المستقبل الإقتصادي لدول الإحتجاجات العربية

22-10-2011

المستقبل الإقتصادي لدول الإحتجاجات العربية

Image
Watan

الجمل: تحدثت التقارير والتحليلات بشكل حصري عن الأبعاد السياسية لحركة الاحتجاجات الشرق أوسطية الجارية في العديد من البلدان العربية، وما كان غائباً هو الأبعاد  الاقتصادية.. وعلى خلفية الارتباط بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، يبرز السؤال الهام: ما هي التداعيات الاقتصادية التي حققتها حركات الاحتجاج السياسي العربية، وإلى أي مدى يمكن وضع وتقييم كشف حسابات الأرباح والخسائر المترتبة عليها؟

* المسرح الاقتصادي التونسي ـ المصري ـ الليبي: توصيف المعلومات الجارية
أكدت كل المعطيات الجارية على أن الاقتصاد العربي سوف يكون المتأثر الأول بفعل تداعيات حركات الاحتجاج السياسي التي اندلعت في معظم البلدان العربية، وفي هذا الخصوص نشير إلى التغيرات التي حدثت في اقتصاديات البلدان التي انقلبت فيها الأنظمة السياسية، وذلك على النحو الآتي:
•    تونس: توقفت بشكل كامل عمليات الإصلاح السياسي التي كانت جارية بهدف التحول باتجاه تطبيق اقتصاد السوق، وتقول المعلومات بأن صعود القوى السياسية الإسلامية والقوى السياسية اليسارية سوف يؤدي إلى القضاء على عمليات الخصخصة التي كانت جارية، بما يجعل من الاقتصاد التونسي ينطوي على خليط من أنشطة القطاع العام والقطاع الخاص، وبرغم ذلك، فإن المشكلة الرئيسية سوف تتمثل في أن الطموحات الشعبية التونسية لجهة الحصول على حلول فورية لأزمة البطالة والتضخم وارتفاع الأسعار، سوف لن تجد حلاً قريباً. طالما أن الأمر يتطلب إنفاذ خطة إصلاح اقتصادي يتطلب تطبيقها فترة تتراوح بين خمسة إلى عشرة سنوات، وبالتالي إذا كان التونسيون قد حصلوا على بديل سياسي لنظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، فإنهم اقتصادياً سوف يكتشفون أنهم قد حصلوا على «نفس الشيء».
•    مصر: ارتبطت معاناة المصريين السياسية بمعاناتهم الاقتصادية، وفي هذا الخصوص فقد ظلت أوضاع الاقتصاد المصري الكلية والجزئية تعاني المزيد من التشوهات والاختلالات بفعل التضخم وارتفاع الأسعار والبطالة وانخفاض القوة الشرائية، إضافة إلى العديد من الضغوط الهيكلية التي تضمنت: ارتفاع ميزانية دعم السلع الأساسية، بما وصل إلى 5.5 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى اختلال الأوضاع القانونية المتعلقة بالاستثمار ومنشآت الأعمال، الأمر الذي أدى إلى إطلاق يد رجال الأعمال وكبار المسؤولين الرسميين المرتبطين بهم في واحدة من أكبر عمليات الفساد والفوضى المالية والاقتصادية، إضافة إلى تزايد تداعيات عمليات الخصخصة التي ظلت تقوم السلطات المصرية بإنفاذها وفقاً للصفقات السرية التي أضرت كثيراً بالحقل الاقتصادي العام المصري، وحالياً تقول المعلومات بأن المصريين وإن كانوا قد نجحوا سياسياً في الإطاحة بنظام حسني مبارك، فإن أمامهم سنوات طويلة لكي يحققوا النجاح في الجوانب الاقتصادية، وتقول التقديرات بأن مصر تحتاج إلى 10 سنوات على الأقل لكي تحقق النجاح في إلغاء الدعم وحده، ناهيك عن بقية المشاكل.
•    ليبيا: المؤكد حالياً هو انهيار نظام الزعيم معمر القذافي بفعل تحالف المعارضة الليبية المسلحة وحلف الناتو، وحتى الآن، لم تتشكل بعد ملامح النظام السياسي ـ الاقتصادي الجديد، وما هو واضح، أن الدمار السياسي الليبي ترافق مع ما هو أكثر خطورة، وهو الدمار الاقتصادي، ولا يعرف حالياً لمن ستكون الأولوية، لإعادة إعمار الاقتصاد الليبي، أم لتقديم الحوافز لبلدان الناتو التي دعمت المعارضة الليبية المسلحة، والتي لولا دعم حلف الناتو لأصبحت أثراً بعد عين في مواجهة كتائب القذافي، وتشير التوقعات إلى أن إعادة إعمار ليبيا سوف تستغرق على الأقل فترة عشرة سنوات لكي تصل إلى المستوى الذي كانت عليه عشية اندلاع الفعاليات الاحتجاجية السياسية، والأكثر احتمالاً سوف يتمثل في أن هذه العشرة سنوات قد تمتد إلى أكثر من عشرين سنة إذا اندلعت الحرب الأهلية الليبية، أو إذا تزايدت الخلافات بين الفرقاء بما أدى إلى إتاحة الفرصة للأطراف الدولية لجهة القيام بالتدخل العسكري واحتلال ليبيا، أما إذا تزايدت الفوضى وانهارت الدولة بما أدى إلى جعل ليبيا تتحول إلى صومال جديدة، فإن المطلوب سوف يكون فترة تتراوح على الأقل من 30 إلى 40 عاماً.
سوف تظل الدول العربية الثلاثة التي شهدت تغييرات دراماتيكية سياسية من جراء سقوط الأنظمة الحاكمة، لفترة طويلة قادمة، وهي أكثر تأثراً بفعل الضغوط الاقتصادية،  وسوف تستفحل هذه الضغوط وتصبح أكثر شدة بسبب ضغوط الأزمة الاقتصادية الأوروبية والأمريكية، لأنه ببساطة سوف لن تستطيع هذه الدول العربية الثلاث الحصول على تدفقات رأس مال استثماري مباشر وغير مباشر يساعدها في تحقيق التنمية وعمليات الإصلاح الاقتصادي المنشودة.

* المسرح الاقتصادي في البلدان العربية الأخرى
تجري حالياً حركات احتجاجية سياسية متفاوتة الشدة والطبيعة في ستة بلدان عربية (اليمن ـ البحرين ـ سوريا ـ الأردن ـ  المغرب ـ الجزائر)، وفي هذا الخصوص تشير المعلومات إلى الآتي:
•    الاحتجاجات السياسية اليمنية والبحرينية: تمثل الحراك السياسي الاحتجاجي المتزايد الوتائر والمصحوب باحتمالات التحول إلى حرب أهلية داخلية مرتفعة الشدة، بما سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير البنيات التحتية ويقوض المعاملات والأنشطة الاقتصادية.
•    الاحتجاجات السياسية السورية والمغربية والأردنية: تمثل الحراك السياسي الاحتجاجي المحدود، والذي برغم انقضاء العديد من الأشهر على استمرار وتائره المتقطعة، فإنه سوف لن يلحق الأضرار الكبيرة على غرار ما سوف يحدث بفعل الاحتجاجات اليمنية والبحرينية وما أحدثته الاحتجاجات الليبية.
يمكن رصد الأضرار  والخسائر الاقتصادية الوطنية المترتبة على هذه الاحتجاجات في الآتي:
•    تزايد الضغوط على نفقات الميزانية الوطنية، وذلك بفعل عمليات التعبئة المستمرة وما يترتب عليها من تكاليف ترتفع بتزايد الوقت، وارتفاع مستوى الأسعار.
•    تزايد الضغوط على قطاع الخدمات والتجارة، وذلك بسبب المخاوف وضعف استقرار الأسواق التجارية.
•    تزايد الضغوط على القطاعات الإنتاجية، وبالذات الإنتاج الصناعي والزراعي، وذلك بسبب ارتفاع مستوى تكاليف الإنتاج إضافة إلى تزايد المخاطر.
•    تزايد الضغوط على القطاعات المالية، وبالذات قطاع المصارف، إضافة إلى أسعار الصرف، من جراء تزايد وتائر انخفاض العملة الوطنية المصحوب بارتفاع أسعار السلع الضرورية.
•    تزايد الضغوط على قطاع النقل، وذلك بسبب تزايد المخاطر والمهددات لحرية وسلامة عمليات النقل، إضافة إلى تزايد معدلات تكاليف أجور النقل والشحن البري.
هذا، وتقول التوقعات، بأن تدخل الأطراف الخارجية الدولية سوف يستمر لجهة توظيف واستغلال هذه الاحتجاجات بما يصب في خدمة مصالح الدول الكبرى، أما الأكثر احتمالاً في الوقت الحالي فهو أن تتزايد تداعيات ضغوط العقوبات الدولية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن حركة الاحتجاجات السياسية السورية، برغم محدوديتها وانقطاع تواترها، فإن ضغوطها على الاقتصاد لن تكون كبيرة، وبرغم ذلك فقد سعت أطراف مثلث واشنطن ـ باريس ـ لندن إضافة إلى أطراف مثلث أنقرا ـ الرياض ـ الدوحة إلى محاولة دعم هذه الاحتجاجات عن طريق السعي لجهة فرض المزيد من العقوبات الدولية والإقليمية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالاقتصاد السوري على النحو الذي يمكن من الناحية المعلنة أن يكسب هذه الاحتجاجات قوة الزخم والدفع باتجاه الاستمرار، أما من الناحية غير المعلنة، فإن هدف هذه العقوبات الحقيقي هو إضعاف القدرات الوطنية السورية، وليس مجرد القيام بدعم الاحتجاجات!

الجمل ـ قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...