غسان الرفاعي: أدب المقهورين

18-10-2010

غسان الرفاعي: أدب المقهورين

-1-
شيئان لا قدرة لي على مقاومتهما، ولا على دفع سحرهما: وجه امرأة جميلة، وغلاف كتاب جديد، وكما تبهرك المرأة في اللقاء الأول، بمكياجها الصارخ، وفتحات ثوبها التي تكشف عن مساحات من جسدها، فكذلك يبهرك الكتاب حينما تلقي النظرة الأولى عليه، بغلافه الأنيق، ومقدمته التي تكشف عن شيء من مضمونه الجذاب، ولكن كما تصاب بخيبة أمل كبيرة، بعد تكرر اللقاءات مع المرأة، إذ تتبدى لك غثاثتها وانتهازيتها وغباؤها الفكري، فكذلك تصاب بقرف واخز، بعد قراءة الكتاب، إذ تكتشف تفاهته، وركاكة أسلوبه وفجاجة أفكاره، على أن المفارقة الفاجعة في الموقفين أنك لا تعلن توبتك ومن المؤكد أنك لن تتوقف عن ضرب مواعيد جديدة للنساء الجميلات، ولن تزهد في تصفح الكتب والتورط في شرائها وستبقى الرائحة الفائحة التي تنبعث من جسد المرأة ومن أوراق الكتب الناعمة، مصدر إحراج وإغراء وقد يستعصي عليك الشفاء من هذا الضعف. ‏

-2- ‏
كل الصدمات التي تلقيتها لم تمنعني من أن أكون على موعد مع معرض الكتاب الذي افتتح في نهاية الشهر المنصرم، تعطرت وارتديت أفخر بزّة عندي, كما لو أنني على موعد مع أجمل النساء, وقصدت باب فرساي, وأنا أمني النفس بمفاجآت ثقافية وفكرية من الوزن الثقيل: لقد عصفت بالعالم أحداث جنونية, وانهارت إيديولوجيات كانت تسكن رؤوسنا أكثر من نصف قرن, وطفت على السطح بقبقات أدبية متنوعة, لا بد من أن تكتظ بها عرصات المعرض. ولكن كم كانت دهشتي كبيرة حينما تبين لي أن المعرض مكرس للرواية السوداء أو ما يسمى بـ رواية الأوباش: وإن آلاف الكتب, بأغلفتها السوداء, وعناوينها الصفراء, وصورها المرعبة مفروشة في كل مكان, وكأنها ثياب نسائية داخلية أو حبال من السجق ألأرمني إلى جانب طبعات جديدة لبعض كتب الأدباء الإسبان, أو قصص لافونتين- التقليد الفرنسي لقصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة-. ‏

-3- ‏
كنت, في مطلع حياتي, أتعاطف مع أرسين لوبين, اللص الظريف الذي كان يسرق من الأغنياء ليساعد المعدمين, وكنت معجباً بـ شرلوك هولمز الذي لم تكن تنطلي عليه حيل الأشرار والمجرمين, وحينما أتيح لي أن ألتقي بـ سيمنونو, الكاتب البوليسي الحاذق, سحرني بوفرة معلوماته, وبساطته, وموهبته الاستثنائية, وأذكر أنه قال لي, وهم يبتسم بمكر: ‏
أعيش مع بطل القصة الجديدة إلى أن تنشر, وحينئذ أسعى إلى التخلص منه, وكثيراً ما أدبر مؤامرة لقتله في رواية لاحقة, حتى أتحرر منه..... ‏

-4- ‏
في نهاية الحرب العالمية الثانية، أقدم مدير أحد الفنادق من الدرجة الثالثة واسمه (مارسيل دو هابيك)، على إغلاق فندقه بعد اقترابه من الإفلاس، وتحول إلى ناشر فجأة، كان متأثراً بنمط الحياة الأميركية والغزو الثقافي الأميركي، وتولّد عنده اليقين بأن العالم الجديد بعد الحرب سيكون نسخة طبق الأصل عن أسلوب الحياة الأميركية. أصدر سلسلة كتب أسماها (السلسلة السوداء)، واستهل إصداره بهذه المقدمة: (سأقدم إلى القراء في هذه السلسلة قصصاً جديدة فيها حب حيواني، وكراهية قاتلة، وجشع للمال، وسعي محموم للسلطة والنفوذ، وتلذذ بالقسوة، وتفنن في القتل، ومطاردات ومشاحنات، أليس هذا ما يحلم به المواطنون؟ فلماذا الخوف من المجاهرة به؟) وكتب على الجانب الآخر من الغلاف: (أظهرت الحضارة سطوة الفساد في الحياة العامة من جهة، كما أظهرت إغراء الجريمة من جهة ثانية، لقد سقطت آخر المحرمات، وقضت على الشعور بالخجل، من هنا أهمية الكتب التي سأنشرها أنها ستحرر الإنسان من عقده وستميط اللثام عن نوازعه الدفينة دون خجل..) واستمرت دار غاليمار الرصينة تنشر الروايات السوداء، بمعدل خمس روايات كل شهر، منذ ما يقارب الـ /50/ عاماً، وهي اليوم تحتفل بعطائها ونجاحها، وإقبال الناس عليها، ويقول مدير الدار: (لولا الروايات السوداء لأعلنت إفلاسي، إنني أستخدم الأرباح التي أجنيها من نشر الروايات السوداء لتغطية نفقات الكتب الرصينة الجادة). ‏

-5- ‏
احتشد جمهور غفير أمام جناح من أجنحة المعرض، وكان رجل في الأربعين لا يخلو من وسامة ووجاهة يتحدث وهو يحرك يديه بعصبية زائدة، وفي أثناء ذلك كان يوقّع على كتاب، غلافه أسود وعنوانه أصفر: (لن تهرب مني، سأحز رقبتك بشفرة حلاقة) وكان عدد من المعجبين يصفق له بين الحين والآخر، وكان يقول: ‏

(مسرح رواياتي الجديدة هو في عواصم الشرق العربي، والشمال الافريقي، إنها، اليوم، المكان المفضل للروايات السوداء: هناك أثرياء متخمون، ونساء شهوانيات متعطشات للمغامرة، وتجارة أسلحة، وعصابات، وقتل، وسرقة، ورشوة، ومطاردات في الشوارع الضيقة، وطائرات تحط في مطارات صحراوية، وتجارة مخدرات!). ‏

وكان جمهور كثيف آخر يلتف حول شاب، كثّ الشعر، مفتوح الصدر، موشوم الخدين، وكان يقول: ‏

(سئمنا من الأدب الأبيض الطاهر الذي كتبه لنا أدباء جادون يدعون أنهم يعيشون في أبراج عاجية، ويطلّون من أعلى على الفواجع الاجتماعية والسياسية، ولكن، لابدّ من أشباه –الأدباء من أمثالنا، لأننا نحمل إرادة التغيير وفؤوس الهدم المفيد، أهلاً بالضجيج، والغضب والحقد، أهلاً بالجثث ورائحة التوابل الحارة، وقناني الويسكي والمسدسات الكاتمة للصوت، أهلاً بنساء الأرصفة الفاجرات، أهلاً بحرب المخدرات، أهلاً باختطاف الرهائن!). ‏

-6- ‏
وحينما تتقدّم في أرجاء المعرض تكتشف أن هناك ازدحاماً حول كشك يحمل لافتة: (دار المقهورين للنشر) وتكتظ كتب على طاولات صغيرة أمام مدخله، وإذ تحاول أن تتبين جلية الأمر يبلغك صوت من ميكروفون داخل الكشك: ‏

(لا تحاول أن تتجنب الاستماع إلينا، إن صوتنا سيصلك أينما كنت، إننا المقهورون في كل مكان: يضعون الكمامات على أفواهنا، ولكننا سنصرخ بأعلى أصواتنا، وسيسمعنا الجميع، دار نشرنا تصفع الطغاة، والمستبدين، وما يقوله أدباؤنا وشعراؤنا يتحول إلى كتب أنيقة، تقتحم كل المنازل، وتتجول في كل الشوارع والساحات، إننا نطل عليكم من أميركا اللاتينية، من إفريقيا، من آسيا، من فلسطين أرض الشهادة، وأصواتنا ستخترق أجهزة الإعلام المصفحة، وستصم الآذان!). ‏
وحينما تقترب من الكشك، وتلقي نظرة على الكتب المرصوصة على الطاولات الصغيرة أمامه، تدهشك العناوين وأسماء المؤلفين، وتشعر بأن الدنيا بخير، وأن قيم الحرية، والمساواة، والعدالة، لابدّ من أن تنتصر على العنصرية، والاستكبار، والاستعباد، وأن الرواية السوداء التي زعم أنها هي الرواية الرابحة وهي الرائجة، سوف تستقر في صناديق القمامة.

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...