التاريخ عند العرب بتعدد طرقه والمراجع

05-02-2015

التاريخ عند العرب بتعدد طرقه والمراجع

تتباين الاتجاهات في تعريف التاريخ منذ القدم حتى اليوم. بعض المؤرخين كاليوناني هيرودوس يعتبر أنه يشتمل على التحري والبحث والتحقيق في أحداث الماضي وتسجيلها، ومنهم من يعتبره، كالعربي ابن خلدون، فناً تتداوله الأمم والأجيال، فهو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات وميادينها، وعلم بكيفيات الوقائع.

لم ترد في بدايات التراث العربي الإسلامي كلمة تاريخ، فالقرآن الكريم لم يأت على ذكرها بل وردت عبارات ومصطلحات ومعان مقابلة لها مثل أساطير الأوّلين، وقصص الأوّلين، أنباء الرسل، والقرون الأولى. أما في الأدبيات العربية فورد تعبير «الخبر» و «الأخبار»، ومع القرنين الأوّلين للهجرة، أضحت كلمة تاريخ تستخدم للإشارة إلى كتب التاريخ، أي كتب الأخبار في وجه عام.

بدأ التاريخ عند العرب شفهياً لندرة الكتابة قبل الإسلام، ولكن مع الدعوة المحمدية، عرف التاريخ ازدهاراً، تمثّل في حب المعرفة والعلم والقراءة والتبصّر والتفكّر في نشوء الكون، واقترن اسمه باسم التدوين لوقائع الزمان ومعرفة الماضي البشري.

يعتبر طريف الخالدي الباحث والأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، في كتابه «فكرة التاريخ عند العرب - من الكتاب إلى المقدمة» الذي نقله الى العربية حسني زيني (دار الجمل) أن المؤرخين العرب لا يُعنون كثيراً بالأبعاد النظرية لعملهم، وأن المظلّة المعرفية التي يستظلونها إنما هي مستمدّة من العلوم الإنسانية المجاورة، وأنّ معطياتهم ومحفوظاتهم متأثّرة بنظرة مؤرخين آخرين، إضافة الى أن هؤلاء عرضة لتأثير ظروفهم في طريقة تلقّيهم الماضي، وغربلته بغربالهم الخاص ونقله. لذلك يرى الخالدي في محاولته رسم تطوّر الفكر التاريخي في التراث العربي الإسلامي، ضرورة توسيع نطاق البحث، بحيث لا يقتصر على المؤرخين حصراً، بل يمتدّ ليشمل مختلف الأطر الفكرية التي كانوا يتحركون في داخلها، وجلاء كيفيّة انغراسها في سياق التطورات الاجتماعية والسياسية.

يعتبر الخالدي في نظرته إلى التاريخ العربي على المدى الطويل، أن هناك أربع دوائر معرفية تتوالى زمنياً، وتنقل رؤية العربي المسلم الى كتابة تاريخه. الدائرة الأولى تمتدّ من القرن الأوّل الى القرن الرابع هجرياً، أي من السابع الى العاشر ميلادياً، وهي مرحلة «الحديث» المتعلق بسيرة النبي العربي الكريم وأقواله. فمؤرّخو الحديث ما كانوا على ما يذكر المؤلف، يعتقدون أنهم يخلقون علماً جديداً، إنما كانوا يحفظون للأمة سجلاً معيارياً تعليمياً، أو وعظياً عن حياة الرسول، وملحمة السنوات الأولى من تاريخ أمته. وأفضل مؤرخ لهذه المرحلة محمد بن جرير الطبري الذي جمع في كتابه «تاريخ الرسل والملوك»، تاريخ الخلق والنبوة، وتاريخ الأمم الغابرة ولاسيما الفرس، وأضاف إليهما سيرة النبي محمد ومغازيه والفتوح وتاريخ الأمة حتى أيامه. ومن الممكن للناظر في منهجيته كما يقول صاحب الكتاب، أن يجد أصداء نزعة ابن إسحق العالمية، ونزعة الواقدي إلى الإجماع والدقة، ونزعة البلاذري إلى الأحكام الجازمة، والطبري الذي دافع عن منهج الحديث في الكتابة التاريخية، والذي رتّب المواد تبعاً لتعاقب السنين، ترتيباً عمّر حتى بلغ العصر الحديث.

الدائرة الثانية من دوائر المعرفة التاريخية تتمثل في «الأدب» الذي امتد تأثيره في التاريخ من القرن الثالث إلى القرن الخامس للهجرة، أي من القرن التاسع إلى الحادي عشر ميلادياً. في هذه الحقبة بدأت الكتابة التاريخية تستجيب تأثير الأدب المتزايد، وراحت في استجابتها تلك تعدّل مضمونها وشكلها ومنظورها، فلم يعد أسلوب الحديث وآفاقه، يعتبران مطيّتين ملائمتين لتاريخ بات يتطلّب منه يومها، أن يكون أكثر تحسساً لتحدّي الأنواع الأدبية واللغوية الناشئة. كان التاريخ منذ أيام ابن المقفع قد استقرّ في منهاج الأدب وكان عليه أن يعزّز موقعه هذا، وأن يصبح المكوّن الغالب في المختارات الأدبية البارزة، وفي المؤلفات التي كتبت لمنفعة كتّاب الداووين. وقد مال الأدباء الى إعداد مجال أوسع من الأدوات النقدية لمعالجة موادّهم، مما أعدّ علماء الحديث لمعالجة موضوعاتهم، وانخرطوا في سجالات أغنت التاريخ نهجاً ومنطقاً، منها السجال بين القدماء والمحدثين، والتأملات في الزمان والتقدم والانحطاط، ومواقف جديدة من الشعر والنوادر، وأخرى تتعلّق بالسجال بين العرب وغير العرب. كان الجاحظ في هذا السياق يتقدم بنظرية لفتت كتّاب التاريخ، وهي أن الأدب يمارس باستعماله منظومة معرفية لدراسة الطبيعة والمجتمع، منظومة تتجنّب الاختصاص الضيق، وتميل الى تحرّي كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية، بروح من التسامح لا تخلو من التشكيك، وتدعو الإنسان الى تحرّي عالم العقل.

الدائرة الثالثة من دوائر المعرفة التاريخية تتجسّد في «الحكمة» التي تركت أثرها في الكتابة التاريخية خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة أي العاشر والحادي عشر ميلادياً. عنت الحكمة بالنسبة إلى الكثيرين آنذاك، مجموعة العلوم التي لم تتحدّر من القرآن الكريم والحديث، وهي علم الفلك وعلم الكيمياء والطب والفلسفة والرياضيات والمنطق. ولعل خير طريقة لتقديم الكتابة التاريخية المستلهمة من الحكمة تتبدّى في عمل مؤرخ «مروج الذهب» المسعودي الذي تظهر تواريخه مدى واسعاً من الاهتمام المنهجي بنظرية التاريخ وكتابته، وتظهر اهتمامه الثابت بالفلسفة وعلم الكلام والجغرافيا والطب وعلم الفلك والأرصاد الجوية والحيوان، فضلاً عن اهتمامه بالعلوم الإسلامية التقليدية كالفقه والحديث وما أشبه. ويبدو أن الأهمية التي أولاها المسعودي للمنهج الاستقصائي التجريبي المكنّى عنه بلفظ «البحث» مستمدّة من تصورّه للتاريخ، باعتباره المعين الأول لكل تجربة، والمفتاح المعرفي الأصلي لكل معرفة، أضف الى ذلك أن أعظم مزايا تواريخه هو أنه سافر إلى معظم البلاد التي دوّن تواريخها، وأنه عاين بنفسه ما اكتفى غيره من العلماء أو المؤرخين بأن يكتبوا عنه.

الدائرة الرابعة من دوائر المعرفة التاريخية هي الدائرة «السياسية» وهي تمتد من القرن السادس إلى التاسع للهجرة، أي من الثاني عشر إلى الخامس عشر ميلادياً، وتتجلّى في القول إن التاريخ عرضة في أية ثقافة أو عصر، لمقتضيات الحياة السياسية بأوسع ما للكلمة من معنى، فضلاً عن كونه عرضة لتيارات الفكر والاعتقاد. ولعل أكبر دليل على ذلك وصول سلالات حاكمة عسكرية إقطاعية فارسية أو تركية الأصل إلى قلب الشرق العربي، سلالات خلّفت آثاراً بالغة في بنية السلطة والعلاقات الاجتماعية وفي نظرية السياسة وكتابتها. ثمّ جاءت غزوات الصليبيين والمغول المروّعة التي ما زالت ذكراها تنبض في الحس التاريخي العربي الحديث. وتظهر الكتابات التاريخية لتلك الفترة تعلّقها بالسياسة، لكونها تعني سياسة الدولة، أو الأفعال الواقعة خارج نطاق الشريعة. أما مع ابن الطقطقي وابن خلدون فالسياسة صارت فنّاً للحكم المستقل والمميز، وضرورة لحقن الدماء وحفظ الأموال، ودفع الشرور، ومنع التظالم المؤدي إلى الفتنة.

يعتبر الخالدي أن المؤرخين المحدثين لم يولوا كبير اهتمام لتاريخ ابن خلدون، ومالوا إلى اطّراحه، باعتباره ملحقاً غير متلائم مع «المقدمة». ولكن في حسابه كان تاريخه رواية دقيقة البنيان لتاريخ العالم المرتّب لتعاقب الدول. فمقطعاً إثر مقطع من التعليق والانتقاد والتفسير، يضع تاريخ ابن خلدون الحوادث في نصابها، ويبيّن لما امتُلكت السلطة ولما ضاعت، ويظهر كيف عملت «العصبية» في أوضاع مخصوصة. وفيما مال مؤرّخو ذلك العصر إلى اعتبار السياسة صاحبة الفضل في مجرى الحوادث التي ينهجها الحاكم، كان ابن خلدون يدرك أن القوى غير الشخصية هي الأخطر شأناً، في تشكيل مسار التاريخ، فحشد لتبيان هذا التصوّر طيفاً كاملاً من المفاهيم التي تشكّل مجمل عمله الجديد ألا وهو علم العمران.

يرى الخالدي أن التاريخ على نهجي «الأدب» و«السياسة» استمرّ في الظهور مثلما فعلت معاجم السيَر، سيَر الزعماء والأبطال التي هي الثمرة الجوهرية لكتابة التاريخ في ظل ّالأنظمة السلطوية التي حكمت وما زالت تحكم العالم العربي اليوم.

كتاب الخالدي «التاريخ عند العرب» كتاب واسع المدى والشمول، يستند إلى غنى عظيم في المصادر، ويروي قصة تطوّر التراث التاريخي عند العرب، بمنهج أكاديمي عالي المستوى.

موريس أبو ناضر

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...