بوادرتمرد على الإتحاد الأوروبي: هل ينفجر الغضب كانتفاضة العام 1968؟

20-07-2015

بوادرتمرد على الإتحاد الأوروبي: هل ينفجر الغضب كانتفاضة العام 1968؟

لو نقل هذه الخلاصة أحد آخر، على سبيل التحليل، لكان الحكم مباشرة إنها مجرد هلوسات. يمكن أخذ نفس عميق، بهدوء، والاستماع إلى وقعها: نحن أمام «مقدمات ثورة» في أوروبا. لكن من يتحدث عن ذلك هو أحد كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي. الكلام طبعا ليس على سبيل الاحتفال، بل التحذير من القادم إذا لم يجر التحرك لاحتواء الغاضبين في دول الجنوب الأوروبي.
اليونان دخلت حسابات المعادين لـ«الثورة» المفترضة، وعيونهم لا تحيد عن احتمال دخول إسبانيا أيضا. إيطاليا تتأرجح، أما البرتغال فأمام معضلة البقاء في دور التلميذ المطيع وحل مشاكل اقتصادية مستحكمة.
أبلغ صورة عن قلق النخبة السياسية التقليدية من إمكانية انفجار الاحتقان، ينقلها رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك. يقف الآن على رأس مؤسسة تمثل مصالح حكومات الاتحاد الأوروبي، وكان لسنوات رئيسا لوزراء بولندا. ينتمي سياسيا لحزب من عائلة «المسيحيين الديموقراطيين» التي تتزعمها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.من تظاهرة ضد سياسة التقشف في أثينا (أ ف ب)

قال محذرا من تبعات التململ الشعبي في جنوب أوروبا: «يمكنني أن أشعر بوجود، ربما ليس المزاج الثوري، لكن بشيء يشبه نفاد صبر على نطاق واسع»، قبل أن يضيف: «حينما يصير نفاد الصبر ليس مسألة فردية، لكن تجربة لمشاعر اجتماعية، فهذه مقدمات الثورة».

المحركات لهذا المدّ المتمرد، على النظام التقليدي في أوروبا، باتت معروفة ومتشابهة. ضربت الأزمة المالية دول مجموعة اليورو، فاحتاجت بعضها لخطط إنقاذ مالية إسعافية كي تتجنب الإفلاس. عالجت حكومات تلك الدول الأزمة بدواء التقشف، مطبقة في الأساس وصفة الطبيبة ألمانيا، لكونها المساهم الأكبر في أموال الإنقاذ.

لم ينجح العلاج في التخلص من المرض الاقتصادي، بل أدى إلى ظهور مضاعفات لا تقل خطورة. دولة الرفاه، التي تغنى بها الاتحاد الأوروبي، تلقت ضربة قاضية في الدول المأزومة. التقشف أدى لطرد آلاف العمال، وإلغاء مساعدات اجتماعية، وباتت الدولة غير قادرة على الإنفاق على مشاريع تخرج الاقتصاد من كساده. انتشرت البطالة بشكل غير مسبوق، مسجلة في اليونان وإسبانيا معدلات قياسية. أكثر من ربع القادرين على العمل لا يمكنهم، وأكثر من نصف الشباب يقبعون في البطالة.

برنامج العلاج في اليونان كان الأكثر فشلا. يأس الناس هناك جعلهم يصوتون لحزب «سيريزا» من اليسار المتشدد. قاد الحكومة الزعيم الشاب أليكسيس تسيبراس، معلنا رفضهم منطق التقشف الذي يجعل الأضعف يواصل دفع فاتورة أخطاء المصارف. خاضوا معركتهم السياسية ضد الدائنين لنصف سنة، لكنهم اضطروا للاستسلام تحت تهديد سلاح إخراج دولتهم من اليورو.

الاستسلام للتقشف لم يحل المشاكل سابقا، ولا يتوقع اقتصادي واحد أن ذلك سينجح الآن. الغضب سيتصاعد، مع ازدياد حجم الألم الاقتصادي لشعوب الجنوب الأوروبي. كل هذا يجعل رئيس المجلس الأوروبي يستدعي من الذاكرة ما يذكّره بهكذا وضع: «بالنسبة لي، الجو يشبه قليلا ما بعد 1968».

يقصد توسك ما بعد انتفاضة باريس التي هزت أوروبا. يتذكرها كثير من الأوروبيين الآن باعتبارها ثورة تحرر، جنسية واجتماعية، على القيم المحافظة وتقاليدها. لكنها لم تكن فقط كذلك. صحيح إنها بدأت مع طلاب الجامعات، لكن ما أعطاها قوة التأثير هو التحام العمال بها للمطالبة بحقوقهم. احتل المنتفضون الجامعات والمصانع، واستمرت الإضرابات الكبيرة نحو أسبوعين متتاليين. في تلك الأيام، واجهت حكومة باريس معضلة حقيقية، بعدما شارك في الإضرابات نحو 11 مليون شخص، أي تقريبا ربع سكان فرنسا حينها.

تم إخماد الاضرابات، ولم ينجح قادة الحراك بإنتاج جبهة سياسية تحمل مصالحهم وتحصّل نفوذا في الانتخابات. صحيح إنها أحدثت موجة تحررية انتشرت في الغرب، لكنها لم تحقق تغييرا سياسيا يلبي ما طالب به ملايين العمال في تلك اللحظة الاستثنائية. يقر بذلك آلان غيمار، أحد قادتها، معتبرا أن حركتهم نجحت «كثورة اجتماعية، لكن ليس كثورة سياسية».

تلك الأجواء يرى المسؤولون الأوروبيون أنها حاضرة الآن. هناك برأيهم تشابه في المقدمات. لكن بعض الاقتصاديين اللامعين يزيدون عيار تلك المخاوف، حينما يقولون إن تلك المقدمات يجب أن تقود إلى حراك احتجاجي يعم دول التكتل الأوروبي. السبب برأيهم جوهري، بقدر ما هو بسيط: ما العمل إذا كانت الديموقراطية عاطلة عن العمل. المثال اليوناني هو الأبرز. فريق تسيبراس جاء للسطلة حاملا برنامجا بعنوان عريض واحد: إنهاء الحلقة المفرغة من التقشف. اصطدم مع الأوروبيين طوال أشهر، ثم قال إنه مضطر للاستسلام، والتوقيع على برنامج تقشف «مع أني غير مؤمن به»، كما قال.

الحل الاحتجاجي يؤيده روبرت إتش وود، بروفسور الاقتصاد السياسي في «مدرسة لندن للاقتصاد»، وهي من أهم المراكز الأكاديمية في العالم. خلاصة كلامه أن الدائنين، بقيادة برلين وبروكسل، لم يريدوا بأي شكل إعطاء انتصار لحكومة اليونان اليسارية، على أمل أن جعل الشعب أمام أفق «الكساد بلا نهاية» سيؤدي إلى «تآكل القاعدة» التي صوتت لحزب «سيريزا». مجمل تلك اللعبة يصفها بـ «استراتيجية الانقلاب خلسة، بدون جيش للقيام به»، معتبرا أن ذلك «كان يجب أن يثير الاحتجاج في مختلف أنحاء أوروبا».

على الجهة الأخرى، يجادل رئيس المجلس الأوروبي بأنه من غير الصحيح اعتبار برلين رابحة. برأيه هناك خسارة سياسية أكيدة، نظرا لتنامي مشاعر العداء لألمانيا التي لها ماض أسود في تدمير أوروبا.

كان توسك إلى جانب تسيبراس حينما انتقد الأخير نهج برلين المتشدد أمام البرلمان الأوروبي، مذكرا بأن أوروبا شطبت نصف ديون ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. حينما قال تسيبراس ذلك، انطلقت عاصفة من التهليل والتصفيق، وهو ما يستفز توسك الذي يعلق على ذلك بالقول: «كانت المرة الأولى التي أرى فيها متطرفين مع هكذا مشاعر، وفي هذا السياق كانت مشاعر معادية لألمانيا، كانوا تقريبا نصف البرلمان».

طبعا حزب «سيريزا» اليوناني ليس وحيدا. الاحتجاجات الشعبية نفسها التي جلبته إلى السلطة، ولّدت أيضا في إسبانيا حزب «بوديموس». الأخير يحمل أيضا نهجا معاديا للتقشف، وللسياسات التي تعممها بروكسل وبرلين. بات الحزب الإسباني الآن على موعد مع استحقاق حاسم، فالانتخابات العامة ستُجرى نهاية العام.

هناك الظروف ناضجة أيضا للتغيير في السلطة، وإنهاء حكم «حزب الشعب» المحافظ، الحليف لميركل أيضا. هذا الحزب يعيش على وقع فضائح الفساد، مع حكم بات ضعفه مثار تندّر يتناقله الصحافيون الإسبان مثل نكات. بعد إحدى الفضائح الطنانة، أعلن مكتب رئيس الوزراء ماريانو راخوي أنه سيعقد مؤتمرا صحافيا. انتظروا قدومه في الصالة، لكن المفاجأة كانت كاريكاتورية بما يفوق توقعاتهم. بدل أن يأتي رئيس الحكومة، كما قيل لهم، جاء أحد مساعديه بشاشة تلفزيون، وشغّلها على فيديو يلقي فيه راخوي بيانا مصورا.

أمام الأزمة الاقتصادية، وضعف المنافسين، يتقدم حزب «بوديموس». نقطة ضعفهم هي قلة خبرتهم السياسية، لكنهم أظهروا نضجا عبر التعاون مع بقية القوى التي تريد التغيير أيضا. هكذا حققوا نتائج جيدة أخيرا، حينما خاضوا الانتخابات المحلية ضمن تحالف لأحزاب ومجموعات يسارية. فاز التحالف برئاسة بلدية مدريد وبرشلونة، ومدن أخرى. رئيسة بلدية العاصمة الإسبانية الجديدة، القاضية السابقة مانويلا كارمينا (71 سنة)، أعطت مثالا إيجابيا عن أحزاب تريد أن تحكم لتغيّر، ولديها أرجل على الأرض وليس فقط شعارات محلّقة.

كارمينا هي ناشطة شيوعية سابقة، كانت في عداد مناهضي سياسات الديكتاتور فرانكو في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. حالما استلمت مهامها، قامت بإلغاء الامتيازات التي يحصل عليها رئيس بلدية العاصمة عادة، ومنها تخفيض راتبها. شعارها هو عمل كل المستطاع لتحسين حياة الناس، أينما أمكن. تقول حول ذلك «لدي نفور حقيقي من الكلمات الكبيرة والمشاريع الكبيرة، أريد القيام بأشياء صغيرة، أشياء ملموسة وأشياء فعالة».

في هذا السياق، خاضت مباشرة مفاوضات مع المصارف الكبرى، محاولة إيجاد حل لمشاكل القروض المتعثرة التي تؤدي لإخلاء المنازل من أصحابها. فتحت مكتبا جديدا في البداية لهذا الغرض. تذهب وتعود من عملها مستقلة المترو، مثلها مثل كل سكان مدريد العاديين.

هكذا أمثلة إيجابية يمكنها أن تمتص الخسائر التي ربما ستنجم عما حصل مع حكومة اليونان. نجاحات كهذه لليسار هي ما تخيف صناع القرار الأوروبي، وتجعلهم يتحدثون عن «مقدمات ثورة». قصة اليونان مع غضب أهلها لم تنتهِ. المرجح أن تجري انتخابات مبكرة في الأشهر القادمة، لتظهر حينها حصيلة الربح والخسارة السياسية لحزب «سيريزا».

إيطاليا تشهد مناخا يساريا متناميا أيضا، وإن مع نجاحات سياسية أقل. البرتغال لا تحب انتهاج التمرد على النظام الأوروبي، لكنها محكومة بمعضلات اقتصادية الآن. الخشية الأوروبية تمتد إلى إيرلندا أيضا، التي ستشهد انتخابات قريبة. هناك حزب «شين فين» القومي، مرشح بدوره لكسب الأصوات الغاضبة من مواطنيه. هذه كلها مقدمات، لشيء ما؛ لا يعجبه ما يحصل، أما الخواتيم فلا يمكن التنبؤ بها. هذا ما يجعل بروكسل تدعو لضرورة الحذر الشديد. زيادة تصلب برلين لن يجعل الأمور إلا أسوأ.

وسيم إبراهيم

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...