الأدب يحصد جلّ الجوائز العربية

27-06-2007

الأدب يحصد جلّ الجوائز العربية

ثمة جوائز ثقافية كثيرة تمنحها دول وجهات ومؤسسات كثيرة في الوطن العربي، وهناك أشخاص كثيرون راحلون وأحياء رصدوا وقفيات بأسمائهم لكي يضمنوا استمرار الجوائز التي تحمل أسماءهم وتمنح لمبدعين وعلماء أثناء حياة هؤلاء المحسنين وبعد موتهم. جوائز تقديرية وتشجيعية، ذات صدقية عالية أو أنها لا تملك شيئاً من الصدقية، قيمتها المادية كبيرة أو أنها لا تقيم الأود، ولكنها تكاثرت خلال السنوات الأخيرة كالفطر. يدل ذلك الى أن المجتمعات العربية أصبحت تدرك أن تقدم المجتمع، ورغبته في التخلص من هذا الخراب والتطرف الذي يعصف بالحياة العربية، بحاجة إلى نشر الوعي العميق والثقافة والفكر، لا التفكير المغلق الضيق الذي يحذف الآخر ويهمشه ويضعه في خانة العدو.

إن الجوائز، إذا أمكنها أن تغادر مربع البهرجة والتظاهر، يمكن أن تكون مقياساً حقيقياً للإستراتيجية التي ترسمها المجتمعات لنفسها، وتصبح دلالة على رغبة تلك المجتمعات في الخروج من دائرة التخلف إلى فضاء التقدم الواسع. وفي العديد من الجوائز التي صارت تمنح في عدد من البلدان العربية خلال العقود القليلة الماضية ثمة ما يبشر بأننا غادرنا حالة التظاهر إلى أفق الرغبة بتقدم مجتمعاتنا وتطورها ولحاقها بالعالم الأول الذي تقدم ولم نتقدم نحن.

جوائز ثقافية كبيرة وكثيرة تمنح على مدار السنة في الوطن العربي، من مشرقه إلى مغربه، ومن محيطه إلى خليجه؛ على رأسها جائزة الشيخ زايد التي منحت هذه السنة لأول مرة في حقول جديدة مختلفة عن الحقول التي تمنح فيها الجوائز العربية الأخرى الكبيرة؛ وجائزة سلطان العويس، التي أصبحت بمثابة نوبل عربية يطمح إلى الحصول عليها كبار العلماء والمثقفين والأدباء؛ وجائزة الملك فيصل العالمية التي تمنح لعلماء عرب وأجانب. يضاف إلى هذه الجوائز الكبيرة عدد من الجوائز التي اكتسبت صدقيتها في عدد من الدول العربية، ويصعب تعدادها في رقعة هذه المقالة القصيرة، لكنها تشير إلى بعض عافية في الحياة الثقافية العربية.

ما قصدته من التذكير بهذه الجوائز هو أن ألفت الانتباه إلى كثرة الجوائز التي تمنحها مؤسسات حكومية وأهلية للمبدعين، وأن أقول إن لدينا بالفعل محاولات لتكريم المبدعين والمثقفين والعلماء العرب، شباباً وشيوخاً. لكن المشكلة لا تكمن في كثرة الجوائز، بل في عدم انتظام بعض هذه الجوائز، في عدد من الدول العربية، وقيمتها المادية القليلة التي لا تعين المبدع لكي يتدبر حاجته ويلتفت إلى إبداعه بدلاً من أن يعاني شظف العيش ويظل مشغولاً بمطاردة تلك اللقمة المرة ليأمن شر الفقر هو وعياله. وهي تكمن أيضاً في ذهاب تلك الجوائز في أحيان معينة إلى غير مستحقيها، بسبب تساهل لجان التحكيم أو كونها غير مؤهلة للحكم على نتاج المتقدمين أو المرشحين للجوائز.

ليس المهم إذاً أن تكون هناك جوائز كثيرة، يتعطل منحها لفترات زمنية تطول أو تقصر، أو أن تكون قيمة هذه الجوائز أيضاً شحيحة للغاية لا تقيم أود من تمنح له، وتظل مقيمة في جانبها المعنوي لا تغادره. كما أن بعض تلك الجوائز يكرر بعضها بعضاً. فهي في العادة تذهب لفروع الأدب لا تتجاوزها إلا في مناسبات قليلة، حيث تتناسى دولنا ومؤسساتنا فنوناً ومعارف أساسية وضرورية لترقي المجتمعات، ومن بينها المسرح والتمثيل والفن التشكيلي، والعلوم الطبيعية والإنسانية المختلفة، وحقوق الإنسان والإنجاز الاقتصادي والتكنولوجي والزراعي والصناعي، والاختراعات التي تضع أسماء الدول والمجتمعات على خارطة الدول المتقدمة. ونحن من دون الالتفات إلى تلك الفنون والمعارف سنظل نراوح مكاننا في الاهتمام بالفنون القولية وإهمال الفنون السمعية والبصرية، وغمط المخترعين والعلماء والدارسين حقوقهم في التكريم والالتفات.

فخري صالح

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...