الحجاب وجه لـ«المجتمع الموازي» في ألمانيا

29-02-2012

الحجاب وجه لـ«المجتمع الموازي» في ألمانيا

عندما بلَغت الرابعة عشرة من عمرها لم تكن أميرة تدرك بعد معنى اتخاذ قرار بتغطية شعرها طيلة حياتها، فابنة العائلة المهاجرة إلى ألمانيا منذ مدّة طويلة كانت تجلس ساعات أمام المرآة تيمّناً بالنساء الأكبر سناً وهي تحلم بأن يأتي اليوم الذي تصبح فيه «كبيرة متل الماما»، لتكحّل عينيها وتزّين شفتيها. فكان الحجاب الذي ألبستها إياه أمها في ذلك الوقت بمثابة اعتراف بنضجها ورشدها وتملّكها شعور بالسرور عندما قيل لها إنّها بذلك ترضي ربّها «ما جلب لي السعادة في بادئ الأمر». ولا تخفِي أميرة اليوم وهي في بداية سنتها العشرين، الصعوبات التي تواجهها في حقلي العمل والدراسة بسبب ارتدائها الحجاب، إلا أنّها تفضّل أن تتحمّل هذه المصاعب ألف مرّة على أن تخلع الحجاب الذي أصبح عادة وعبادة بالنسبة إليها.

وبدا عدد الطالبات المحجّبات في الجامعات الألمانية متزايداً في شكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. ويؤكد ذلك مدير مركز دراسات تركيا في جامعة دويسبورغ- إيسن فاروق سين بقوله: «قبل سنوات قليلة فقط كان من النادر رؤية طالبات محجّبات في الجامعات الألمانية». واليوم تقدّر نسبة الطالبات المحجّبات بحوالى ثلث العدد الإجمالي للطالبات المسلمات، معظمهنّ من بنات الجيل الثاني اللواتي ولدن وكبرن في ألمانيا.

وتشير دراسة للمركز نفسه الى ازدياد تمسك المسلمين في ألمانيا بانتمائهم الديني، والحجاب أحد مظاهره، ذلك أنّ السّجالات الصاخبة حول الإسلام التي فرضت نفسها منذ العام 2001 في الغرب بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وضعت المسلمين في الغرب قسراً في مواجهة المجتمعات التي يعيشون فيها وما تحمله من قيم حديثة.

في بعض الأحيان يتعدّى الحجاب في ألمانيا كونه عادة أو عبادة ليلعب دوراً في إيصال رسائل سياسية كنوع من رد الفعل على ممارسات تُعتبر «تعسفيّة» في بلد المنشأ. هذه حال عدد غير قليل من الطالبات التركيّات المقيمات في ألمانيا اللواتي يطالبن بالسماح لأقرانهنّ بارتداء الحجاب من دون قيود في تركيا، إذ يُحظر في بعض جامعاتها ارتداؤه منذ الإصلاحات الأتاتوركية عام 1926.محجبة تمر أمام علم ألماني كتب عليه (الأفضل لبلادنا) خلال حملة مناهضة للحجاب

وارتداء الحجاب في ألمانيا ليس خالياً تماماً من قيود ومعوّقات، إذ أنّ العاملات في المجال التعليمي يمنعنَ من ارتداء الحجاب في مدارس وجامعات مقاطعات عدّة «حفاظاً على حياد المعلّمات تجاه الأديان كافة» بحسب قانون المنع. وأثار هذا القانون ضجّة عالمية دفعت بمنظمة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) إلى إصدار تقرير في شباط (فبراير) 2009 بعنوان «إقصاء باسم الحياد» انتقدت فيه قانون المنع الذي أدّى إلى عزل المعلّمات المحجّبات ودفعهنّ إلى ترك العمل أو مغادرة البلاد. كما انتقدت المنظمة في المقابل وفي التقرير نفسه دولاً لا تزال تفرض الحجاب على المرأة.

ويعمل عدد من الناشطين الأتراك والألمان على الحد ممّا يسمّونه «ظاهرة الحجاب» الذي يعتبرونه حاجزاً يفصل بين المرأة المسلمة والمجتمع الذي تعيش فيه ويمنعها من الاندماج فيه. عضو مجلس الشعب (بوندستاغ) عن حزب الخضر إيكين ديليغوز التركية الأصل تبدي رأيها في موضوع الحجاب بحزم: «الحجاب رمز لقمع المرأة. من يطالب المرأة بتغطية شعرها يجعل منها مجرد أداة جنسية».

وفي الاتجاه المعاكس تشجّع بعض المنظمات الإسلامية في ألمانيا على ارتداء الحجاب، فبعضها يخصّ الطالبات المحجبات بمنح دراسيّة، مّا يطرح علامة استفهام كبيرة حول صدقية هذه المنظمات باعتمادها أساليب ملتوية كالإغراءات الماديّة لدفع الفتيات لاتخاذ قرار من المفروض أن يكون روحانياً وذاتياً ومستقلاً عن أي منفعة خاصة.

وعلى رغم ادعاء غالبية الفتيات أن قرار ارتدائهنّ الحجاب جاء ثمرة خيارهنّ الحر وإرادتهنّ المحضة، لا تزال الشكوك تثار عن مدى تحرّر الفتاة المحجّبة من القيود العائلية والاجتماعية في المجتمع الشرقي الذي تنتمي إليه عائلتها، وعمّا إذا كان القرار في النهاية قرارها وحدها، وما يمكن أن يسبق هذا القرار من ضغوط نفسية تتصل بأمور مصيرية كالزواج والشرف والعائلة. يضاف إلى الشكوك السابقة أسئلة ملحّة تطرح نفسها بقوّة في ألمانيا اليوم: هل يمكن أن يؤدّي منع الحجاب في المرافق العامة إلى تحسين شروط اندماج المسلمات في ألمانيا؟ وهل يمكن أن يؤدّي المنع أيضاً إلى تحسين فرصهنّ في الحصول على الوظيفة؟ أم سينعكس ذلك سلباً على اللواتي قد يضطررن إلى التخلّي عن الدراسة في سبيل الحفاظ على الحجاب؟ وهل من ضمان لحرية المحجّبة في خلع الحجاب إن أرادت ذلك؟ هذه التساؤلات وغيرها تشغل حيزاً واسعاً من النقاش الذي لا يتوقف في شأن الحجاب، في بلد مارتن لوثر رائد حركة الإصلاح الديني في ألمانيا في القرن السادس عشر.

النّظرة إلى الحجاب في ألمانيا لا تزال سلبيّة في شكل عام، فلا يُنظر إليه على أنه مجرّد قطعة قماش، بل يمثّل بالنسبة لكثيرين رمزاً لاضطهاد المرأة، الأمر الذي لا يتفق مع أبسط قيم المجتمع الحديث في ألمانيا كالمساواة بين الجنسين وحقوق المرأة. علاوةً على ذلك يجسّد الحجاب نقيضاً للاندماج في المجتمع الألماني والتأقلم مع قيمه وعاداته ممّا يوسع الشرخ بين الألمان والمسلمين ويعزّز بذلك ظاهرة خطيرة باتت معروفة في ألمانيا، تتمثّل بانفصال الأجانب كليّاً عن المجتمع وعيشهم في مجتمعات خاصة تطلق عليها تسمية «المجتمعات الموازية».

وسيم كره بيت

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...