هل يجب على صواريخ "كروز" أن تستهدفَ السعوديين؟

29-09-2013

هل يجب على صواريخ "كروز" أن تستهدفَ السعوديين؟

الجمل- روبرت باري- ترجمة: د. مالك سلمان:

في كافة دوائر واشنطن الرسمية – من السياسيين إلى المرشدين – هناك الكثير من التبجح حول القيمة الجيوسياسية لتهديد الشعوب بالقصف كطريقة للحصول على التنازلات وفرض الطاعة. فكروا بسوريا وأسلحتها الكيماوية وإيران وبرنامجها النووي. فإذا كانت هذه هي الحالة, ربما حان الوقت لأن "نضع على الطاولة" تهديداً بقصف المملكة السعودية.
يبدو الآن أن العقبة الرئيسة أمام محادثات السلام التي يمكن لها أن تنهي الحربَ الأهلية السورية الدموية هي العقبة التي يشكلها الجهاديون المرتبطون بالقاعدة الذين يتلقون الدعمَ العسكري والمالي من المملكة السعودية والمشيخات النفطية الأخرى التي تعمل بإمرة الجناح السياسي/الدبلوماسي السعودي.
على الرغم مما يمكن أن تكونوا قد قرأتموه في بعض مقالات الرأي المنشورة في "نيويورك تايمز", إلا أن الحكومة السورية وافقت على إرسال مبعوثيها إلى مباحثات السلام في جنيف. لكن المتمردين رفضوا, حيث أصروا على لائحة طويلة من الشروط المسبقة, مثل تسليمهم أسلحة أمريكية متطورة وتغيير التوازنات الميدانية على الأرض. يبدو أن المشكلة الحقيقية تكمن في الانقسامات الموجودة في صفوف المعارضة, مع خلافات تبدأ بالمعتدلين المنادين بالديمقراطية وتنتهي بالجهاديين العنيفين, بما في ذلك أولئك الذين يصورون أنفسهم وهو يأكلون أعضاء الجنود السوريين الموتى ويعدمون الأسرى العزَل.
بما أن الطريقة الوحيدة لإيقاف سفك الدم الذي أودى بحياة أكثر من 100,000 شخصاً تكمن في الترتيب لوقف إطلاق النار والتسوية السياسية, يجب أن تتغير حسابات المتمردين أو يجب على رعاتهم الرئيسين أن يغيروا حساباتهم. وفي ضوء ذلك, ربما يكون من المفيد توجيه إنذار إلى رئيس المخابرات السعودية بندر بن سلطان يشير إلى إمكانية استهداف صواريخ "كروز" لمكاتبه في الرياض إن لم توقف المخابرات السعودية تسليحها للفصائل الأكثر تطرفاً التي تقاتل في سوريا.
إضافة إلى دعم الجهاديين المتوحشين في سوريا, هناك حقيقة أخرى مزعجة: تاريخ الدعم السعودي للإرهاب الإسلاموي في المنطقة وحول العالم, وهي نقطة قيلَ إن الأمير بندر قد أثارها أثناء لقائه المتوتر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في 31 تموز/يوليو, فيما يتعلق بمقاطعة الشيشان الروسية المتمردة.
وتبعاً لتوصيف دبلوماسي لتلك المواجهة الثنائية, سعى بندر إلى الحصول على الدعم الروسي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد لقاء إغراءات اقتصادية متنوعة لروسيا بالإضافة إلى تعهد بحماية "الألعاب الأولمبية الشتوية" المقرر العام القادم في سوشي من الهجمات الإرهابية.
من الواضح أن بوتين كان مستاءً من مزيج الرشوة والتهديدات الذي قدمه بندر, وخاصة إشارته إلى الدعم السعودي القديم للإرهاب الشيشاني, وهي نقطة مؤلمة بالنسبة إلى الروس الذين عانوا من هجمات عديدة شنها الإرهابيون الشيشان ضد أهداف مدنية روسية. وقد قيل لي إن بوتين نظر إلى الإشارة إلى سوشي كشيء أشبه بزعيم مافيا يهدد صاحب دكان لدفع أموال الحماية بقوله: "لديك دكان صغير جميل هنا, ولا أحب أن يحدث له أي مكروه".

بندر وأسامة
خلال السنوات الماضية تعاملَ بندر مع مسألة "الإرهاب" بمثابة أخلاق وضعية, حيث كان يستخدم المصطلح بهدف الانتقاص من الحركات السياسية التي يمقتها أعضاء العائلة المالكة السعودية بينما يتعامل مع المجموعات العنيفة المدعومة من المملكة السعودية بصفتها مقاتلين من أجل الحرية. وقد أتقن بندر هذه التقنية منذ ذلك الوقت الذي تعاونت فيه المملكة السعودية وإدارة ريغان على ضخ ملايين الدولارات إلى المجاهدين الأفغان وحلفائهم من المجاهدين العرب الذين يحاربون القوات السوفييتية في الثمانينيات من القرن الماضي.
نتيجة الجهد المناوىء للسوفييت في أفغانستان ظهر السعودي أسامة بن لادن والإرهابيون الذين تجمعوا فيما بعد تحت اللواء الكوني, "القاعدة". وفي الثمانينيات من ذلك القرن, تم تصوير أولئك الجهاديين المتنقلين بصفتهم المدافعين الشجعان عن الإسلام – فقد شرعوا في استهداف الولايات المتحدة بهجمات إرهابية تم تتويجها فيما بعد في أحداث 9/11 من سنة 2001.
أثناء هجمات 9/11 على نيويورك وواشنطن, كان بندر سفيرَ السعودية إلى الولايات المتحدة وكان مقرباً جداً من عائلة بوش إلى درجة حصوله على لقب "بندر بوش". كما كان بندر مقرباً من عائلة بن لادن أيضاً. وبعد الهجمات, اعترف بندر أنه التقى بأسامة بن لادن الذي شكره على تمويله لمشروع الجهاد الأفغاني.
"لم يثر إعجابي, لكي أكون صريحاً معك," قال بندر لمقدم برامج "سي إن إن" لاري كينغ عن بن لادن. "اكتشفت أنه رجل بسيط وهادىء جداً."
بعد هجمات 9/11 مباشرة, قوضَ بندر الفرصة المتاحة أمام "إف بي آي" لمعرفة المزيد حول العلاقة بين أقرباء أسامة بن لادن ومنفذي هجمات 9/11 عندما ساعدَ بندر أفراد عائلة بن لادن على الفرار من الولايات المتحدة على بعض أول طائرات سُمحَ لها بالإقلاع في الجو – بعد مقابلات سريعة جداً مع محققي "إف بي آي". إن الجزء الوحيد الذي تم حذفه من تقرير لجنة التحقيق في 9/11 هو الجزء المتعلق بالدعم السعودي المزعوم للقاعدة.
الآن, وبصفته رئيساً للمخابرات السعودية, يبدو أن بندر عاد ثانية إلى لعبة المؤامرات الجيوسياسية, حيث يؤمن السلاح إلى بعض أكثر المتمردين السوريين وحشية والمرتزقة العرب الذين يقاتلون في سوريا, مع تقديم العصا والجزرة للقادة الأجانب الذين يقفون في طريق المصالح السعودية.
بصفتها ملكية قمعية تروج للنسخة الوهابية المتعصبة من الإسلام السني, تعارض السعودية بشدة الإصلاحات الديمقراطية للربيع العربي والنفوذ المتنامي للإسلام الشيعي الذي يمتد الآن من إيران, عبر العراق وسوريا, وصولاً إلى معاقل حزب الله في لبنان.
في الأشهر الأخيرة, دعمت المملكة السعودية الانقلابَ العسكري في مصر الذي أطاحَ بحكومة الرئيس الإخواني محمد مرسي المنتخبَة. كما رفع السعوديون من وتيرة مساعداتهم للمتمردين السنة الذين يسعون إلى الإطاحة بحكم الأسد المتأصل في المذهب العلوي الذي يشكل فرعاً من الإسلام الشيعي.

التحالف السعودي- الإسرائيلي
إن التقاء المصالح السعودية والإسرائيلية قد فسح المجال لتحالف أمر واقع بين الملكية السعودية وحكومة إسرائيل اليهودية. فعلى الرغم من العداوة التاريخية [!] إلا أن إسرائيل والسعودية التقتا في دعم النظام العسكري المصري, وفي اعتبار إيران العدوَ الرئيسي, وفي السعي إلى انتصار المتمردين في سوريا.
إن السعوديين, المدعومين من مجموعات الضغط الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي, ينظرون إلى أنفسهم – من خلال ما يمتلكون من الطاقة والأموال – بصفتهم مركز قوة إقليمية ناشئة, قوة يمكنها أن تواجه القوى العظمى التقليدية بشكل مباشر, حيث يقومون بتضييق الخناق على مناورات أوباما الدبلوماسية بخصوص إيران وسوريا ويتحدون الرئيس بوتين وجهاً لوجه.
تبعاً لتوصيف دبلوماسي مسرَب عن لقاء 31 تموز/يوليو في موسكو, قال بندر لبوتين: "التهديد الإرهابي يتنامى في ظل هذه الظاهرة التي أطلقها الربيع العربي. فقد خسرنا بعض الأنظمة. وما حصلنا عليه في المقابل هو تجارب إرهابية, كما هو واضح من تجربة الإخوان المسلمين في مصر والمجموعات المتطرفة في ليبيا. ..."
"مثلاً, يمكنني أن أعطيك ضمانة بحماية الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة سوشي على البحر الأسود العام القادم. فنحن نسيطر على المجموعات الشيشانية التي تهدد أمنَ الألعاب, ولن يتحركوا باتجاه الأراضي السورية دون التنسيق معنا. هذه المجموعات لا تخيفنا. فنحن نستخدمها ضد النظام السوري, ولكن لن يكون لها أي نفوذ في المستقبل السياسي السوري."
وتبعاً لهذا التوصيف, ردَ بوتين بالقول: "نعرف أنكم تدعمون المجموعات الإرهابية الشيشانية منذ عقد من الزمن. وهذا الدعم, الذي تحدثت عنه بصراحة الآن, لا يتناسب أبداً مع الأهداف المشتركة التي ذكرتها حول محاربة الإرهاب الكوني. نحن مهتمون بتطوير علاقات صداقة قائمة على مبادىءَ واضحة ومتينة."
أجاب بندر: "نحن لا نفضل الأنظمة الدينية المتطرفة, ونرغب في تأسيس أنظمة معتدلة في المنطقة. يجب أن نلتفت إلى التجربة المصرية ونتابعها. وسوف نستمر في دعم الجيش [المصري], وسوف ندعم وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي لأنه حريص على إقامة علاقات جيدة معنا ومعكم. ونقترح عليكم التواصل معه ودعمه وتوفير كافة الظروف الكفيلة بإنجاح هذه التجربة. ونحن جاهزون لعقد صفقات أسلحة معكم مقابلَ دعم هذه الأنظمة, وخاصة مصر."
بالإضافة إلى إمكانية عقد صفقات الأسلحة المربحة التي تعود على الاقتصاد الروسي بالفائدة, قيلَ إن بندر قدم عرضاً برفع مستوى التعاون السعودي مع روسيا في مجال النفط والاستثمارات, حيث قال: "دعنا نرَ كيف يمكننا أن نضعَ استراتيجية روسية- سعودية مشتركة فيما يتعلق بالنفط. والهدف هو الاتفاق حول سعر النفط وكميات الإنتاج التي تكفل استقرارَ السعر في أسواق النفط الكونية. ... نحن نتفهم اهتمامَ روسيا الكبير بالنفط والغاز المتوفرين في البحر المتوسط من إسرائيل إلى قبرص مروراً بلبنان وسوريا. كما نتفهم أهمية خط أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا. لسنا مهتمين بالمنافسة في هذا المجال. يمكننا التعاون في هذا الحقل كما يمكننا التعاون في مجالات بناء المصافي والصناعات البتروكيماوية. بمقدور المملكة أن تؤمنَ استثمارات بمليارات الدولارات في حقول مختلفة في السوق الروسية. المهم في الأمر هو التوصل إلى تفاهمات سياسية حول عدد من القضايا, وخاصة سوريا وإيران."

بوتين الغاضب
أخبرني مصدر قريب من الحكومة الروسية أن هذا المزيج من الإغراءات الواضحة والتهديدات الضمنية قد أغضب بوتين الذي بالكاد استطاع إخفاء غضبه عند نهاية لقائه ببندر. ويبدو أن دعم بوتين المتزايد للحكومة السورية قد جاء كنتيجة غير متعمدة لرشاوى بندر وتحذيراته.
وقال المصدر إن روسيا ردت لتهديداتها الخاصة شبه المباشرة ضد السعوديين. يمكن أن يمتلك السعوديون "قوة ناعمة" لا بأس بها – بنفطهم وأموالهم – لكن روسيا تتمتع ﺑ "قوة خشنة" فتاكة, بما في ذلك جيش في غاية القوة, تبعاً للمصدر.
قال المصدر إن بوتين يأمل في تجنيد الرئيس أوباما في رد منسق على استعراض العضلات السعودي. ولكن من الممكن أن يشعر السعوديون بالثقة نتيجة تحالفهم الواقعي مع إسرائيل ومعرفتهم بأن اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن قادر على احتواء أوباما.
ومع ذلك فإن الطريقة الوحيدة لإرغام المتمردين السوريين على الجلوس إلى مائدة المفاوضات تتمثل في تشكيل الخصمين القديمين, الولايات المتحدة وروسيا, لجبهة موحدة وإفهام الأمير بندر بأن على المملكة السعودية أن تتوقفَ عن إعاقة التسوية السلمية في سوريا.



http://www.smirkingchimp.com/thread/robert-parry/51770/should-cruise-missiles-target-saudis

تُرجم عن ("سميركينغ تشيمب", 24 أيلول/سبتمبر 2013)

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...