«لولا» رئيس الفقراءلم ينس العرب

31-10-2006

«لولا» رئيس الفقراءلم ينس العرب

«سأناضل من أجل الإصلاح.. ومن أجل عالم متعدد الأقطاب». هذا ما قاله لويس إناسيو لولا دا سيلفا، مشدّداً على أن «العالم العربي وكذلك أميركا الجنوبية يعيشان مرحلة حاسمة في بناء الديموقراطية واستعادة النمو».
ومعروف أن لولا شارك في جميع الاستحقاقات منذ عودة الانتخابات الرئاسية الديموقراطية في البرازيل في عام 1989؛ أول ثلاث مرّات، خسر وحل ثانياً. وفي المرة الرابعة عام 2002، وصل العامل «المخرطجي» إلى سدة الرئاسة بــ62 في المئة من الأصوات على حساب مرشح «الحزب الاشتراكي الديموقراطي البرازيلي» (PSDB) آنذاك، جوزي سييرا، الإيطالي الأصل.
وأول من أمس، فاز لولا، الذي لن يترشح لانتخابات عام 2010 لأن القانون البرازيلي يمنع التجديد أكثر من مرة، مجدداً بــ61 في المئة من الأصوات على حساب مرشح الــ«PSDB» الجديد، حاكم ولاية ساو باولو السابق وابن عائلة إسبانية من أصل عربي، جيرالدو ألكمين، الذي حقق في الدورة الثانية «إنجاز» الحصول على أصوات تقلّ عن التي حصل عليها في الدورة الأولى! وقد نال لولا أكثر من 58 مليون صوت، بفارق يفوق عشرين مليون صوت على ألكمين.
الفوارق شاسعة بين لولا الأول ولولا الثاني، والأهم بين البرازيل التي انتخبته منذ أربع سنوات والبرازيل التي أعادت انتخابه أول من أمس.
لولا الأول وصل على أجنحة «الأوتوبيا» ليمثل اليسار ويصنع الثورة. كاد أن يطير الاقتصاد قبل وصوله بسبب هلع الأسواق العالمية والنخب البرازيلية. لولا الأول هو مرآة مشروع جماعي نشأ في ضواحي ساو باولو العمالية في بداية الثمانينيات وأنتج «حزب الشغيلة». لولا الأول عام 2002 كان مرشح الطبقات الوسطى التي أقنعت الفقراء بالمخاطرة بانتخاب رئيس على شاكلتهم. لولا الأول كان نتاج العواصم الصناعية في جنوب البلاد وجنوب شرقها.
لولا الثاني لم يثر الأحلام، هو مجرد خيار واعٍ لتعميق السياسات العامة الاجتماعية في برازيل عام 2006. لولا الثاني وسيط اجتماعي بامتياز: هو مرشح الفقراء أكثر منه مرشح اليسار، هو مرشح شمال شرق البرازيل (ومنه نزح عندما كان طفلاً) الذي انتخبه بثمانين في المئة من الأصوات فيما خسر في معاقله القديمة بالرغم من تحسن أرقامه بين الدورتين. أما التهويل الاقتصادي، فلم يلاحظ انتخاب لولا الثاني، لا بورصات العالم تحركت ولا حتى صرّاف أصغر زاوية في البرازيل.
لو لم يكن هناك لولا ثانٍ، لكان لولا الأول مجرد استثناء في تاريخ تداول السلطة بين النخب في بلد يبقى ثاني أسوأ بلد في توزيع الثروة في العالم. الآن بعد تجديد انتخابه، يعمّق لولا الثاني انفتاح الديموقراطية البرازيلية على الإشكالية الاجتماعية. وهذه طريق لا عودة منها، ويشبه إلى حدّ كبير مسألة وصول الاشتراكية الديموقراطية إلى السلطة في الدول الأوروبية في بدايات القرن العشرين.
تجري العادة في اعتبار الولاية الثانية دائماً أسوأ من الأولى. لكن من الادعاء المفرط تصور شكل ولاية لولا الثانية قبل بدايتها. قد يكون في مصلحتها هذه المرة أن «الأوتوبيا» الهوجاء غائبة عن البرازيل، وأن لولا راكم من الخبرة ما يسمح له بتحاشي بعض الأخطاء، كما يقول، وأن الأحداث المتعلقة بفضائح الفساد فرضت عليه أن يتحرر من سطوة بعض معاونيه من «حزب الشغيلة» الذين كانوا يرافقونه منذ بداية سيرته السياسية. فالحياة ــ كما هو بديهي ــ غيّرت لولا وحزبه بقدر ما غيّراها، إن لم يكن أكثر.
بيد أن في مجالات أساسية، قد تكون المثابرة على الصواب كافية وحدها لقطف بعض الثمار الطيبة في الولاية الثانية: على الصعيد الاقتصادي، رتّب لولا البيت بشكل يجيز له أن يتصوّر نمواً أكثر فاعلية،وهو ما قد يسمح له بتطوير سياساته الاجتماعية وتعميقها. لولا غاية في الدقة عندما يقول ــ وقد جدد التزامه في أول خطاب له بعد انتخابه ــ إنه «يحكم لمصلحة جميع البرازيليين، لكن لفقراء هذا البلد أوّلاً». إذا كان القليل الذي فعله خلال ولايته الأولى أنتج تغييرات عميقة في الخريطة السياسية والاجتماعية، فكيف إذا سمح له الاقتصاد بأكثر من ذلك؟
كذلك لا أحد يتشكك في البرازيل ــ إلا بعض نوستالجيّو العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة ــ بصوابية تنويع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وبضرورة الاستثمار في المشاريع الإقليمية الأميركية الجنوبية التي أعطت لبرازيل لولا دوراً فاعلاً وأحياناً رائداً بين مستضعفي العلاقات الدولية.
بعد الانتصار الساحق الذي حققه لولا في صناديق الاقتراع، من الأرجح أن تخفت الأصوات التي طالبت في حمأة الحملة الانتخابية بـ«دورة ثالثة» قضائية. وتبقى السياسة، وهي عقب أخيل ولاية لولا الثانية: كالمرة الأولى، لا يتمتع لولا بأكثرية نيابية، مع أن انتخابات هذا العام حسّنت مواقعه بين حاكميات الولايات. من دون هذه الأكثرية، ستبقى ولايته الثانية رهينة صفقات تقليدية قد تقضي على مشاريعه الإصلاحية. البرازيل عموماً و«حزب الشغيلة» خصوصاً، بحاجة إلى إصلاح سياسي عميق. ثاني يوم الانتخابات، هناك إجماع لدى لولا وحزبه وجميع سياسيي البرازيل على ضرورة إنجاز العمليتين الجراحيتين بأسرع وقت ممكن. إذا مرّت السنة الأولى من الولاية من دون أن يتحرك شيء في هذا المجال أو من دون أن يحرّك لولا رصيده الشعبي لإنجازهما، يُخشى أن تصدق القاعدة وأن تكون الولاية الثانية أسوأ من الأولى.

المصدر: وكالات

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...