حسن م يوسف: كيف تحول «سقف العالم» إلى مسلسل تلفزيوني

13-09-2007

حسن م يوسف: كيف تحول «سقف العالم» إلى مسلسل تلفزيوني

ليس حسن م. يوسف ممن يخافون تناول الأفكار الكبيرة فقد تطرق إلى جنون الاستعباد وفوضى الحال العربي خلال فترة الاحتلال العثماني في مسلسله (أخوة التراب), وعاد ليتقدم خطوة كبيرة باتجاه إدارة حوار فكري مختلف في (البحث عن صلاح الدين) حين ظهر في المسلسل التاريخي مع حاسبه المحمول يجري حواراً افتراضياً مع مؤرخ أمريكي, حول القضايا السياسية والثقافية ذات الطبيعة الخلافية بين الشمال والجنوب, وها هوذا يتقدم في مسلسله الأخير (سقف العالم) ليرد على الرسوم المسيئة للرسول الكريم برد حضاري تمثل بعمل فني كامل.. يقترب من عمق قضية الرسوم المسيئة , ولا يستثني أبسط الأحداث فيها.‏

(سقف العالم) كنص..لم يكن مكتوباً له أن يكون مسلسلاً لو لم تنهض قضية الرسوم المسيئة واقتضى الأمر ردا حضارياً يترك أثره الإيجابي لا يقاوم الإساءة بإساءة أكبر..وبالطريق إلى تجسيد النص كمسلسل كان ثمة حكاية أخرى يرويها لنا الزميل حسن م. يوسف:‏

(قبل حوالي عشرين عاماً قمت بزيارة لفنلندا لمدة أسبوع , وعقب عودتي من هناك كتبت سلسلة من المقالات نشرتها في جريدة تشرين بعنوان: (رحلة إلى سقف العالم), دونت فيها يوميات رحلتي. وعقب اكتمال المقالات قام شخص أعتقد أنه عالم الآثار الراحل جبرائيل سعادة, بجمع تلك المقالات وإعادة إخراجها على شكل كتيب, أرسل لي نسخة منه , مرفقة برسالة قال فيها, إنني فيما كتبت تابعت تقاليد الرحالة العرب, وأبلغني آنذاك أنه ثمة سفير عربي يدعى أحمد ابن فضلان سبقني إلى الشمال الاسكندنافي بحوالي ألف وثمانين سنة. هكذا بدأت البحث عن ابن فضلان, وكانت فرحتي كبيرة عندما عثرت على رسالته صادرة عن مجمع اللغة العربية بدمشق, إلا أنني ما أن ألقيت نظرة على الرسالة حتى تأكد لي أنها ليست كاملة, هكذا بدأت رحالة البحث عن النص الأصلي لابن فضلان, تحدوني الرغبة لأن أصدر كتاباً بعنوان (رحلتان إلى سقف العالم بينهما ألف عام) وبنتيجة البحث, بمساعدة الدكتور الجردي, تبين لي وجود نسخة أخرى من ذلك المخطوط في جامعة كراكوف ببولونيا لكننا عندما حصلنا عليها اكتشفنا أنها منسوخة عن المخطوط المنقوص.‏

هكذا كدت أن أنفض يدي من ابن فضلان لكن الصدفة لعبت دورها , فخلال زيارة للصديق الطبيب مازن علوش في منزله, لفت نظري في مكتبته كتاب بالانجليزية بعنوان غريب (أكلة الموتى) وما أن ألقيت نظرة عليه حتى تبين لي أنه مخطوط ابن فضلان الذي أبحث عنه.‏

وللكتاب قصة غريبة حقاً, فقد ترجمت رسالة ابن فضلان, إلى اللاتينية خلال العصور الوسطى ومنها إلى العديد من اللغات, وقد كرس البروفسور النرويجي فراوس دولوس كل حياته لإعادة بناء رسالة ابن فضلان من خلال بقايا النص العربي ومختلف الترجمات المتوفرة, وقد أنهى دولوس عمله ونشر فصلين من الكتاب قبل أن يموت عام 1953, وبعد ذلك بعقدين وقعت محصلة جهد دولوس بين يدي روائي أمريكي يدعى مايكل كريشتون فخلص النص من معظم الهوامش التي يرزح تحت وطأتها وأعاد نشره كرواية!‏

بعد الانتهاء من قراءة النص الإنجليزي, انتابتني شكوك عميقة بمصداقيته, لأن المدعو كريشتون لم يذكر اسم ابن فضلان على الغلاف, كما لم يذكر اسم دولوس, وبما أن القسم المتوفر بالعربية لا يشكل سوى جزءاً ضئيلاً من رسالة ابن فضلان, فقد اشتعل الحماس في صدري مجدداً وقررت أن أترجم المقاطع المفقودة من الكتاب إلى العربية لكسر غربة ابن فضلان.‏

بدأت في ترجمة رسالة ابن فضلان منذ مطلع تسعينات القرن الماضي, وفرغت من الترجمة وانتهيت من تنقيحها أواخر عام 1995 ناوياً أن أطبعها لحسابي. ولكني علمت أنه ثمة كتاب يطبع في دار الأنوار للدكتور سليمان المدني بعنوان (أكلة لحوم البشر) وهو يتضمن ترجمة نص ابن فضلان عن الإنجليزية! وعندها أدركت أن وقتي وجهدي قد ضاعا هباء. في مطلع العام 2004 وقعت ترجمتي لابن فضلان في يدي فأعدت قراءتها , وفجأة خطر لي أن أكتب رواية عن علاقتي بابن فضلان وقصتي الغريبة مع مخطوطه, وقد ازداد حماسي لإنجاز العمل بعد انفجار قضية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم.‏

في الأشهر الأخيرة من عام 2005 , كنت قد انتهيت من مرحلة البحث التاريخي, وعزمت على السفر للتفرغ لكتابة الرواية, وقبل سفري بيوم واحد اتصل بي المخرج المبدع نجدة إسماعيل أنزور, وسألني عما أعمل فحدثته عن عزمي التفرغ لمشروع الرواية, فما كان منه إلا أن أبدى استنكاره لأنني أنوي إضاعة وقتي في كتابة رواية يقرأها بضعة آلاف من الناس, و بعد اطلاع الأستاذ نجدة على النص المترجم , أبدى حماساً شديداً للمشروع , واتفقنا فوراً أن أكتب مسلسلاً تلفزيونياً ينطلق من رسالة ابن فضلان للرد, بشكل حضاري, على الرسوم المسيئة للرسول الأعظم, من خلال عرض واقع العرب وواقع الدانمركيين قبل ألف ومئة عام...وهكذا تحول مشروع )سقف العالم( من مشروع رواية, إلى مشروع مسلسل تلفزيوني.أنا مؤمن بموهبة نجدة أنزور , وكلي ثقة أنه قد أعطى العمل من نفسه , والحق أنني مؤمن بسقف العالم ومتفائشل به لأنني أعطيته كل ما لدي, أعتقد أن نجدة أنزور رجل يحمل هم المستقبل وهو يحاول كشف الألغام التي تهدده في واقعنا ويسعدني ويشرفني أن أكون أحد شركائه في هذا المشروع.‏

أستطيع أن أقول إن العمل يتمتع بحد كبير من المصداقية التاريخية, صحيح أن (سقف العالم) كان يطمح منذ البداية أن يرد على الدانمركيين الذين تطاولوا على النبي الأعظم, لكننا حافظنا على التوازن الدقيق في بنية العمل , وقد كانت النتيجة عملاً فنياً بامتياز,يتوفر فيه الإمتاع والإقناع وينطوي على رسالة حضارية وسياسية لا تجامل أحداً .‏

المصدر: الثورة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...