هاونات دمشق «صُنع في الغوطة الشرقية»

30-04-2014

هاونات دمشق «صُنع في الغوطة الشرقية»

تبرز منطقتا جوبر والمليحة كأكبر مناطق تصنيع قذائف الهاون على أرض الغوطة الشرقية لدمشق. يعزى ذلك أساساً الى وجود العديد من ورشات الخراطة المعدنية، تاريخياً، في كلا المنطقتين، والتي استطاعت أن تخدِّم معامل صهر الحديد الموجودة بنسبة كبيرة فيهما أيضاً. ووفّر هذان العاملان إمكانية وضع العاصمة السورية تحت مرمى قذائف الهاون، كلما اقتضت مجريات المعركة العسكرية، والسياسية، تظهير المعارضة المسلحة كطرف متقدم في الصراع.

ولتصنيع الهاون، لا بد من المرور في أربع مراحل. تقتضي المرحلة الأولى جمع كل ما يمكن جمعه من خردوات وبقايا قطع الحديد. ويتم الاعتماد هنا على الأطفال لجمع الخردوات من الطرقات وبقايا الأبنية المدمرة، في مقابل مبالغ مالية زهيدة جداً (300 ليرة سورية للطفل)، أو وجبات طعام لهم ولذويهم المحتاجين. وتؤمن عمالة الأطفال جزءاً من الكمية المطلوبة، بينما يُعتمد، بشكل أساسي، على عمليات النهب الواسعة التي تتعرض لها منازل اللاجئين والنازحين عن المدينة. «بعد سنتين من الحرب، يمكن بوضوح ملاحظة النهب الواسع لكميات الحديد الموجودة في المدينة. في إحدى المرات، قام عناصر من «لواء أبو موسى الأشعري» بفك أحد عواميد إنارة كهرباء البلدية، وتحميله بشاحنة كبيرة» يؤكد م. غ.، أحد السكان المهجرين من منطقة المليحة في الغوطة الشرقية.
وبعد تجميع قطع الحديد، تتولى المجموعة العاملة في مصانع الصهر تنفيذ المرحلة الثانية، حيث يتم صب الحديد المصهور في قوالب جاهزة من الفولاذ، لإخراج أشكال جديدة من الحديد الصلب. «غالباً ما يتم الاعتماد على شباب المدينة ممن يريدون العمل على إسقاط النظام، وإذا كان هناك من لديه خبرة في التصنيع ولا يريد المشاركة فهو حر، لكن عليه أن يدرّب الشبان الراغبين في العمل، ومن ثم فليذهب في سبيله»، يقول أبو محمد، المقاتل في إحدى كتائب «الجيش الحر» في جوبر. ويضيف: «نحن لا نجبر أحداً على العمل.
لكن في ظل حصار جوبر، كثيرٌ من الشبان يأتون إلينا طالبين العمل لقاء أجرٍ زهيد، فهم يتفهمون الضيقة المادية التي نعانيها. بعضهم يعمل مقابل وجبة الغداء التي يطبخها الإخوة المقاتلون يومياً».
وفي المرحلة الثالثة، تقوم مجموعة من الشبان العاملين في ورشات الخراطة المعدنية بخرط قطع الحديد الجديدة، حيث تتحول قطعةٌ طولها 75 سنتم، وعرضها 30 سنتم، إلى خمسة رؤوس لقذيفة الهاون. بينما يأخذ جسم القذيفة، الذي يأخذ شكل ثمرة الباذنجان قبل الخراطة، شكله الجديد بعد إفراغ القلب لحشوه لاحقاً بالبارود، وقطع معدنية أخرى تؤمِّن إصابات أكبر بعد انفجار القذيفة. ويخرط ذيل الهاون ليتم ملؤه بالمادة المتفجرة القاذفة، ليصار بعد ذلك إلى تجميع أجزاء الهاون الثلاثة، عبر جعل أطرافها تأخذ شكل «القلاووظ» اللولبي، ما يسهل عملية الجمع. وبعد ذلك تخزَّن القذائف في صناديق خشبية لاستعمالها لاحقاً. لكن في هذه المرحلة، تبرز المشكلة في تأمين الكميات اللازمة من البارود والمادة المتفجرة القاذفة. يحلُّ «أبو فؤاد»، المقاتل في «لواء مغاوير الغوطة»، المشكلة سريعاً: «عندما تنقصنا هذه المواد، نحاول أن نأتي بها من كتائب إحدى الجبهات القريبة منا. وفي حال لم يكن ذلك متاحاً، نقوم باقتحام مباغت لإحدى الثكنات العسكرية، وغنم ما يمكن من تلك المواد».
خلال المرحلة الرابعة، يذهب المقاتلون لتأمين السيارات ذات الصناديق المفتوحة. الاختيار الأفضل بالنسبة إليهم هو أنواع محددة من شاحنات «سكودا» و«هونداي» والشاحنات الألمانية التي توفِّر عليهم عبء تحصين شاحنات أخرى بالفولاذ للتخفيف من حدة الارتداد الناجم عن إطلاق قذيفة الهاون، لا سيما أنهم يفضلون نصب قاعدة الهاون فوق الشاحنة، لسلاسة الهروب بعد الضرب. وفي حالات أخرى يجري تصنيع قاعدة دائرية للهاون يتم من خلالها تحديد مسار القذيفة.
وخلال عملية إطلاق القذائف، يستخدم بعض مقاتلي المعارضة المسلحة برامج محددة للأجهزة اللوحية «Tablet»، لتحديد مكان الهدف على نحو أدق. إلا أن هذه الطريقة لا يمكنها معالجة الإصابة غير الدقيقة لسلاح الهاون بالأصل. وفي كثير من الحالات، تنفجر القذيفة قبل أن تخرج من «ماسورة القذف»، ما أدى إلى إصابة أعداد كبيرة من المشاركين في العملية. هذا عدا عن أعداد المصابين خلال عملية ردّ سلاح الجو السوري على مكان الاستهداف، لا سيما في حال كانت الطريقة المتبعة هي القصف من الأرض، وليس من العربات المتنقلة.

تثبيت «السمت»... لإمطار الهدف لاحقاً

بما أن الإصابة التي تحققها قذائف الهاون عشوائية وغير دقيقة، يعتمد مقاتلو المعارضة المسلحة على طريقة أخرى لتأمين أدق إصابة ممكنة. وتعتمد الطريقة على التجربة، كمعيار لتحديد مكان الهدف. فإذا كان الهدف المطلوب هو أحد الأبنية الحكومية في دمشق، يستهدف المقاتلون هذا البناء بشكلٍ تقريبي في البداية، وعند تحقيق الإصابة يثبتون «سمت» الهاون، لضمان إصابته بعشرات القذائف لاحقاً. غير أن هذه الطريقة قلَّ استخدامها، بعد حملات الإغارة الجوية للجيش على أماكن إطلاق القذائف، ما قلَّص من إمكانية تثبيت الهاون في بقعة جغرافية محددة.

أحمد حسان

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...