«دمشق2» مسرحية دنماركية عن الشفقة وأخلاقها

06-12-2009

«دمشق2» مسرحية دنماركية عن الشفقة وأخلاقها

عندما قدمت مصممة الرقص الدنمركية «نونة ماي سفالهولم» عرضها الراقص المعنون «دمشق» ربيع العام الماضي؛ تزامن ذلك مع عرض الاسكتلندي «ديفيد غريك».

الذي قدم قبل أسبوع من العام ذاته مسرحية تحمل اسم دمشق عنواناً لعرضه أيضاً، ومن شاهد عرضي «نونة وغريك» آنذاك يتذكر ردة فعل الصحافة والجمهور السوريين على الطرح الذي قُدِم في كلا العرضين، والاحتجاج الذي استقبل به الجمهور عروضاً نصّبت نفسها كسفيرٍ ثقافي لعكس صورة مبتسرة وسطحية عن دمشق وسكانها، مرةً في قصة كتبها «غريك» بإلهام من ورش الكتابة المسرحية لشباب سوريين أشرف عليهم بنفسه، وأخرى بمساعدة راقصين من فرقة إنانا السورية للمسرح الراقص، وفي الاثنين لم يبخل كل من المركز الثقافي البريطاني والمعهد الدنماركي بدمشق بالدعم الكامل؛ تم ذلك طبعاً تحت عنوان عريض كانت المثاقفة أبرز مفرداته. 
 اليوم تعود الكريوغراف «سفالهولم» لتقدم رائعتها «دمشق2» على مسرح الاستعمالات المتعددة، وبوساطة راقصين سوريين «سليمان التل، معتصم عمايري، محمد الحايك»، إذ عدّلت «نونة» من شكل العرض الأول، وتجنبت شرح المفردات الذي اعتمدته سابقاً كافتتاحية كلامية غير متناغمة مع لغة الجسد التي تقدمها؛ مبقيةً على خشبة عارية امتدت عليها قصتها الراقصة عن ثلاثة شبان يتلاقون عند زاوية أحد شوارع دمشق بأحلامهم غير المتشابهة، والغريب في الأمر أن مصممة «دمشق2» تصرّ على عنوانها السابق، فهذا العنوان كما يبدو أصبح لوغو تسويقياً معتمداً لدى الكثير من المسرحيين الأجانب، كيف لا وهو اسم لأقدم عاصمة في العالم؟، دمشق الواقعة على طريق الحرير، الشرق المليء بالجواري الجميلات المحمّلات على هودج الجِمال مع العطور والتوابل؛ عنوان يفيض بالدامسكو والبروكار وحكايات ألف ليلة وليلة. ‏

إن إصرار «نونة» على «دمشق» كعنوان؛ وللمرة الثانية على التوالي ليس استشراقياً محضاً، بل هو من جنس النظرة الاستعلائية التي تطمح من خلالها مؤسسات ثقافية أجنبية إلى تمويل مشاريع مسرحية لها أجندات وبرامج خاصة، قد تكون التنمية أحد أولوياتها، طبعاً ليس المطلوب هنا أن نطلب شيئاً مقابل أعطيات ثقافية تبشرنا بمدننا وقد اكتسحتها الحداثة، إنما المطلوب أن نصدق ما تقوله «نونة» عن مدينةِ تعرفها أكثر من ساكنيها، لاسيما أنها في عرضيها دمشق (واحد واثنين) تتكلم عن شريحة الشباب السوري الذي يطمح للعمل وإثبات الذات ونيل الفرص، فمدينة مثل «كوبنهاغن» أو ستوكهولم لا يوجد فيها شبان عاطلون عن العمل ويبحثون عن الفرصة، الشباب المتعبون الباحثون عن فرصهم ومستقبلهم هم فقط في دمشق..!، ثم إن عرض «سفالهولم» لا يعترف بوجود المرأة، لأن دمشق في نظر «نونة» لا تسكنها النساء؛ إنها مدينة لذكور خشنين وتعيسي الحظ، مدينة يحتك فيها الرجال بظهور بعضهم البعض، حيث لا وجود للحب أو الرحمة، إنها مدينة متشنجة وقاسية لا تترك فسحةً إلا للمعاركة الرجولية على كراسي المجد والنجاح الوظيفي، مكان تختبئ فيه النساء ولا تظهر إطلاقاً إلا في مخادع رجالهن. ‏

هذا على الأقل ما يمكن استشفافه من عرضٍ راقص بإمكانه أن يغير أقواله عبر الحركة التي لا يمكن أخذها كدليل مادي، فالجسد الراقص هنا يرتطم بطريقة فيزيائية شعرية تختلط فيه المعاني التي ينتجها عبر الحركة، ولا يمكن أن نثبت شيئاً على «نونة» إلا أنها تجرب أن تروي «قصتنا» رقصاً من خلال أجسام ذكورية مثالية تتناحر على مساحة الخشبة، تتخبط وتتلاطم ببعضها البعض حتى ينال منها اللهاث مناله، مرةً على إيقاعات وضجيج سيارات المدينة، وأخرى على موسيقا «هنريك إيسن مونش» الذي جعل من آلتي العود والقانون في موسيقاه ما يشبه فضاءً إضافياً للرؤية التي عملت عليها «سفالهولم»، وذلك لعكس روح الشرق، وكأن هذا الشرق مادة متروكة على غاربها للحنين إليه كقطعة سياحية من عالمٍ تعبره القوافل القديمة، إلى عالمٍ تحطُ فيه طائرات أوروبا المعاصرة. ‏

ما أنا متأكد منه أن مسرحيةً تحمل اسم العاصمة السورية عنواناً لها للمرة الثانية، وتتطلع لفرصة تقديمه في أكثر من مدينة أوروبية، لا تريد تقديم الرقص كمادة للحوار مع الآخر، وإنما تسعى أن تقدم فكرتها الخاطئة عن هذا الآخر بوساطة الجسد، فكرتها العابقة بأخلاق الشفقة التي كان الغرب ومازال مصراً عليها لترجمة أفكاره الإنسانية عن بلدان العالم الثالث المكتظ بمشكلاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية..، إلا أن ذلك ليس من حق الدنماركيين أو غيرهم في تسويق فكرة سياحية غاية في السذاجة عن مدينة معقدة إثنياً واجتماعياً وعرقياً كمدينة دمشق. ‏

لاشك أن «نونة» وغيرها ممن يزورون دمشق لديهم أفكار مسبقة من الصعب تغييرها، وهم لم يروا بنى العمل المعقدة التي تزخر بها المدينة؛ حركة الناس صباحاً ومساءً في شوارعها، إنهم سياح ثقافيون يعتقدون أنهم يقومون بأدوار تنموية من خلال الفن، لذلك لا يألون جهداً في إعادة تصنيع أفكارهم على هيئة مشاريع ثقافية يشكل المسرح اليوم جزءاً كبيراً منها، مرةً بإنجازات خاصة، وأخرى بأيدِ وأقدامِ سورية، خاصةً في غياب المشروع المسرحي الوطني الذي كان يشكله المسرح القومي، وانحسار دور مديرية المسارح والموسيقا في تمويل عروض الشباب ورعايتها، لاسيما أن المديرية لم تعلن حتى الآن عن مشروع مسرحيٍ واحد على الأقل من موسمها الذي تأخر ولم يأتِ أبداً... ‏

سامر محمد إسماعيل

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...