هل يترافق الإصلاح السياسي مع إصلاح الرؤى الدينية؟

17-10-2009

هل يترافق الإصلاح السياسي مع إصلاح الرؤى الدينية؟

نشأتُ في مدينة «مطوبس» في مصر، وعند طفولتي كنت أرقب الدور الذي تلعبه الطرق الصوفية داخل المجتمع، خصوصاً بين الفلاحين والحرفيين، إلا أن تطور نمط الحياة وكذلك صعود التيارات الدينية جعلا دور الصوفية يخبو، وظلت في داخلي تساؤلات لا حصر لها، إلى أن قرأت كتاب الباحث عمار علي حسن «التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر» الصادر حديثاً عن دار «العين» في القاهرة.

وعلى رغم غلبة الطابع الفولكلوري فيها على العقدي، شقت الصوفية درباً وسيعاً في تاريخ المسلمين، منذ أن كانت شحنات عاطفية تجيش بها صدور الزاهدين، إلى أن صارت مؤسسات اجتماعية تتراوح في بعض الدول بين الجد والفولكلور، وفي أخرى بين العقيدة والسياسة. وطيلة القرون التي خلت والصوفية تخذل كل الذين تصوروا اندثارها، إما متهاوية تحت ضربات النقد اللاذع الذي تتعرض له من الجماعات والتنظيمات والفرق الإسلامية التي تناصبها العداء، أو متصدعة بفعل موجات التحديث التي اجتاحت العالم الإسلامي في العقود الماضية من جهة، وترعرع الأشكال الأخرى لجمعنة الحالة الدينية سواء المسيّسة أم الدعوية والخيرية، من جهة ثانية. فالطرق الصوفية كما يلخص عمار علي حسن في كتابه، سارت في اتجاه مخالف للرسم البياني الذي خطه من توقعوا تدهور حالها واستطاعت أن تضم بين مريديها عناصر تنتمي إلى أكثر الفئات الاجتماعية والمهنية تحديثاً.

مع ذلك، هناك فارق كبير بين طرق صوفية تواكب الحداثة وتنخرط في العمل العام حتى تتمكن من دفع رموزها إلى قمة الهرم السياسي مثلما هي الحال في تركيا، وطرق صوفية تماهت في الفولكلور وباتت ظاهرة احتفالية بعدما التصقت بثوب التقليد وتكلست عن إنتاج أي ممارسات سياسية إيجابية إلا ما تستفيد منه السلطة في تكريس شرعيتها كما هو الوضع في مصر، التي إن كان يمكن على استحياء تصنيف طرقها الصوفية بأنها أحد روافد المجتمع الأهلي اعتماداً على النشاط الخيري لبعضها، فإن من الصعوبة بمكان الطموح إلى تثويرها أو إنهاء مسألة انسحابها الواضح نسبياً من الحياة السياسية، أو على الأقل تنقيتها من بعض مظاهر الخرافة والدجل التي سقطت فيها.

فالصوفية المصرية إن كانت أفرزت في عصور غابرة، ولمرات قليلة، شيوخاً ناطحوا السلاطين باستنادهم إلى التفاف جماهيري منقطع النظير ينساق حول أعمال باراسيكولوجية وأسطورية ومنافع مادية، فإنها تحولت في الوقت المعاصر إلى مجرد خادم للحكام، وهي مسألة لا تخطئها عين من يتابع الاحتفالات الصوفية ولا يهملها عقل من يفكر في خطاب المتصوفة حيال السلطة من جهة، والحبل السري الذي يربط تنظيمهم بشقيه الإداري والروحي بجهاز الدولة الأمني والديني من جهة ثانية. أما في تركيا، فبدءاً من نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه وأحد رموز الطريقة النقشبندية وصولاً إلى أحد مريديه وهو طيب رجب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية، تغالب الطرق الصوفية تقليديتها وتستغل الفضاء الواسع الذي يتيحه الفكر الصوفي من تسامح واعتراف بالآخر في وضع أطر ووسائط سياسية تجعلها متناغمة مع الحياة الديموقراطية التي تعتمد على التعددية، كما تستخدم ما في الصوفية من حض على التراحم والتماسك والصبر على المكاره في تعزيز ثقافة الإنجاز، ومن ثم السير قدماً على درب التنمية.

وبعد حدث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ضد الولايات المتحدة، بدأ الأميركيون، في سياق حملتهم الشاملة على الإرهاب، يدرسون إمكانية تعميم «الصوفية» بحيث تصبح هي الشكل المستقبلي للإسلام، أو على الأقل تقوي شوكتها على الساحة الإسلامية، لتخصم من رصيد الجماعات والتنظيمات السياسية المتطرفة ذات الإسناد الإسلامي، التي أنتجت «تنظيم القاعدة» وما على شاكلته.

وأصدرت مؤسسة «راند» الأميركية عام 2008، تقريراً عنوانه «بناء شبكات مسلمة معتدلة» اعتمدت فيه الصوفية طريقاً إسلامياً يتواءم مع المصالح الأميركية، لأنه يمكن أن يكون حائط صد أمام الجماعات والتنظيمات المتطرفة، وجسراً يفتح الإسلام السنّي على التشيع ذي المرجعية الواحدة التي، إن احتوتها واشنطن، ضمنت سلامة لأمنها وحفظاً لأهدافها الاستراتيجية في بلادنا، فضلاً عن إمكان أن يقرِّب التصوف، فكرياً وتنظيمياً وحركياً، بين الإسلام وقيم العلمانية، قياساً إلى التجربة التركية، حيث استوعب المتصوفة قيم العلمانية، وطوروا رؤيتهم الدينية لتواكب العصر، وتتمشى مع النهج الديموقراطي، على مستوى القيم والإجراءات.

وقبل ذلك بسنتين، استضاف معهد نيكسون للدراسات الاستراتيجية مؤتمراً حاشداً، شارك فيه متصوفة ومفكرون إسلاميون ينتمون إلى مختلف دول العالم الإسلامي من غانا إلى فرغانة، لبحث هذه الفكرة، التي اختمرت في العقل الاستراتيجي الأميركي. ويعول الأميركيون في تصورهم هذا على ما جادت به تجربة النقشبندية في تركيا، حيث استوعب المتصوفة قيم العلمانية، وطوروا رؤيتهم الدينية لتواكب العصر، وتتمشى مع النهج الديموقراطي، على مستوى القيم والإجراءات.

وعلى رغم ما عليها من انتقادات، فإن الاستراتيجية الأميركية هذه لا تحلق في فراغ، بل تتأسس على جدل طال بين المستشرقين حول ما إذا كان التصوف الإسلامي ينطوي على حلول لمعضلة التطرف، وما إذا كان فيه ما يقرب بين الإسلام والليبرالية، أو ما يسهل مهمة واشنطن في تجديد مناهج التعليم الديني في العالم الإسلامي.

لكن هذه التصورات، تتعامل مع التصوف في بعده الحركي على أساس إما أنه نمط واحد إيجابي يمكن تعميمه، أو أنه حالة جوانية فريدة تعلي من تقدير طويَة الإنسان وحريته، وتزيد من تسامحه في التعامل مع الآخرين، وإيمانه بحقوق الإنسان، وبذلك يمكن استخدامه في محاربة التطرف، وجعله الإطار الديني لثقافة سياسية إسلامية ذات سمت ديموقراطي.

إلا أن التصوف، في حقيقة الأمر، لم يعد حالة من الزهد والتعبد الفردي، كما بدأ، فقد صار مؤسسات ضخمة لها امتداد، عابر للقارات كافة، بعضها يجتهد في أن يلعب دوراً تنموياً وسياسياً واجتماعياً، وبعضها تماهى في الفولكلور وتم اختزاله إلى ظاهرة احتفالية، بعضها متسامح في التعامل مع الآخرين، بما في ذلك أتباع الطرق الصوفية المنافسة، وبعضها يدخل في تناحر مع الآخر يعاديه، بعضها تعاون مع الاستعمار - وربما هو ما تريده الولايات المتحدة في الوقت الراهن - لكن معظمها حارب المستعمر بضراوة، وجزء منها ساهم في التنمية بأبعادها الشاملة، وجزء كان عالة على المجتمع، وأعاق مسيرة التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

هناك افتراضات طرحها عمار علي حسن في دراسته وهي:

- إن الهيكل التنظيمي وكذلك الإطار القانوني للطرق الصوفية يغذيان الميل إلى الاستبداد حيث تتضاءل فيهما القيم السياسية المساعدة على وجود الديموقراطية.

- يبدو الشيخ زعيماً كاريزمياً بين مريديه يعتمد على أيديولوجية ذات طابع ديني وكذلك على قدراته الشخصية في الإقناع والتبرير والتجنيد، وهذا الوضع ينتج قيماً سياسية تساعد على وجود التسلط والاستبداد.

- تتسم الصوفية في فكرها وتاريخها بمقدرتها على إنتاج قيم سياسية إيجابية وسلبية في آن، وتأتي الممارسة لتظهر أي الطريقين أتبع.

- يتحدد توجه النظام السياسي حيال الطرق الصوفية بالمنافع التي يتلقاها منها، كما يتحدد موقف الطرق الصوفية من النظام السياسي طبقاً للمنافع التي يغدقها عليها.

- هناك تشابه في التنشئة السياسية - معرفة وقيماً - بين مختلف الطرق الصوفية، على رغم تفاوتها في ظروف النشأة والقيادة والحجم والقوة.

- يحتاج إدماج أصحاب الرؤية الإسلامية، سواء كانت مسيسة أو دعوية، إلى ما هو أكبر من مجرد الحديث عن تطليق السياسة، أو الاعتدال والتسامح.

- يمكن الطرق الصوفية أن تساهم في عملية التحديث على رغم أنها كيانات اجتماعية تقليدية.

- تعد تجربة الصوفية المصرية مغايرة لنظيراتها في العالم الإسلامي، سواء من حيث النزعة النضالية أو الإسهام في تنمية المجتمعات ونهضتها.

وتنبع أهمية دراسة التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر من اعتبارات عدة، ذكرها عمار علي على النحو الآتي:

الأول: كثرة المنخرطين فيها وانتشارهم في كل ربوع المجتمع حيث يرى البعض أن عددهم يربو على الستة ملايين فرد وهم خليط متنوع من حيث خلفياتهم الاجتماعية والثقافية والمهنية والتعليمية.

الثاني: عمق انغراس الصوفية في تربة الثقافة المصرية وكونها مثلت مرحلة تربوية مهمة في حياة بعض رموز التيارات الإسلامية الحركية، فالشيخ «حسن البنا» مؤسس الإخوان المسلمين انخرط في الطريقة الحصافية وعمل سكرتيراً للجمعية الخيرية الحصافية في المحمودية، كما أن الشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنّة المحمدية بدأ صوفياً أيضاً وكذلك الإمام محمد عبده الذي كان في بداية حياته من مريدي الطريقة الخليلية، كما يقول الخليليون.

الثالث: وجود اعتقاد سائد بأن الصوفية تضع حداً فاصلاً بين الدين والسياسية عبر أسسها الأربعة القائمة على «الزهد» و «المحبة» و «المعرفة» و «الولاية» وهذا يبرر ضرورة بحث صدق هذا الافتراض وواقعيته في الممارسة الحياتية لأتباع الطرق الصوفية من جهة والمعطيات الأولى للفكر الصوفي من جهة ثانية.

الرابع: في هذه الآونة التي يتزايد فيها الإقبال على دراسة المجتمع المدني والمراهنة على تقويته في مواجهة تسلط الدولة تصبح دراسة الطرق الصوفية باعتبارها إحدى مؤسسات هذا المجتمع المدني، في عرف البعض، ذات أهمية ملموسة، خصوصاً أن الطرق الصوفية أسبق تاريخياً من الجمعيات الأهلية في مصر، والتي تعود إلى القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، بينما تعود الجمعيات التطوعية إلى القرن التاسع عشر، وفي الإطار ذاته تسمح دراسة الطرق الصوفية بتجلية الصورة حول سعي الدولة إلى تأميم مؤسسات المجتمع المدني نظراً لتدخلها في شكل مباشر في شؤون الطرق الصوفية وتطويعها لخدمة شرعية النظام.

الخامس: النظر إلى الطرق الصوفية بصفتها «جماعة» تقوم بالتلقين غير المباشر للسياسة حيث تؤدي وظيفة الجماعات السياسية المرجعية الأخرى، فالطرق الصوفية حتى لو لم تكن جماعات لها مطالب سياسية واضحة، فإن المواطنين الذين هم أعضاء في تنظيمات غير سياسية غالباً ما يشعرون بقدراتهم الذاتية أكثر من الذين لا ينتمون إلى أي تنظيمات نظراً لأن الروابط التطوعية تقوم بأداء وظائف سياسية ضمنية وكامنة بغض النظر عن كون هذه الروابط سياسية أو غير سياسية، فمثل هذه التنظيمات لديها كفاءة للقيام بدور سياسي أكبر مما يتأتَى للأفراد الواقعين خارج التنظيمات، وهذا ما تؤكده أدبيات التنشئة السياسية.

السادس: تعزز الرغبة في فحص الثقافة السياسية للإنسان المصري كعامل مهم صنع ماضيه ويصنع حاضره ويشكل مستقبله، ذلك أن السعي للنهوض بمستواه الحضاري يجب أن ينبع من الدراسة العميقة لثقافته (قيمه وأفكاره وتوجهاته) ونظراً لتجذر الصوفية في عقليته ونفسيته في شكل كبير، فإن دراستها تصبح مهمة بقدر جدية الرغبة وصدقها في بناء مشروع فكري لنهضة مصر.

السابع: يتطلب التحديث السياسي الذي بات مطلباً ملحّاً للشعوب العربية عموماً إعطاء الإصلاح الديني، وكذلك تعزيز ثقافة الديموقراطية لدى المؤسسات الدينية المسيسة والدعوية على حد سواء، ما تستحقانه من وزن وأهمية. ففي مجتمعات يتدخل الدين في المفاصل السياسية والاجتماعية كافة، يصبح من الضروري أن يتم إصلاح الرؤى الدينية جنباً إلى جنب الإصلاح السياسي.

إن العرض السابق لا يغني عن قراءة هذا الكتاب المرجعي الذي لا يستغني عنه أي باحث في علم الاجتماع السياسي والإسلام السياسي، خصوصاً أن مؤلفه ألمّ بأطراف الموضوع محللاً تارة ومبدياً آراءه بصراحة تارة أخرى، لكن أكثر ما يجعل هذه الدراسة محط اهتمام الباحثين هو عمقها.

خالد عزب

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...