مسؤول جماهيري نخب أول

08-02-2010

مسؤول جماهيري نخب أول

يعتقد بعض الناس من أهالي المحافظات البعيدة أن المسؤول الذي يأتي لزيارتهم من العاصمة إنما هو من عجينة أفضل بكثير من عجينتنا نحن البشر العاديين، يعني، إذا أردنا أن نحكي بلغة (الجنباز) الذي يبيع السيارات المستعملة في المكاتب، يمكن أن نقول:
إن المسؤول ياباني أصلي، أبو حزّ، يمشي ثلاثمئة كيلومتر بالتنكة، وكل وسائل الرفاهية موجودة فيه، يعني باختصار (full option)، بلور وقفل مركزي مع بالون يفتح تلقائياً أثناء الحوادث.. وله فتحة في السقف يمكن لأولاده الحلوين أن يمدوا رؤوسهم منها في الصيف مثل الحرادين..!
وأما نحن الذين خُلقنا تعساء- على حد تعبير ابراهيم ناجي ورياض السنباطي والحاجة أم كلثوم- فمستوانا يبدأ، برأيهم، من التايواني والماليزي وأنت نازل باتجاه الأسفل.. وحينما نسير فإننا نقرقع ونطبطب وننتِّع، ونطلق الفقاعات من العادم، ولدى أقل مطب نقع فيه (نبنشر) ونحتاج إلى (شحط) بالرافعة إلى المنطقة الصناعية، فلا نعود من هناك بأقل من أسبوعين عطلة عن العمل، وعشرة آلاف ليرة أجور تصليح!
وهؤلاء (البعض) لا يحبون ذلك المسؤول لأجل سواد عينيه، أو لأجل الكحل الرباني الذي يظللهما، بل إنهم يعرفون، في سرهم، من مثالبه أكثر مما كان الإمام مالك بن أنس يعرف من مثالب الخمرة، وينطبق عليهم ما قاله أحد الفقهاء لأحد المنافقين حينما مدحه بعبارات منمقة:
- أنا يا أخي أقل مما قلت عني، وأكبر مما في نفسك تجاهي!
هم يعرفون، مثلاً، أن هذا المسؤول (المُفْتَرَض) مولع بالخطابات الإنشائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنه، كلما دق الكوز بالجرة، يتحدث عن الجماهير، حتى إن بإمكان أي من الخبثاء الذين يؤلفون القصص عن الناس أن يصف سيرورة حياته اليومية زاعماً أنه يستيقظ من نومه في الصباح ويقول: نويت أن أمضي هذا النهار وما يليه من الأيام في خدمة الجماهير، وحب الجماهير، ومد يد العون للجماهير، ثم يذهب إلى النافذة المطلة على الشارع، ليس من أجل تهوية الغرفة من روائح النوم، بل ليلقي نظرة على الجماهير التي تعبر في الشارع بسعادة وهي ذاهبة إلى عملها، لكي تنتج الخير والعطاء، لما فيه سعادة الناس، وسعادته، أعني المسؤول التي تأتي تحصيلاً لحاصل فور تحقق سعادة الجماهير!
أثناء تناول حضرته لطعام الفطور يشرح ذلك المسؤول الجماهيري لزوجته فكرته القائلة بأن الفضل في غنى هذا الفطور وتنوعه يعود إلى جماهير الفلاحين والمزارعين المنتجين، وجماهير التجار المخلصين للبلد الذين يتكبدون عناء الذهاب إلى الحقول وشراء هذه الخيرات ثم نقلها إلى أسواق الهال المنتشرة في البلاد، ثم بيعها إلى جماهير سائقي الشاحنات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة الذين ينقلونها إلى جماهير بائعي المفرق الذين يبيعونها إلى للجماهير الكادحة التي نحبها ونترنم باسمها آناء الليل وأطراف النهار.
بعد الفطور يركب ذلك المسؤوال الجماهيري (ومرافقوه) أسطولاً من التكاسي الفخمة التي دفعت ثمنها الجماهيرُ الكادحة من حُرِّ مالها، ويذهب إلى عمله، فإذا وجد في انتظاره أحداً من جمهور الصحفيين الألمعيين الذين اعتادوا أن يأخذوا الحقيقة الجامعة المانعة من مصدرها الأساسي، أي من رأس النبع، وكان ذلك الصحفي قد نقل إليه، عبر رؤساء ورئيسات مكاتبه الكثيرة، رغبته في التعدي على وقته الثمين لإجراء مقابلة مع (فخامته)، ووافق (فخامته) على إجراء المقابلة بعد أكثر من تأجيل، يجلس ويحكي للصحفي عن هذا الهوس الذي يشبه العقد النفسية الموجود لديه في مجال حب الجماهير، والخطط والمشاريع والمناقصات والمزايدات العلنية التي يعقدها ويوقع عليها ويتابع تنفيذها.. لأجل الجماهير..
وللحقيقة، والتاريخ، وفي الكواليس، فإن ذلك المسؤول يعيش في واد، والجماهير الغلبانة تعيش في واد آخر، بل لعل الأقرب إلى الصحة هو القول بأن كل ما يفعله ذلك المسؤول يقع في النقيض من مصلحة الجماهير، و(بعض) الناس من تلك الجماهير يرون عكس هذه الحقيقة!   

 

 

خطيب بدلة- البعث

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...