«هوب هوب» لعجاج سليم.. تماهي الممثل والجمهور

03-11-2014

«هوب هوب» لعجاج سليم.. تماهي الممثل والجمهور

لم تكن عبارة «هوب هوب» عنواناً للمسرحية التي بدأت عروضها أول أمس على «خشبة الحمراء» (1- 15 تشرين الثاني)، بقدر ما كانت طلباً صريحاً وواضحاً من «سائق الحافلة» السورية بإيقاف فوري وعاجل للحرب الدائرة منذ قرابة أربع سنوات على امتداد كامل البلاد؛ فالعرض الذي أخرجه الفنان عجاج سليم كان قد اشتغل عليه منذ قرابة الشهرين، مع اثني عشر ممثلاً وممثلة في ورشة مفتوحة؛ مطوّعاً نص «الجزيرة القرمزية» للروسي ميخائيل بولغاكوف (1891- 1940)، من إعداد جوان جان؛ ولمصلحة مقاربة جريئة اتخذت من الكارثة الوطنية الأعنف في تاريخ البلاد موضوعاً فنياً لها؛ إذ يأتي «هوب هوب» ليكون العرض الجماعي الأول الذي يرفع عقيرة المسرحيين السوريين عالياً إزاء ما يدور على أرضهم؛ مقتبسين العبارة الشعبية «هوب هوب» كصرخة بمدلول سياسي لا يخلو من التهكم والمرارة؛ إذ يبدو هذا جلياً من كلمة المخرج «سليم» على بروشور العرض: «(هوب هوب) تعني الطلب من (سائق الحافلة) التوقف السريع؛ وفي اللهجة الدارجة تشير بشكل عام إلى الرغبة بإنهاء فعل، أو حوار، أو مشكلة... أو أزمة؟». في المقلب الآخر يروي «هوب هوب» حكاية فرقة مسرحية يشاهد عرضها أحد متعهدي الحفلات في بلاد المغترب؛ فيقرر توفير فرصة لأعضائها للسفر إلى أميركا وتقديم عرضهم هناك؛ إلا أن هذا المتعهد، أسامة الحفيري، غير الخبير بشؤون فن المسرح وأحواله؛ لا يلبث أن يتدخل في توجه النص ومدلولاته؛ طالباً من المخرج، كفاح الخوص، التعديل على (مسرحيته) التي تروي بدورها حكاية انقلاب يقوده رئيس الحرس، محمد حمادة، لاغتيال ملك الجزيرةـ، فادي الحموي، وذلك بعد زيارة وفدٍ من الأجانب نجاح مختار، مجد الحفيري ونور الحسيني، لجزيرة «أرض الأحلام» بحثاً عن اللؤلؤ؛ إلا أن التعديلات التي يطلبها متعهد الحفلات ستشمل كل ما من شأنه الإساءة للشخصية الأميركية، فيحذف ويضيف ما يحلو له من جمل الممثلين وحركاتهم؛ مما يبدّل بالتالي من مقولة (العرض)؛ فتُلغى مفردات من قبيل: الغرباء، الاستعمار؛ الزنديق. وتحل مكانها عبارات من قبيل: حقوق الإنسان، الديموقراطية، التكفيري، عداء السامية. طلبات المتعهد لا تلبث أيضاً أن تتحول إلى نوع من الإملاء والوقاحة، يواجهها كل من كاتب المسرحية، محمد خير الجراح، وأعضاء الفرقة، خوشناف ظاظا، طارق عبدو ومي السليم، بالرفض، وصولاً إلى انقلاب مسرحي يقوده هؤلاء على مخرجهم الذي ما فتئ يقدم التنازل تلو التنازل للمتعهد؛ حتى أحال مسرحيتهم المناوئة للامبريالية إلى ما يشبه إعلاناً تجارياً لـ«بيبسي كولا»!
مفارقات متشابكة وكثيفة نقلها «هوب هوب» مقتبساً «الأمل» كمعنى للعبارة ذاتها باللغة الإنكليزية؛ فطاقة الممثلين أبرزت أداءً جماعياً لافتاً؛ بعيداً عن صيغ تقليدية طالما اشتغلت على النصوص المترجمة بكامل أخطائها ودسمها الأدبي؛ ومن دون أي اهتمام بوظيفة الدراماتورجيا؛ فن الإنشاء الدرامي، الذي كان قادراً في العرض على تحقيق شرطي الزمان والمكان لجمهور «دمشق - الحرب». فمن الواضح أن الارتجال في زمن البروفة كان هو المادة الأصلية لنقل نص بولغاكوف من حالته الأدبية الخرساء على الورق، إلى حالته الحركية المشهدية؛ وكعرض أفعال لا أقوال؛ لعب بين أسلوبي الغروتيسك والفودفيل؛ ناقلاً تعليقات ذكية وحارّة للجمهور؛ وخالصاً إلى تفاعل غير مسبوق بين الخشبة والصالة؛ عبر نبرة كوميدية ساخرة؛ وصولاً إلى ما يشبه التماهي بين الممثل وجمهوره، بلغ حد التواطؤ السحري بينهما؛ فالعرض لم يكن فقط (مسرحاً داخل مسرح) وحسب، بل يمكن القول: إن «هوب هوب» كان تمرداً على كل تلك العروض الكابوسية التي خرّبت علاقة المتفرج البريئة بخشبة المسرح.



سامر محمد إسماعيل

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...