ما هي إسقاطات التجربة النووية الكورية على الأمن الاستراتيجي الدولي

10-10-2006

ما هي إسقاطات التجربة النووية الكورية على الأمن الاستراتيجي الدولي

الجمل:  على خلفية نتائج الحرب العالمية الثانية، تم تقسيم كوريا، بوساطة السوفييت وأمريكا، وذلك بعد استسلام اليابان التي كانت تستعمر كامل منطقة شبه الجزيرة الكورية.
الجزء الذي تقدمت فيه القوات السوفييتية أصبح يشكل كوريا الشمالية وعاصمتها بيونغ يانغ، والجزء الثاني الذي تقدمت فيه القوات الأمريكية أصبح يشكل كوريا الجنوبية وعاصمتها سيؤول.. واعتبر خط عرض 38 درجة شمالاً بمثابة خط الحدود الفاصلة بين البلدين.
هذا مثل سيناريو ألمانيا الشرقية والغربية، فقد تبنت كوريا الجنوبية النظام الرأسمالي، وتبنت كوريا الشمالية النظام الاشتراكي.. وبرغم تمتع كل واحدة من الكوريتين بحماية أحد القطبين العظميين في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتقسيم الكوريتين، فقد ظلت فكرة توحيد أرض وشعب شبه الجزيرة الكورية تراود أحلام النخب السياسية في الكوريتين، وفي يوم 25 حزيران 1950م فوجئ العالم بـ(الجيش الشعبي الكوري) يتدفق من كوريا الشمالية عابراً خط الحدود، ويبدأ باحتلال كوريا الجنوبية، وذلك في أول محاولة لإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، وقد أدت هذه العملية إلى نشوء ما عُرف بـ(الحرب الكورية)، وقد أدى تدخل الأمريكيين إلى عرقلة تقدم قوات الجيش الشعبي الكوري الشمالي، وتم إيقاف الحرب الكورية في يوم 27 تموز 1953م، عندما تم توقيع اتفاقية المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، وقد وقع في هذه الاتفاقية كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ومنذ ذلك الحين أصبح وجود القواعد العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية أمراً واقعاً.
أدى سقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي، إلى انكشاف ضمانات الحماية الأمنية التي كانت تتمتع بها كوريا خلال فترة الحرب الباردة، وأصبح الكوريون الشماليون أكثر فزعاً من تكرار حدوث سيناريو الوحدة الألمانية، ومن ثم فقد عملوا على الإمساك بقوة بزمام المبادرة والسيطرة.
خلال فترة الثمانينيات، حذر الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان من أن كوريا الشمالية سوف تمتلك أسلحة الدمار الشامل، وحاول أن يقوم بتوجيه ضربة استباقية أمريكية ضد المنشآت النووية الكورية الوليدة، آنذاك.. وكانت أقمار التجسس الأمريكية قد التقطت في عام 1985م صوراً لمنشأة نووية كورية شمالية بالقرب من العاصمة بيونغ يانغ، وأكدت تحليلات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ووكالة الأمن القومي الأمريكي صحة معلومات الأقمار الصناعية.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، قامت أمريكا بفتح الملف الكوري الشمالي، بالتركيز على:
- مسألة أسلحة الدمار الشامل.
- مسألة حقوق الإنسان.
- مسألة التحول الديمقراطي.
ادعى القادة الكوريون الشماليون أن منشآتهم النووية تهدف إلى الاستخدامات المدنية السلمية المتعلقة بتوليد الطاقة، وتحت الضغوط الدولية وافقت كوريا الشمالية على فتح منشآتها النووية أمام مفتشي وكالة الطاقة الذرية، وبعد فترة قصيرة قام هاتربليكس كبير مفتشي الوكالة بزيارة كوريا، وبعد ذلك أعلنت كوريا رفضها لقيام الوكالة بأي عملية تفتيش لبعض منشآتها النووية الرئيسة.
تقول التقارير: إن الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس كلينتون آنذاك، كانت أكثر ميلاً لاستخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية في الضغط على كوريا الشمالية، واكتفت باستخدام سياسة العصا والجزرة، أي أن تتخلى كوريا الشمالية عن برنامجها النووي وتحصل على المساعدات، وبخلاف ذلك تحصل على العقوبات، ولكن أفادت تقارير أخرى بأن الإدارة الأمريكية قررت عدم اللجوء لتوجيه الضربة العسكرية ضد المنشآت النووية الكورية الشمالية، وذلك لجملة أسباب، منها:
- امتلاك كوريا الشمالية لترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشمال غير النووي الأخرى مثل القنابل الجرثومية والأسلحة الكيميائية وغيرها.
- تزايد الرفض الشعبي المعادي لأمريكا في كوريا الجنوبية، وبالتالي فإن توجيه أي ضربة أمريكية، سوف يؤدي إلى ثورة في كوريا الجنوبية، تطيح بنظامها السياسي، وتؤدي إلى خسائر فادحة للشركات الأمريكية الكبرى، والتي تستثمر مبالغاً ضخمة في كوريا الجنوبية.. إضافة إلى أن تغيير النظام في كوريا الجنوبية سوف يؤدي إلى طرد وإخراج القواعد العسكرية الأمريكية، والتي سوف يؤدي خروجها إلى الإخلال بالتوازن الاستراتيجي الكلي في منطقة المحيط الهادي، لأن القواعد الأمريكية في كوريا، لا تهدف إلى حماية كوريا الجنوبية من خطر كوريا الشمالية فقط، وإنما تهدف إلى موازنة القوة الاستراتيجية الصينية والروسية في المنطقة.
- معارضة الصين وروسيا، بسبب الأضرار التي يمكن أن تصيبهم من جراء حدوث مواجهة بأسلحة غير تقليدية في منطقة شبه الجزيرة الكورية المتاخمة لأراضيها.
- وأيضاً كوريا الشمالية، لم تنتظر الظروف لكي تخدمها، أو القوى الكبرى الأخرى لكي توفر لها الحماية، وقامت حكوماتها بإصدار تهديد علني مفاده: إذا تعرضت كوريا الشمالية لأي هجوم أمريكي مهما كان حجمه محدوداً، فإن كوريا الشمالية سوف تقوم بإزالة مدينتي نيويورك وواشنطن من الوجود.
أدت الضغوط الأمريكية إلى مواجهات دبلوماسية في مجلس الأمن الدولي، وتم تشكيل لجنة سداسية للنظر في حل المشكلة بالوسائل الدبلوماسية.
استمرت كوريا الشمالية في  إجراء تجارب إطلاق الصواريخ البالستية ذات القدرة على حمل الرؤوس الحربية غير التقليدية، وفي الوقت نفسه ظلت تمارس قدراً عالياً من المناورة في تسيير أعمال اللجنة السداسية، واليوم 9/10/2006 أعلنت كوريا الشمالية رسمياً عن نجاح تجربة التفجير النووي الأولى في برنامجها النووي.
التجربة النووية الكورية الشمالية، كان الكثير من المحللين يتوقع حدوثها، ولكن، الأكثر خطورة هو إسقاطاتها على الأمن الاستراتيجي الدولي.
• في منطقة الباسفيكي: سوف تضطر كوريا الجنوبية واليابان إلى استبقاء القواعد الأمريكية في أراضيهما إلى حين حصولهما على السلاح النووي الذي يحقق لها التوازن العسكري غير التقليدي مع كوريا الشمالية.
• أما الصين وروسيا فسوف تسعيان إلى الارتباط أكثر بكوريا الشمالية وتطوير تحالفاتهما السابقة معها، باعتبارها قد أصبحت (رفيقاً) مسلحاً بالقدرات النووية وغير التقليدية.
• الولايات المتحدة الأمريكية: ظلت الإدارة الأمريكية تبدي مرونة في التعامل مع الملف الكوري، وظلت تعلق آمالها على اللجنة السداسية، لحل الأزمة.
• الشرق الأوسط: حالياً تواجه إيران أزمة ملف نووية شبيهة بأزمة ملف كوريا الشمالية، وخلال الفترة السابقة، كان هناك انقسام في مجلس الأمن الدولي حول معالجة الملف النووي الإيراني، وفي مواجهة التشدد الأمريكي، ظلت روسيا والصين ترفضان أي استخدام للعقوبات أو الضربات ضد إيران لإرغامها على التخلي عن برنامجها النووي.
السؤال الأكثر أهمية يقول: لماذا قامت كوريا الشمالية بإجراء تجربتها النووية الأولى في هذا الوقت بالذات، علماً أنه مايزال أمامها متسع من الوقت للمناورة، وكسب الوقت؟.. وما هي تأثيرات تجربة كوريا النووية على الملف النووي الإيراني..؟
بالنسبة للسؤال الأول، يمكن القول: إن القرار الكوري الشمالي كان مفاجئاً، وبرغم المعلومات الكثيرة، التي تقول إن كوريا الشمالية قد أصبحت تمتلك سلاحاً نووياً منذ بضعة سنوات، إلا أن إجراءها لهذه التجربة قد يكون الهدف منه الآتي:
- الردع النهائي لشبح أي عقوبات أو مفاوضات دولية حول برنامجها النووي وفرض الأمر الواقع على الأطراف الأخرى.
- هناك تحركات عسكرية أمريكية في منطقة الباسفيكي، وقد أبدى بعض المحللين مخاوفهم من لجوء الإدارة الأمريكية والبنتاغون إلى عملية التضليل والخداع الاستراتيجي، وذلك بأن يقوم بتصعيد الحملة السياسية والدبلوماسية ضد إيران، وفي ساعة الصفر يتم ضرب كوريا الشمالية، مثلما في الماضي عندما هدد السوفييت بغزو بولندا، وحشدوا قواتهم على حدودهم معها ليلاً، وفي الصباح الباكر تناقلت وسائل الإعلام أخبار وصور القوات السوفييتية وهي تدخل أفغانستان.
- هناك تعاون وثيق كوري شمالي- إيراني، وقد اشتهرت كوريا الشمالية ببيع وتصدير تكنولوجيا الصواريخ والأسلحة المتطورة والفائقة الحساسية للدول الأخرى الحليفة معها، ويقال: إن التطورات الأخيرة في ترسانة الأسلحة الإيرانية كانت ضمن برنامج تعاون عسكري إيراني- كوري شمالي، كذلك هناك تعاون نووي إيراني- كوري شمالي.. وبالتالي فقد يكون الهدف من هذه التجربة في هذا الوقت تقديم رسالة إلى أمريكا بأن إيران تمتلك بالفعل السلاح النووي، وبأنها لا تريد إعلان ذلك، وبالتالي يتوجب على أمريكا أن تفهم أن كوريا الشمالية قد ساعدت إيران في برنامجها النووي، وبأن النتيجة والناتج و(الإنتاج) الذي تم التوصل إليه في كلا البلدين هو نفس الشيء.. ومن ثم لا داعي للإدارة الأمريكي بأن تغامر، وتقحم نفسها في مواجهة مدمرة مع إيران المسلحة نووياً، على غرار كوريا.
- هناك احتمالات بحدوث صفقة (قذرة) أمريكية- إسرائيلية- كورية شمالية، وذلك عبر كوريا الجنوبية، أو اليابان، أو تايوان، مفادها: أن تقوم كوريا الشمالية بإجراء تجربتها النووي في هذا الوقت بالذات، وذلك تنفيذاً لصفقة المصالح الآتية:
• بالنسبة لكوريا:
- يتم التعامل معها كقوة نووية على أساس اعتبارات الأمر الواقع مثلها مثل باكستان والهند وإسرائيل.
- يتم إلغاء كل إجراءات مجلس الأمن الدولي ضدها.
- يتم تقديم المساعدات والمعونات لها.
• بالنسبة لأمريكا:
- تجد المبرر لإبقاء قواعدها لفترة طويلة مفتوحة في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.
- تجد إدارة بوش المبرر أمام الرأي العام لزيادة الإنفاق العسكري وتمرير ميزانية الدفاع الأمريكية الجديدة لعام 2007م، وهي ميزانية مفتوحة النفقات، أي غير محدودة بسقف مالي.
- تجد إدارة بوش المبرر لرفض مقترحات روسيا والصين وبعض حلفائها الغربيين القائلة بضرورة عدم اللجوء إلى فرض العقوبات أو الخيارات العسكرية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، وبالتالي تقوم أمريكا برفض المشاركة في اللجنة الدولية المعنية بأمر إيران حالياً، ثم تقوم بالمعمل المنفرد، أو بمشاركة إسرائيل (والتي سوف تشارك بالتأكيد حتى لو لم تعلن رسمياً عن مشاركتها)، وتقوم بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، خاصة وأن هناك مؤشرات حالياً تقول إن هناك تحركات عسكرية غير عادية للأسطول الخامس الأمريكي في منطقة جنوب شرق المتوسط، وأيضاً الأسطول الخامس الأمريكي في منطقة بحر العرب المتاخمة للسواحل الإيرانية، إضافة إلى أن كوندوليزا رايس قد قامت -بخلاف ما هو مقرر في برنامج جولتها الأخير- بزيارة قاعدة أنجرليك الأمركيية العسكرية في تركيا، (زعمت المصادر الأمريكية بأن طائرتها قد تعطلت واضطرت للذهاب من كردستان في شمال العراق رأساً إلى قاعدة أنجرليك الواقعة جنوب شرق تركيا!!).. ويقال أيضاً: إن استناد أمريكا لواقعة التجربة النووية الكورية الشمالية واستخدامها كذريعة لتوجيه ضربة استباقية ضد إيران في هذا الوقت بالذات هو المخرج الوحيد لدعم شعبية الحزب الجمهوري الأمريكي في انتخابات الكونغرس ومجلس النواب التي سوف تجري خلال الشهر القادم، خاصة وأن كل استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها على خلفية فضائح النواب الجمهوريين، قد أكدت جميعها احتمالات كبيرة باكتساح الحزب الديمقراطي للانتخابات.

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...