الترجمة في العالم العربي: معوّقات وآفاق مستقبلية

24-12-2010

الترجمة في العالم العربي: معوّقات وآفاق مستقبلية

جرت العادة لدى الكلام على دور الترجمة في عصر العولمة أن نقول كلاماً كثيراً حول أزمة الترجمة في العالم العربي والمعوّقات التي تعترض النهوض بها، وأن نستحضر في المناسبة أرقاماً عن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي بمجمل بلدانه لنقارنها بنتاج دولة أوروبية واحدة فنجد أن الفرق شاسع بين ما يترجمه العرب مجتمعين وما تقوم به دولة أوروبية واحدة، فنستذكر عصر المأمون حيث عرفت الترجمة ازدهاراً كبيراً وتحوّل العالم العربي إلى مركز للإشعاع المعرفي، ونخلص الى أننا نعيش واقعاً مؤلماً يتّسم بالتخلّف والفوضى والعشوائية، لا يتوانى البعض عن وصفه بالكوارثي.
إن هذا الكلام الذي يوصّف حالة واقعية ويضع الإصبع على الجرح هو كلام صحيح في بعض جوانبه (بالرغم من التشكيك في صحة الأرقام لغياب الإحصاءات الدقيقة)، ولا مجال لإنكار المشاكل التي يعانيها قطاع الترجمة في العالم العربي. إلا أن المحاولات الجادّة التي تقوم بها مؤسسات عربية هو أمر يجب عدم الاستهانة به والتقليل من أهميته، علماً بأن هذه المجهودات لم ترقَ بعد الى مستوى المشروع الحضاري المتكامل الذي يستوجب استراتيجية كاملة وتخطيطاً بعيد المدى يتيح المجال للبناء عليه.
أولا ًـ في المعوّقات
ـ في البداية لا بد من القول إن الترجمة عمل إبداعي. إنها فن وليست عملاً مكمّلاً. إنها نتاج اختصاصيين وليس هواة. وهذا ما يجعلنا حين ندقّق بالكثير من الترجمات أن نتبيّن الركاكة التي تشكو منها والتي تصل أحياناً حدّ خيانة الأصل، ويدفعنا الى طرح موضوع رئيسي هو مؤهلات المترجم. لم يعد مبالغاً القول إن عدداً لا يستهان به ممن يعملون في مجال الترجمة لا يمتلكون المهارات والخبرة الضروريتين للترجمة، ولا يلمّون كثيراً بالمجال الذي يترجمون فيه. وهنا يتحمّل بعض الناشرين مسؤولية كبرى لأنهم في سعيهم لتحقيق سبق أو ربح سريع يلجأون الى مترجمين بأبخس الأثمان ويُصدرون أعمالاً مترجمة بلا مراجعة أو تدقيق تفتقر الى معايير التقييم، سواء من ناحية السلامة اللغوية أو الأمانة العلمية، فيسيئون في آن الى المؤلف والى القارئ.
ـ قضية المصطلحات: إنها مشكلة حقيقية يعانيها واضعو المعاجم والمترجمون. فهناك كمّ متراكم ومتزايد يومياً في مختلف ميادين المعرفة من المصطلحات الأجنبية التي تنتظر التأصيل. ومن ناحية ثانية هناك تعدّد الجهات العربية المعنية بالوضع المصطلحي، والتي تفتقر الى منهجية موحّدة للتعامل مع المصطلح الوافد، فيجد الباحث نفسه أحياناً أمام تعدّد المرجعية اللغوية للمصطلح ما بين معرّب أو موروث أو مشتق أو منحوت الخ. بالإضافة الى انعدام صفة الإلزام لدى الهيئات المتخصّصة بالوضع المصطلحي. في هذا المجال أيضاً، لا نجد أية دراسة جدية تقارن بين قواعد التوليد المعتمدة. نجم عن هذا الواقع أحياناً وضع إشكالي، إذ نجد في بعض الحالات عدم فهم دقيق للمفهوم الذي يرمز اليه المصطلح الأجنبي، مما يُنتج مقابلات ليست بذات قيمة، أو اشتقاقات تستغلق على الفهم، أو ترجمة مصطلح يحتمل دلالات عديدة بمصطلح عربي واحد، أو اللجوء الى أسهل الطرق عن طريق استنساخ الكلمة الأجنبية، مما يُفضي الى تراكم الدخيل.
ـ فوضى سوق النشر: إن سوق النشر متفلّت من عقاله، فلا مراقبة ولا ضوابط. والأمثلة على الكتب المترجمة أكثر من مرة لا تحصى. قد يعود السبب لعدم وجود قاعدة بيانات تضم كل ما تُرجم ومتى وأين، يستدل بها الناشرون والمترجمون؛ وقد يعود أيضاً للاستسهال وعدم وجود مساءلة، فتُعاد طباعة بعض الكتب المترجمة مع تعديلات طفيفة، بغية الربح السريع.
ـ ضعف عمليات التمويل وتداخل السياسي بالثقافي، بحيث إن هناك موضوعات لا يتوجب مقاربتها ولا يُسمح بترجمتها، خاصة في ما يتعلّق بالأنظمة السياسية القائمة أو المرأة أو الدين، هذا بالإضافة الى أن بعض الهيئات ترى أن اللغات الإنكليزية والفرنسية هي لغات التقدم ويجدر تحسين تدريس اللغات الأجنبية بدل بذل جهود مضنية في الترجمة قد لا تؤتي ثمارها.
ثانيا ًـ جوانب مضيئة
في مواجهة هذا الواقع الصعب لا بد من الإشارة الى جوانب مضيئة:
ـ وجود مؤسسات جادة تُعنى بالترجمة: المركز القومي للترجمة (مصر)، المنظمة العربية للترجمة (لبنان)، المعهد العربي العالي للترجمة (الجزائر)، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث «كلمة» (أبو ظبي)، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم «ترجم» (دبي)، المركز الوطني للترجمة وبيت الحكمة (تونس)؛ هذا بالإضافة الى الجهود الترجمية التي تمت بإشراف وزارات الثقافة في الكويت (عالم المعرفة/ من المسرح العالمي) وسوريا والعراق وغيرها من البلدان، والإصدارات التي تولّتها دور النشر، ولا سيما في مصر ولبنان.
ـ تنامي مدارس الترجمة في الوطن العربي، وتكاد لا تخلو أية جامعة من كلية أو معهد أو قسم للترجمة، هذا بالإضافة الى برامج للتدريب على الترجمة في أجزاء مختلفة من العالم العربي، مما أنتج زيادة ملحوظة في عدد المؤهّلين العاملين في مهنة الترجمة.
ـ انعقاد مؤتمرات عديدة حول واقع الترجمة وسبل النهوض بها ضمّت عدداً كبيراً من الاختصاصيين، وقد أصدرت الكثير من التوصيات ووضعت الكثير من الخطط. في بعض هذه المؤتمرات كانت هناك محاولات ودعوات لرسم استراتيجية قومية للترجمة (أهم هذه المحاولات جرت في تونس عام 1979 برعاية المنظمة العربية للتعليم والثقافة والعلوم). إلا أن عوامل مختلفة عطلت هذه المشاريع أو جعلتها تبقى أسيرة المؤتمرات والندوات المغلقة ولم تؤسس فعلاً ثقافيًا قوميًا تراكميًا يمكن البناء عليه وتطويره.
ـ صدور عدد كبير من المعاجم الثنائية العامة أو المتخصصة والتي سعت لإدخال أكبر عدد ممكن من المصطلحات العلمية، مع بعض الشروح والتفسير، علماً بأن ترجمة المصطلح أمر بغاية الصعوبة، ولا تكمن المشكلة فقط في ابتكار المصطلح أو توليده أو ترجمته أو نسخه وإنما كذلك في تعدده واختلافه من معجم لآخر. وينتظرنا في هذا المجال عمل كثير يتوجّب أن يكون حصراً عملاً مؤسساتياً.
ـ قيام مؤسسات بمنح جوائز تشجيعية، وهذا الأمر يُسهم بالنهوض بمستوى الترجمة ويسلّط الضوء على أشخاص قاموا بجهود بارزة من خلال إنجازهم أعمالاً مميّزة في مجال الترجمة.
ثالثا ًـ آفاق مستقبلية
لا بد من وضع قضية الترجمة في إطارها الثقافي الحقيقي باعتبارها أداة وعنصرًا من العناصر الهامة لتجديد الفكر العربي وإثرائه.
ـ البدء بتوصيف دقيق للواقع: وضع قاعدة بيانات دقيقة لكل ما تُرجم من العربية واليها. وكذلك وضع قائمة شاملة للمترجمين العرب.
ـ الترجمة ليست مسألة أو قضية قائمة بذاتها، ولا يمكن فصلها عن أزمة الثقافة العربية ككل. كما أنها لا تقتصر على جهود فردية يقوم بها أفراد أو مؤسسات، بالرغم من التقدير الكبير لما تمّ إنجازه. الترجمة هي خطة مجتمع ودولة وخطة قومية وثقافية، كما أنها حاجة ثقافية وحضارية. من هنا تحتاج البلدان العربية لعملية ترجمة مؤسسية وممنهجة ترتبط باستراتيجية ثقافية قومية. فهناك فجوة كبيرة بين ما تنتجه ثقافتنا العربية وثقافة الغرب، وهذا يتطلّب ترجمة آلاف الكتب في مجالات المعرفة المختلفة (توازن بين الآداب والعلوم) حتى يتسنّى لنا مواكبة العصر وإشكالياته. قد تكمن البداية في إيجاد نمط من التنسيق بين مراكز الترجمة في الوطن العربي لوقف فوضى الترجمة. يلي ذلك وضع استراتيجية عقلانية للترجمة يجري من خلالها تحديد الأهداف القومية والمعرفية الضرورية لعملية الترجمة وما يجب أن يشكل غاية نهضوية للترجمة. أعرف تماماً أن طموحا كهذا قد يبدو طوباوياً في ظل الوضع العربي الراهن. لكنها فكرة يجب أن ترسخ في الأذهان، ولا سبيل لقيام نهضة فعلية بدون هذا المسلك.
ـ الترجمة أداة حوار وتلاقٍ بين الثقافات. وهذا الأمر يطرح مسألة أساسية، وهي الترجمة المتكافئة: كم هو عدد الكتب التي تترجم من العربية الى اللغات الأخرى. في الواقع إن وجود الأدب العربي لا يزال ضئيلاً في الأسواق الغربية، ولم يصل الى الشهرة العالمية إلا عدد قليل من الكتّاب، قد يكون أولهم الكاتب المصري نجيب محفوظ وذلك إثر حصوله على جائزة نوبل عام 1988. أما الأدباء الآخرون المعروفون فهم يكتبون أساساً بالأجنبية، مثل الطاهر بن جلون وأمين معلوف وآسيا جبار. إن الجهود التي تُبذل في هذا الإطار قليلة جداً. وكلنا يذكر الثغرة المهمة في معرض فرانكفورت عام 2004 الذي شارك فيه العالم العربي كضيف شرف، والتي تمثّلت في ضآلة عدد الكتب العربية المترجمة الى الألمانية أو الإنكليزية أو الفرنسية، وقد تمكّن القائمون على المشاركة العربية بشق النفس من تأمين ترجمة 50 كتاباً جديداً لعرضها في المعرض. أعرف أن بعض المشاريع حاولت أن تسدّ هذه الثغرة، لكنها للأسف لم تحقق تقدماً كبيراً. يحضرني الآن «مشروع الترجمة السعودي العالمي» («متسع» 2006) الذي سعى لتسليط الضوء على إبداعات الروائيين والكتاب السعوديين والتعريف بالمشهد الثقافي السعودي من خلال ترجمة أكبر عدد ممكن من المؤلفات إلى اللغات الحية العالمية، أو المشروع الذي أُطلق في الإمارات بين اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهدفَ لترجمة أعمال مختارة لأدباء من الإمارات إلى أربع لغات: الإنكليزية، والفرنسية، والأسبانية، والصينية. إلا أن هذه المحاولات القطرية تبقى محدودة الأثر.
في هذا الإطار لا بد من التنويه بما يقوم به فاروق مردم بك ناشر سلسلة «سندباد» في دار «أكت سود» والذي تُعتبر جهوده نقطة مضيئة في ظل قصور عام. أما المحاولات الجادة الأخرى، فهي غالباً ما تأتي من مؤسسات أجنبية، مثل «ليتبروم» (Litprom) للترجمة الى الألمانية، وهي مدعومة من وزارة الخارجية الألمانية ومؤسسة «برو هيلفيثيا» السويسرية، والتي قامت بدءاً من عام 1984 والى الآن بترجمة أعمال تعود لعدد من الكتاب العرب من بينهم نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وأدونيس، والياس الخوري، وابراهيم الكوني، ومحمود درويش، وحنا مينة، وسحر خليفة، وحنان الشيخ، وأنسي الحاج، وغيرهم الكثير. وينطبق الأمر على مشروع «ذاكرة المتوسط» المدعوم من المؤسسة الثقافية الأوروبية في أمستردام والذي توقف للأسف بسبب نقص التمويل. في مقابلة أُجريت مع المستعربة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو Isabella Camera D’Afflitto عام 2005 تقول بأسى: «أعتقد أن العرب سيظلون دائماً ملوك الفرص الضائعة حيث إنهم لم يخسروا فرصة ذهبية أخرى لدعم الترجمة في معرض فرانكفورت فقط، بل في العديد من المرات الأخرى أيضاً. ومنها أحد المشروعات التي اشتركت فيها مع عدد من زملائي الأوروبيين بعنوان «ذاكرة المتوسط» التي كانت تدعمه المؤسسة الأوروبية الثقافية في أمستردام. وكانت «ذاكرة المتوسط» مشروعاً متميزاً يهدف إلى دعم الأدب العربي في أوروبا. فقد ترجمنا ونشرنا كتباً مترجمة إلى الإيطالية والأسبانية والفرنسية والألمانية والبولندية وكانت مدة المشروع 6 سنوات. وقد دعمت المؤسسة في أمستردام حوالى 60 في المئة من التكاليف والباقي غطته دور النشر الصغيرة في أوروبا. وعندما ذهبنا إلى مسؤولين في دول عربية مختلفة لنبحث عن مساندين لمواصلة هذا المشروع الجيد بعد انتهاء دعم المؤسسة في أمستردام، لم نجد سوى الكلام الجميل والوعود الواهية ولم يبادروا بأي أفعال».
وهنا لا بد من أن نذكر أن بعض دور النشر الفرنسية أو الألمانية أو الإنكليزية تبدي في الآونة الأخيرة اهتماماً ملحوظاً بترجمة الرواية العربية. ولكنها في معظمها تلبّي حاجة السوق وتفتّش عن إكزوتية جديدة، خاصة في موضوع المرأة والعنف والشهوانية. وللأسف فهم بعض كتّاب الرواية الجدد لعبة الترجمة، فراحوا يكتبون في رواياتهم عما يتلاءم مع الذوق الغربي لكي يضمنوا ترجمتها.
إن لدينا في هذا المجال عملاً ضخماً. فلا بد أولاً من هيئة تتولّى اختيار الكتب الهامة التي تعطي صورة واضحة عن الفكر والمجتمع العربي، ومن ثم السعي للتعريف بها وإبراز أهميتها لدى دور نشر أجنبية واسعة الانتشار، يترافق ذلك مع تأمين الدعم لترجمتها. بذلك تكون الترجمة في الاتجاهين عاملاً للحوار مع الآخر وللتفاعل بين الثقافات، وسبيلاً لإزالة سوء الفهم والقوالب الجامدة.
خلاصة
بالرغم من ضبابية الصورة، أعتقد أن الأمور ليست على درجة من السوء الذي يتصوره البعض، ذاك أن الخبرات التي تكتسبها المؤسسات التي تُعنى بالترجمة حالياً والتجارب التي تقوم بها والصعوبات التي تواجهها وتسعى لتذليلها لا بد وأن تقودها في النهاية الى تنسيق الجهود في ما بينها وبلورة مشروع متكامل بالرغم من المعوقات السياسية والاقتصادية والفكرية التي لا مجال للخوض فيها الآن. في الماضي لعبت الترجمة دوراً بارزاً في تألّق الثقافة العربية. واليوم في ظل العولمة تواجه هذه الثقافة بالذات تحدّيات متعدّدة خارجية وداخلية، والانكفاء أو الانعزال يعني الموت الأكيد. لا بد إذاً من أن تُسهم الترجمة، التي هي نافذة مهمة على العلم ووسيلة أساسية لنقل المعارف وأداة للتواصل، في تشكيل الفكر العربي الحديث، إذا ما حصلت في إطار عملية نهضة علمية - معرفية كبرى، نصبو اليها بكل جوارحنا.
ورقة قُدّمت في مؤتمر «الترجمة كأداة حوار بين الثقافات» الذي عُقد في الرباط بتاريخ 9/11/2010 من تنظيم المنظمة الدولية للفرنكفونية والألكسو بمناسبة تسليم جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة لدورة 2010.

جان جبور

المصدر: السفير

التعليقات

أيام المأمون كانت بغداد مركز الثروة. والثروة تجذب المفكرين الذين لا تنبت ملابس أطفالهم على الأشجار. أما الآن فنحن مستهلكون ليس إلا. وبالنسبة للجائع لا فارق بين الهمبرغر والشاكرية.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...