إستشهد إبنه (هادي) كما يستشهد إخوتنا ولا يمكننا أن نلومه على خياراته، لأن مطلبه محقّ ودافعه واجبه الوطني".

إنه اليوم الثلاثون للحرب، (10 آب) مساء أمس أطلّ السيد حسن نصر الله عبر شاشة تلفزيون "المنار" وتوجّه بكلمة خصّ بها المليون مهجر من أبناء الطائفة الشيعية بجملة نقاط، خاطبهم قائلا: " ما طلبناه من النازحين من اهلنا الصامدين الطيبين، وما اؤكده الآن هو مراعاة المحيط الذي توجدون فيه ان لجهة بعض الشكليات او العادات او التقاليد او الانشطة او الشعارات او الاعلام. ان كل ما يثير اي حساسية مع المحيط الذي توجدون فيه، وخصوصا في المحيط الذي يحتضنكم بكرامة وشرف ومسؤولية، من مسؤوليتكم وواجبكم، ايضا، ان تأخذوا هذا الجانب في الاعتبار (...)" .
وافق الجمهور على هذا الكلام وعمل به منذ تلك اللحظة. أزيلت أعلام "حزب الله" عن بعض شرفات المدارس ومن بعض الشوارع لسبب وحيد هو أن هذا الجمهور يحترم "السيد" ويجلّه، لانه أيضا، وهذا هو الأهم، يحبه من أعماق قلبه.

بعد وقف إطلاق النار الساعة الثامنة من صباح الإثنين 14 آب 2006 وفي السادس عشر منه التقينا جمهور السيّد نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية التي استحالت ركاما.
شوارع بأكملها لم يعد لها وجود وصارت ركاما. كانت رائحة الموت تنبعث من تحت أكوام الباطون والأثاث المبعثر. هذه الرائحة كانت تشتدّ في بعض الأماكن فيتجمهر الناس ليروا إن كانوا سيلحظون جثة ما، " لن يمكننا معرفة ذلك إلا بعد إزالة الركام نهائيا" يقول أحدهم.
جمهور "حزب الله" كان يتفقد بيوته التي استحالت أشلاء، " فدا السيّد نصر الله" تقول فاتن عيسى، وهي ملتحفة بعلم الحزب الأصفر وتحمل صورة للسيد متأملة الركام مع صديقتها.
كانت فاتن تسكن في المربّع الأمني قرب شورى "حزب الله" وقد تهدّم منزلها بأكمله فانتقلت للسكن في حيّ السلّم، " إسرائيل لم تحقق هدفها فدمرت الضاحية، فدا السيد حامي لبنان والأمة الإسلامية".
تثق فاتن بالسيد كثيرا "لقد حقق أهدافنا، وكل ما يقوله مستعدون للقيام به".
في اليوم الثالث لوقف إطلاق النار سارع "حزب الله" الى نصب لافتات تشير بإصبع الإتهام الى إسرائيل والى الولايات المتحدة مؤكدة "الصمود والشموخ وعدم الرضوخ" كلمات صعبة في نكبة ألمّت على حين غفلة لكنها تتجسّد في الناس.
هنا، في بئر العبد يجلس مالك منصور على كومة من ركام والعرق يتصبّب من جبينه، كان ينقل بضع حقائب ثياب من منزل شقيقه في الطابق الحادي عشر من بناية صارت والأرض سواء، "أؤيد السيد نصر الله، أثق به، إنه لا يقول كلمة خاطئة، يحافظ على الوحدة الوطنية ولا يريد شيئا لنفسه. تهدّم منزل شقيقي ومنزل شقيقتي ومنزلي صار مصدّعا، لكننا لا نريد منه إيجارات ولا منازل. نريد ان نموت من أجله فحسب، والله هو من يعوّض".
وكان السيد نصر الله وعد جمهوره، في كلمة مسجّلة بثّها تلفزيون "المنار" بعد وقف إطلاق النار، بإصلاح ما تهدّم قائلا: (...) «أطمئن هذه العائلات الشريفة أن عليها ألا تقلق، يعني ما قلته في الأيام الأولى للحرب لم يكن كلاما فقط لتصمدوا، اليوم هو يوم الوفاء في هذا الكلام وبهذا الوعد، وأنتم إن شاء الله لن تحتاجوا لأن تطلبوا من أحد ولا أن تقفوا في أي صف أو أن تذهبوا الى أي مكان (...)" .
التزم السيد كلمته كما عوّد جمهوره، ومنذ اليوم التالي بدأت عناصر من "حزب الله" توزّع مبالغ مالية لا تقل عن 12 ألف دولار للمتضررين لاستئجار منازل وتأثيثها في انتظار الإعمار.
ويبقى السؤال ماثلا: ما السّر لدى السيد نصر الله؟ وكيف استطاع هذا الرجل وهو لم يزل في منتصف عقده الرابع أن يبني هذه الثقة لدى قاعدته؟ وكيف يمكن تفسير التركيبة النفسية لهذا الجمهور الذي يعشق الموت كرمى لقضية محبة بقائد؟

مارلين خليفة

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...