الميـــــلاد وتصويـــــب معنى العيـــــد

01-01-2010

الميـــــلاد وتصويـــــب معنى العيـــــد

اعتاد العالم اليوم أن يحتفل بعيد الميلاد وسط مظاهر الزينة والاضواء وتقديم الهدايا. وكاد هذا العيد الذي يحتفل به المسيحيون بميلاد يسوع المسيح يصبح عيداً شعبياً يتباهى فيه الكبار والصغار ليروا من يصنع اجمل شجرة وأكبر مغارة ومن يقدم اثمن الهدايا. ما يريده هذا المقال هو تصويب معنى هذا العيد، ما أمكن، انطلاقاً من بعض ما كتبه الانجيليون عن هذا الحدث ونقلوه ليؤمن العالم بيسوع المسيح، إلهاً ومخلّصاً وانطلاقاً من التقليد المسيحي.

تاريخيّة العيدأولاد مع بابا نويل أمام كنيسة المهد في بيت لحم

انتظر اليهود منذ القدم المسيح المخلص من سلالة داود. ولم يكن هنالك تحديد واحد لشخصه ولمكان وتاريخ مجيئه. من هنا تعددت التيارات. وجاء يسوع في أيام الرومان. وأعلن انه المسيح المنتظر، وصحب الأقوال بالأفعال. آمن به البعض، ولكن قادة اليهود رفضوه فصُلب. وبشّر تلاميذه والرسل به قائماً من بين الأموات وسيداً وربّاً. وكتبت الأناجيل تروي بشارة الخلاص بيسوع. أما تحديد الاحتفال بعيد الميلاد في 25 كانون الاول من كل سنة فيعود للملك قسطنطين في القرن الرابع، الذي احله محل عيد الشمس الوثني. وانتشر هذا التقليد سريعاً بين المسيحيين الذين احتفلوا بمجد الله الذي ظهر بيسوع، النور الذي ينير كل انسان. ومنذ بداية الكنيسة، وخاصة ابتداء من القرن الحادي عشر، برزت تقاليد وعادات للاحتفال بهذا العيد. فكان تزيين شجرة الميلاد، وصنع المغارة، التي تؤوي الطفل يسوع وأمه مريم ويوسف يحيط بهم الرعاة والمجوس مع هداياهم والحيوانات. ورافقت الموسيقى والأضواء كل هذه الزينة.

المغارة

يعود تقليد المغارة الى القديس فرنسيس الأسيزي الذي أحيا في غرشيو في ايطاليا في القرن الثالث عشر أول مغارة مثّل فيها أهل البلدة الصغيرة حدث الميلاد. اما تقليد الحيوانات في المغارة فهو يرجع صدى احدى نبوءات أشعيا في الكتاب المقدّس والذي قال أن "الثور يعرف معلفه، والحمار مغارة سيده". وكان إنجيل منحول (غير قانوني وغير معترف به في الكنيسة) من القرن السادس أشار الى الحمار والثور اللذين سجدا ليسوع في المغارة في إشارة الى نبوءة أشعيا نفسها.

شجرة الميلاد

يبدو أن شجرة الميلاد لا تعود الى أصل وثني الماني بل الى عادة مسيحية بدأت في القرن الحادي عشر تجمع عنصرين دينيين: النور والحياة. أما شجرة الميلاد، كما نعرفها اليوم، فظهرت في منطقة الألزاس في فرنسا في القرن السادس عشر واضيفت اليها الشموع في القرن التالي وانتشرت في اوروبا في القرن التاسع عشر. وفي ميلاد 1912، زينت ساحة مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الاميركية بأشجار ميلاد مضاءة ولاقى هذا الأمر رواجاً تخطى اميركا الى العالم كله.

بابا نويل والهدايا

قصة بابا نويل والهدايا، تعود الى قديم الزمان كما نقول في حكاياتنا الشعبية. من القديس زخيا (سان نيكولا) الى الطفل يسوع موزّع الهدايا، عرف هذا التقليد تغيراً، ولكن الذين أحيوه حافظوا على فكرة توزيع الهدايا وبهجة الأولاد. وفي حلته المعاصرة، ولد بابا نويل أيضاً، في الولايات المتحدة وسط القرن التاسع عشر، واحتفظ بالشكل العجوز الذي يشبه القديس نيكولا.
لا شك في ان كل هذه المظاهر الخارجية، حافظت على ذكرى عيد ميلاد يسوع. لكنها، وإن استقت من الأناجيل وجودها، الا انها فقدت مع الوقت المعنى الذي ترمز اليه والذي يعطيها اهميتها في تأوين حدث ميلاد يسوع. فكيف عبّرت الكنيسة الأولى عن حدث ميلاد المسيح؟
اعتمدت الكنيسة الأولى اساليب قراءة وتأويل الكتاب المقدس الشائعة في الاوساط اليهودية. وتستند هذه القراءة في شكل اساس الى التأمل بكلمة الله وتأوين الحدث البيبلي انطلاقاً من الوضع الحاضر.
فبالنسبة لميلاد يسوع، تأمل المسيحيون الاول به وربطوه بقصص ولادة وطفولة شخصيات معروفة في الكتاب المقدس (موسى، ابراهيم، صموئيل...). وفهموه تتميماً لها. واعتمد القديس متى مثلاً في انجيله (كتب حوالى 80 – 90م) العبارات والمواضيع الروائية المعروفة في عصره، واراد بذلك ان يبين ان يسوع "أتمّ" وأكمل كل ما "جاء في الكتب المقدسة".

الشجرة ونسب يسوع المسيح

منذ القدم وحتى أيامنا هذه يعود الفرد الى شجرة العائلة، اي نسبه ليعرّف عن نفسه. وشجرة الميلاد في معناها الأعمق تذكّرنا بالحياة (سفر التكوين يحدثنا عن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر في وسط الجنة) وبشجرة النسب. ونسب يسوع في إنجيل متى له دلالات كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الدلالة الى ان يسوع هو آدم الجديد، وأن الله حضّر التاريخ لمجيء المخلص عبر مراحل عدة (الآباء والملوك وما بعد السبي) وأن قصة الشعب اليهودي تجد معناها وتتويجها في يسوع المسيح الذي يحمل على عاتقه إنهاء سبي شعبه.
وترمي الأسماء المذكورة في النسب كلها الى القول ان يسوع ابن الله، وُلد من سلالة بشرية وهو الإله. وقد وُجدت بين جداته مثلاً نسوة أربع من اصل غريب عن شعب الله وخاطئات برّرهن الله ايضاً. وهي تامار وراحاب وراعوث وبتشباع. كل هؤلاء النساء ولدن بطريقة غير شرعية ولّدا سليلاً لداود، ويؤكد التقليد اليهودي ان الله تدخل في كل مرة لدى هذه النساء ليغير مجرى الأمور. لذلك فذكرهن في المسار المسيحاني، يدل على فعل مجاني من الله الذي يرفع العقبة المستحيلة في الظاهر... ويفتح المجال للشعوب والامم كلها لتتلقى بشرى الانجيل. وهن (إي النسوة) تحضرن لمريم المرأة الخامسة في النسب، التي ستلد هي ايضاً بفعل غريب اي من الروح القدس.
والسؤال الذي يمكن ان يطرحه الانجيل على المؤمن اليوم هو: هل تقبل بأن تنضم الى هذه الشجرة فتكون بفعل مجاني من الله ابناً مبرراً تلده الكنيسة من احشائها باستمرار ويحمل بشرى الخلاص للعالم؟

ميلاد يسوع

ولد يسوع في بيت لحم في اليهودية. وبيت لحم تعني في العبرية "بيت الخبز". واستشهاد متى بالنبي ميخا لتحديد مكان ميلاد يسوع يجعلنا نفهم، مع الجماعة المسيحية الاولى، كيف ان يسوع هو المسيح المخلّص والراعي الذي يقود شعب اسرائيل.
ويروي متى قصة الحلم ليوسف ليحثّه على تبني الطفل المولود من مريم. وهي تجد اساسها في روايات البشارة بموسى مخلّص شعب اسرائيل من عبودية فرعون. هكذا يقول متى ان يسوع واسمه يعني "الله يخلّص" هو موسى الجديد، الذي يخلّص شعبه من خطاياهم.

الرعاة

يمثل الرعاة الشعب الفقير المهمش. ظهر لهم ملاك الرب، اي الرب نفسه، واضاء مجده عليهم. واشرق نوره، ليس على طريقة زينة الميلاد بل على طريقة الله الذي يأتي الى الانسان ليكون "عمانوئيل" اي "الله معنا". لم يعد مجد الله كما في العهد القديم في البروق والرعود والنار، بل في الطفل الوضيع الذي صار بشراً. بشّرهم الملاك بفرح عظيم يكون لهم وللشعب كله بولادة المخلص المسيح الربّ، وترافقت هذه البشارة بتهليل الملائكة. هذه الاجواء من الفرح والنور والترانيم تقول لنا ان مجيء الله بين البشر هو بشرى خلاص يفرح به الجميع وأولّهم الوضعاء. والكل مدعو اذ رأى وآمن ان يبشّر ويسبح الله فرحاً ويضع من نوره على كل من يلتقيه!

المجوس والكوكب

ويحدثنا الانجيلي متى عن مجوس أتوا من المشرق الى أورشليم يقودهم نجم ليروا اين ملك اليهود الذي وُلد فيسجدوا له.
كانت المعتقدات الفلكية سائدة في القديم. لكن متى يتحدث عن كوكب يعرفه قراؤه فهو يشير الى المسيح – الملك الذي يخلّص شعبه، على ما جاء في سفر العدد من الكتاب المقدس: "كوكب يخرج من يعقوب وعصا (او رجل كما كان يترجم اليهود) من اسرائيل". هذا الكوكب الذي يقود المجوس هو علامة حضور الله وعنايته.
اختلف المفسرون حول هوية المجوس. فالمؤرخ هيرودوت يرجع اصلهم الى الفرس، وينضم التقليد اللاتيني الى اوريجانوس والقديس لاون الكبير (القرن الخامس) ليتحدث عن ثلاثة ملوك، والتقليد السرياني والارمني يعد اثني عشر مجوساً. لا فرق. ما يهم هو ان علم الفلك وروّاده الوثنيون يسجدون للطفل الرب سيد الخليقة كلها.
وقدم المجوس ليسوع ذهباً وبخوراً ومراً. وتعددت التفسيرات في معنى هذه التقادم. فمنهم من رأى ان الذهب يرمز الى ملوكية يسوع، والبخور الى ألوهيته والمر الى بشريته وموته او الى حب المسيح لشعبه. ومع تأمّل سرّ الميلاد، رأى آخرون ان تقادم المجوس هو علامة تقدمة الذات للطفل الالهي. فالذهب يشير الى حبّ الانسان له والبخور الى حنينه اليه، والمرّ الى آلام البشر. مهما يكنّ، فالمجال مفتوح دائماً لاستنباط معان جديدة، وهذا ما يضمنه التقليد الحي للكنيسة. واذا كانت عادة تقديم الهدايا تجد مصدراً لها في تقادم المجوس ليسوع، فحبذا لو يعود كل مؤمن ليقدّم ذاته ليسوع، من دون ان يهمل هداياه لاخوته البشر.
"الله صار بشراً وحل بيننا"، هو الكلمة. وكلمته اليوم في الكتاب المقدس يمكن ان تكون نوراً لكل مؤمن فيدخل في سر الله المتجسد ويحتفل به احتفالاً أعمق كل سنة. واذ يتلقى عطية الله في ولادة المخلص طفل المغارة، يقبل ان يضيء بنوره عليه ويأتي اليه ساجداً، مقدّماً ذاته والعالم، منشداً مع الملائكة: "المجد لله في العلى" راجياً "على الارض السلام للناس اهل رضاه".

 

الأخت تيدولا عبدو 

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...