قصة المحاكم الشرعية التي سيطرت على الصومال

15-06-2006

قصة المحاكم الشرعية التي سيطرت على الصومال

بين ظهورها الخجول الاول في الصومال في العام ،1991 وبسط سيطرتها على العاصمة مقديشو قبل 01 أيام، ثم على مدينة جوهر الاستراتيجية، في انتصار فاق التوقعات، مرّت «المحاكم الشرعية» بمراحل متباينة تخللتها كبوات وقفزات، غياب وتغييب، إلى أن تحولت إلى ما ينظر إليه كثيرون اليوم على أنه مفصل تاريخي في القرن الافريقي.
وقد ظهرت «المحاكم الشرعية» للمرة الاولى في الصومال مع سقوط الحكومة العسكرية في مطلع العام ،1991 وانتشار الفوضى والشغب في مختلف أرجاء البلاد. ودفع ذلك بالعالم الأزهري الصومالي الشيخ محمد معلم حسن، لمحاولة إنشاء محكمة شرعية في منطقة طورطيجلي جنوبي العاصمة مقديشو، بهدف الفصل بين المتخاصمين عبر الاحتكام إلى مبادئ الشريعة الاسلامية، بالتعاون مع شيوخ القبائل.
ولكن الجنرال الراحل محمد فرح عيديد، الذي كان يسيطر على جنوبي العاصمة آنذاك، أحبط هذه المحاولة التي اعتبرها خطوة لإضعافه، وخلفه في هذا الموقف إبنه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الحالية حسين عيديد.
وظهرت «المحاكم الشرعية» مجدداً في مطلع العام ،4991 مع تأسيس أولى «المحاكم الشرعية» في شمالي العاصمة، وتعيين الشيخ علي محمود رئيسا لها. واحتلت هذه المحاكم مكانة وزارتي العدل والداخلية، وخاصة مع فشل الحكومة الانتقالية في إقامة محاكم تابعة لها في مناطق متفرقة من البلاد.
وفي العام ،6991 أدت الخلافات القبلية والسياسية إلى تقليص دور هذه المحاكم، التي دخلت في صراع مع زعيم الحرب القوي آنذاك علي مهدي محمد الذي تمكن من القضاء عليها وتفكيك أجهزتها القضائية والتنفيذية مستعيناً بدعم الحكومة الإثيوبية. وظلت المحاكم تعمل في حالات متفرقة من دون أي تأثير سياسي أو عسكري يذكر، الى ان عادت إلى الواجهة من جديد في العام ،7991 وتتابع ظهورها حيث بدأت كل قبيلة بتأسيس محكمة خاصة لها.
ومع بداية العام ،1002 قويت شوكة «المحاكم الشرعية» في مقديشو حتى وصل نفوذها إلى جنوبي العاصمة، بعيد تشكيل الحكومة الانتقالية السابقة برئاسة عبد القاسم صلاد حسن، في العام .0002 وفي أعقاب هجمات «11 أيلول»، خضعت الحكومة الانتقالية لضغوط لالغاء تلك المحاكم بذريعة أنها مرتبطة بجماعة «الاتحاد الاسلامي»، المدرجة ضمن القائمة الاميركية الخاصة بالمنظمات الارهابية.
وبموجب تلك الضغوط، اتفقت الحكومة بعد مفاوضات طويلة مع عدد كبير من رؤساء «المحاكم الشرعية» على ضمهم إلى الجهاز القضائي الحكومي ودمج الميليشيات التابعة للمحاكم الشرعية إلى جهاز الشرطة الحكومي، ما طوى ملف هذه المحاكم، في العاصمة مقديشو على الاقل.
ولكن الحكومة الانتقالية لم تتمكن من السيطرة على الوضع الامني ولم تتجاوز سلطاتها بضعة جيوب في العاصمة الكبيرة، ما ادى إلى عودة عصابات الاجرام التي كانت تقوم بالنهب والسرقة والخطف.
وبعد تفاقم الاوضاع الامنية، تشكلت لجان قيادات شعبية من زعماء العشائر ورجال الاعمال والمواطنين في العاصمة لمعالجة الوضع المتدهور فيها، وأجمعت هذه القيادات على أهمية إحياء «المحاكم الشرعية». وقد تمكنت هذه اللجان من إقناع عدد كبير من العلماء الشرعيين بالعمل في هذه المحاكم، التي عادت إلى الواجهة في العام .3002
وفي العام ،5002 تم تأسيس المجلس الأعلى لاتحاد «المحاكم الشرعية» في مقديشو، وانتخب الزعيم الشيخ شريف شيخ أحمد رئيسا له. وبدأت «المحاكم الشرعية» بتنفيذ عمليات مشتركة ضد العصابات الإجرامية في عدد من أحياء العاصمة، ما فرض هدوءاً نسبياً في البلاد. ويقول الاتحاد أنه حرص على عدم تنفيذ عملياته ضد العصابات المسلحة في المناطق التي تخضع لسيطرة زعماء الحرب تفادياً لأي تصادم معهم.
وتقدر مصادر غير رسمية عدد أفراد الميليشيات العاملة تحت مظلة اتحاد «المحاكم الشرعية» بأكثر من 5 آلاف مقاتل مسلحين بشكل جيد، بينهم الكثير من الشبان المتدينين الذين يقاتلون إلى جانب قوات المحاكم ثم يعودون إلى وظائفهم وعائلاتهم بعد انتهاء القتال، ما يزيد من صعوبة تحديد عدد هذه القوات.
وتحظى «المحاكم الشرعية» في مقديشو بنفوذ كبير ومصداقية عالية. ويعود ذلك لأسباب عديدة، أهمها فشل زعماء الحرب في إرساء الأمن حتى في الأماكن التي يسيطرون عليها، ومعارضتهم للأنظمة الشرعية التي تحاول أن تنشر الأمن. بالمقابل، تتمتع المناطق التي تسيطر عليها المحاكم بالاستقرار الأمني، وقلما تقع فيها أعمال قتل وخطف، نظراً لقوة الاجهزة التنفيذية (الميليشيات) التابعة للمحاكم الشرعية فيها.
ويرجع مراقبون أيضاً شعبية «المحاكم الشرعية» إلى انتشار خطابها الاسلامي المجيّش للعواطف في المساجد، وخاصة أن هذا الخطاب كان يؤكد دوماً على رسالة فحواها أن ميليشيات «التحالف لارساء السلم ومكافحة الإرهاب» التابعة لزعماء الحرب تستهدف القضاء على الإسلام، وتتلقى التوجيه والتمويل من الولايات المتحدة.
وكانت أهم نتائج نجاح هذا الخطاب أن عمد مواطنو مقديشو إلى إغلاق الشوارع الرئيسية بوجه تحالف مكافحة الإرهاب منذ 81 شباط الماضي، أي مع بدء المعارك المباشرة الاعنف منذ انتهاء الحرب الاهلية في العام ،1991 بين ميليشيات المحاكم وميليشيات التحالف.
وقد اندلعت هذه المواجهات على خلفية اتهامات متبادلة ومتراكمة، حيث يقول اتحاد «المحاكم الشرعية» إن التحالف يسعى لمحاربة العلماء وتسليمهم إلى دول أجنبية بذريعة مكافحة الارهاب ويتلقى تمويلا أميركياً، فيما يرى التحالف أن اتحاد المحاكم يريد السيطرة على البلاد لإقامة حكم إسلامي «متشدد» على غرار نظام «طالبان» في أفغانستان، وبالتعاون مع جماعات إرهابية كتنظيم «القاعدة».
كما يتهم التحالف بدوره «المحاكم الشرعية» بأنها تتلقى تمويلاً من جماعات «إرهابية» متشددة ك«الاتحاد الاسلامي»، فيما تؤكد هذه المحاكم أن عملها مستمرّ بفضل الطبيعة التطوعية للافراد العاملين فيها، بالاضافة إلى دعم محدود من رجال الاعمال الصوماليين المؤيدين لها.

ديالا شحادة

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...