آسيا جبّار تحاكم علاقة الخوف بين الفتاة الشرقية ووالدها

07-02-2008

آسيا جبّار تحاكم علاقة الخوف بين الفتاة الشرقية ووالدها

تختلف رواية الكاتبة الجزائرية الفرانكفونية آسيا جبّار التي صدرت حديثاً لدى دار «فايار» الباريسية بعنوان «لا مكان لي في منزل أبي» عن جميع رواياتها السابقة. فمع أنها تتناول فيها المواضيع الحسّاسة نفسها التي سبق وعالجتها بجرأة ومهارة، وعلى رأسها وضع المرأة في شرقنا الذكوري، وتاريخ الجزائر الحديث، ومسألة التحجّر داخل بوتقة التقاليد، إلا أنها تستسلم هذه المرة، وللمرة الأولى، إلى فيض من ذاكرتها الحميمة فتروي بانفعال وحياء كبيرين ونفاذ بصيرة مذهل قصة طفولتها ومراهقتها في المنزل العائلي. الأمر الذي يحوّل الرواية إلى مصدر مهم ينوّرنا حول ظروف نشأة هذه الروائية الكبيرة ويمنحنا مفاتيح مهمة لولوج عالمها الروائي ككل وفهم حوافزها الكتابية.

ومن قراءة النص الطويل (400 صفحة) الذي صاغته جبّار بأسلوب روائي ممتع بقدر ما هو كاشف لمرحلة تكوينها، يتبيّن أن المنزل العائلي شُيّد أولاً على ركيزة رئيسة: حب أبيها منذ البداية لزوجته، في شكل عفيف وثابت، الأمر الذي تعتبره الروائية ثورةً، ولو صغيرة، في مجتمع كان الزواج فيه خاضعاً لاعتبارات أخرى. وتبدو والدتها كامرأة حاضرة لتحوّلات وتطوّرات تدريجية لن تتوقف حتى وفاتها، امرأة حيّة ونشيطة بفضل قدراتها الخاصة وذكائها، ولكن أيضاً بفضل ذلك الإحساس بالثقة والأمان النابعَين من حب زوجها لها. لكن هذا الأخير يظهر تحت ريشة جبّار متصلّباً وصارماً، لاضطلاعه بدور الزوج الحامي، وفي الوقت ذاته، بدور الابن الذي وُلد فقيراً وأصبح المُعيل الوحيد لأمه وأخته، وهذا سيجعل منه والداً شرقياً بامتياز.

فعلى رغم أفكاره التقدّمية وإيمانه بالثورة الفرنسية واقتناعه بضرورة تحصيل العلم والمعرفة، يبقى مرغماً، أو من دون أن يدري، في دور «الحارس» لعذرية ابنته.

وكزوج، سيتطوّر والد جبّار بسرعة بالنسبة إلى حقبته. لكن، كأب، ستسبقه ابنته، وإن سارت إلى جنبه يداً بيد حتى سن المراهقة حيث ستُضطر إلى متابعة طريقها نحو الفضاء الحر والتحوّلات وحدها وبعيداً عن أنظاره، خوفاً من حكمِه عليها. أكثر من ذلك، خوفاً من الشك الذي يمكن أن يساوره، هو الأب، حول نزاهتها وعفّتها.

وهذا ما سيدفعها في تلك المرحلة إلى أن تخفي عنه علاقتها بشاب ظنّت أنه «حبّها الكبير»، في حين أنه لم يكن سوى حبّ عابر منحته المجازفة هالة خاصة، وهذا يشرح تكرارها الثابت للجملة التالية: «سأقتل نفسي إن علم أبي!» التي تعكس حال الخطر التي كانت تستشعرها من جرّاء سلوك اعتبرته في حينه انتهاكياً، بينما لم تكن قد تبادلت آنذاك مع هذا الشاب سوى بضع قبلات خجولة، ومحاولتها الانتحار عند أوّل مطب في علاقتها العاطفية.

نتساءل، لدى قراءة هذا النص، هل أنه رواية حبّها الأول الذي لم يدم، أم عواطف رومانسية لفتاة رصينة وغير محرَّرة يمكن أن تكون من أي منطقة في جنوب المتوسّط؟ الاثنان معاً من دون شك، إضافة إلى أن النص يصلح لأن يكون فاتحة لسيرة ذاتية ضخمة نظراً إلى البُعد التحليلي الواضح فيه والذي يتجلى في فرض «تلك الذكريات» ذاتها على الروائية بفعل حاجة مفاجئة – وإن متأخّرة – لتفسير النزوة الانتحارية لنفسها، ولكن أيضاً لفهم ذلك الصمت الذي حافظت عليه حول تلك الحادثة حتى وفاة والدها.

وفي محاولتها عيش تلك الحقبة عن قرب من جديد، وفي استسلامها لتدفّق ذاكرتها الذي لا يقاوَم، تصل جبّار إلى خلاصة واحدة: «لا مكان لي في منزل أبي». إذ سيتبيّن لها، بعد خمسين عاماً على تلك الحادثة، المعنى المأسوي المزدوج لتصرّفها. فخلف الشاب المغرور الذي يلعب دور المُطلِق (déclencheur) لغريزة الموت فيها، يتراءى على طول الرواية ظل والدها الذي توفي من دون أن يعلم بتلك الحادثة، وبالتالي، من دون أن يدري أنه هو الذي كان في الواقع يقود «عربة موتها». وفي السياق ذاته، تلقي جبّار على نفسها أيضاً مسؤوليةً كبيرة في عدم التجرؤ على تبديد ذلك الصمت، «صمتُ من حرير، من سُخام، من مطر ومن ضباب متراكم»، وتعتبر عذر حيائها جبناً مقنّعاً.

ففي مكان ما تقول: «كنتُ أهرب من أبي وأخشى طغيانه، فرحلتُ بعيداً جداً كي لا أضطر الى الاعتراف – لكن بماذا، بأي إثم؟» وفي مكان آخر تقول: «صمتُّ الى حدّ ابتلاع نفسي، أمام الخطيب – الزوج، أمام الآخرين، لكن أيّ آخرين؟ (...) أمام نفسي: وهذا الأخطر. الكتب، الروايات، النظريات، الملاحم، الحدّة الغنائية، كل هذا الغليان لم ينفع إذاً لتحريكي أو تحذيري أو تنقية نفــسي... فقط لإغــفائي وتأمين هروبي داخل دخان المخيّلة (...)».

أنطوان جوكي

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...