معرض أوغست رينوار والخروج من الانطباعية

04-03-2008

معرض أوغست رينوار والخروج من الانطباعية

معرض «أوغست رينوار (ما بين 1865 و1883)» تنقل بين متاحف أوروبية ويستحق التوقف عنده لأنه بالغ الاختصاص والعمق. المعرض يكشف من جديد أنه من طبائع تاريخ الفن (زيتية بريشة أوغست رينوارخصوصاً المعاصر منه) أن قطب أي تيار يتعملق فيبتلع الأسماء التي تدول في الفلك التأسيسي نفسه. فقد قزّمت عبقرية كلود مونيه الأسماء التي شاركته في تأسيس «المدرسة الانطباعية» في نهاية القرن التاسع عشر. وهو التيار الذي اعتبر بوابة أولى للمعاصرة والحداثة، وثورة حقيقية في علاقة اللوحة بالحيز الطبيعي. كذلك هو شأن المؤسس الثاني أوغست رينوار، اذ يعيد المعرض بمجهره التحليلي الاعتبار الى شراكته الرائدة، فهو يمثل الوجه الأمين والثائر معاً على هذه العقيدة، التي تحولت بعد عشرين سنة الى «أكاديمية» جديدة لا تخلو من الاجترار. السنوات السبع الأخيرة من حياة رينوار تكشف رؤيويته وخروجه من الانطباعية الى «التجريد الغنائي» وهو التيار الذي سيطر على الجيل التالي.

في هذه الفترة أيضاً أصيب بالشلل وأصبح يصور بفرشاة مربوطة بيده. وقال انه «عندما يقترب التصوير من رفيف الضوء. يصبح كل شيء ممكناً، بما في ذلك الخروج من حدود الانطباعية».

علينا أن نرجع الى البداية: كان رينوار (بعكس زملاء له) من عائلة فقيرة، لكن هذا لم يمنعه من الانتساب الى «أكاديمية غلير» في باريس. كان أقلهم تفرغاً لأنه اضطر ان يكسب عيشه في البداية من زخرفة صحون السراميك، وما أن التقى بأقطاب الانطباعية حتى تغيّر كل شيء، لكنه لم يتفرغ للرسم حتى عام 1880 عندما تعهده تاجر اللوحات دوران رويل مما سمح له بالسفر الدائم ومنحه الطمأنينة المادية.

جمعه منذ البداية، مع مونيه وسيسلي وبازي، اعجابهم المفرط بأدوار مانيه (الذي استثمر حيوية فراشي الفن الإسباني). يقول عنه رينوار إنه «لا يقل أهمية وثورية عن جيوتو في ايطاليا القرن الرابع عشر، ولكل منهما روحه الثورية الخاصة التي يجب اتباعها في زمانها».

منحهم مانيه المعالجة الضوئية الكثيفة العجائن، وذلك ضمن تسارع وعصبيته تقتنص حركة النور في الطبيعة، توصل مونيه الى هذه العقيدة وطورها الى حد أقصى، ووصل تطرفها الى رينوار أيضاً (بعد عقدين) بطريقته الخاصة. طريقته التي تعكس محبته للحياة والطبيعة، فهو أشد حبوراً وسعادة وحسية من أقرانه جميعاً.

كان يجمعه مع هؤلاء الرواد حصار لجان التحكيم (خصوصاً في الصالون الرسمي) ورفضهم الدائم لأعمالهم تيمناً بالنموذج الأكاديمي الأشد اخصاءً للوحة. هو ما هيأ بعد سنوات الى استقلال صالون آخر عرف بـ «صالون المرفوضين»، الذين يمثلون الأسماء المؤسسة للفن المعاصر.

في عام 1863 أصبح رينوار يرافق البقية ليصوّر معهم غابات «فونتينبلو» الفرنسية، ثم أقام مع كلود مونيه في ضاحية «بوغيفال» يقتنصان معاً انعكاسات الشمس والماء والرذاذ والغيم والخُضرة والمنازل الريفية القرميدية. تقارب الاثنان في تقنية تجزئ اللون الصريح، من أجل الحصول على وهم خلائطه عن بعد، مما يحافظ على بهاء ونورانية اللوحة.

توصل رينوار بدوره عام 1870 الى تطوير لمسة فرشاته معبراً عن الرفيق والارتجافة القزحيّة، مستثمراً شتى الطاقات اللونية سواء الشفافة منها أو العجينية ليصل الى تعبير أشد حرية وعفوية وله سمة ذاتية. كان أحياناً أشد جرأة من زملائه. بمن فيهم القطب مونيه. هو ما تكشفه لوحة «الحصادون» أو «مستنقع البط».

ثم نصل الى عام 1880 وهي المرحلة الأهم حيث كان يصوّر بين شمس الجزائر والسواحل الإيطالية ويخرج بالتدريج من آلية «العقيدة الانطباعية» ابتداءً من تصويره لساحة سان مارك في فينيسيا (البندقية) وانتهاء بتصويره حشود «زراعة الموز» في الجزائر (1881)، وهنا يشارف رينوار حدود التجريد. يعلق هو نفسه عام 1883 على ذلك: «يعاني تصويري من شرخ عميق يصل به الى ما بعد الانطباعية»، ولكن ذلك كان بالنسبة اليه طريقاً مسدوداً، فقد أقعده الشلل عن مواصلة شجاعته الخطرة وثوريته التي طالما تمسك بها في شبابه.

أسعد عرابي

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...