لبنان : من التفخيخ السياسي الى التفخيخ الأمني

02-03-2007

لبنان : من التفخيخ السياسي الى التفخيخ الأمني

عين علق, الاشرفية, صيدا, عين الحلوة, المكلس... والحبل على الجرار, من حول لبنان في الاسبوعين الاخيرين الى «مزرعة قنابل» صامتة, ومن هو «المجهول» الذي يمارس مهمة «التفخيخ الأمني» في مواكبة «التفخيخ السياسي» الذي يعيشه اللبنانيون؟
والسؤال الأكثر تعقيداً ربما: من يهيئ لبنان لحرب داخلية جديدة تتسارع معها عمليات الاستنفار والتسلح والتدريب في حمى الصراعات الاقليمية والاحتقانات.
الحروب الاستخبارية في لبنان والمنطقة ليست جديدة, وتحضير مسرح العمليات لحروب اهلية تتقاطع فيها المصالح الخارجية مع المصالح الداخلية لفريق او لآخر مسألة مألوفة في القاموسين اللبناني والعربي, لا تغيب عنها بعض الدول الآسيوية والافريقية, وكثيرة هي الدلائل التي تشير الى نشاط مخابراتي اميركي متزايد على امتداد مساحة المنطقة ونشاط مخابراتي مضاد في لبنان وسوريا والعراق وايران بصورة خاصة, بسبب التقاطعات الأمنية والسياسية بين هذه البلدان في اكثر من ملف اقليمي.
وفي ما يتصل بلبنان تحديداً يتلاقى العارفون على أن هناك اكثر من جهة اقليمية ودولية تهيئ الأرض لانفجار امني كبير, إذا فشلت المساعي الدبلوماسية الحثيثة في صياغة مشروع حل.
هذه التأهيلات التعبوية والنفسية تزامنت مع اعلان المعارضة انها تدرس بجدية امكان اللجوء الى العصيان المدني الممرحل من أجل الزام الحكومة بمطالبها المعلنة والتي باتت معروفة. وقد فسرها البعض بأنها «خطوة أولى» على طريق المواجهة ورسائل سياسية لمن يعنيهم الأمر, فيما رأى فيها البعض الآخر «خطوة مضادة» للرد على مشروع العصيان, سيما وأن ظاهرة التسلح لا تقتصر على لبنان, وتغذية الانقسامات المذهبية والطائفية مشروع شامل على مستوى المنطقة.
والواقع ان تحضير مسرح العمليات اتسعت مؤشراته مع موجة التقاط وكشف عبوات ومتفجرات وقنابل مهدت لها جريمة تفجير الباصين على طريق بلدة «عين علق» المتنية لتكر سبحة الاكتشافات بالجملة بحيث لا يمر يوم الا وتكتشف فيه قنبلة او مجموعة قنابل او عبوة. ولعل اخطر ما تم اكتشافه هو المواد «الكيميائية» قرب عين الحلوة. بالتزامن مع اتساع الحديث عن حركة تسلح وتسليح في لبنان وكذلك اجراء تدريبات عسكرية في لبنان والخارج والقيام بالمناورات بالذخيرة الحية في احدى المناطق, فضلاً عن حالة التعبئة المتصاعدة باحتمالات انفجار امني واسع مترافقة مع اعلان بعض الاحزاب عن انضواء عناصر جديدة تحت لوائها, في وقت كانت بعض الأصوات تطلب الدعم العسكري والسياسي من الولايات المتحدة.
وموجة اكتشاف العبوات الجاهزة منها وغير الجاهزة للتفجير امتدت من وطى المصيطبة الى بئر حسن فالاشرفية حيث اكتشف صندوق فيه ألواح غير جاهزة للتفجير مع صواعق على مقربة منها الى شارع المكحول, ومن ثم في صيدا حيث تلقى بين الحين والآخر قنابل صوتية, فضلاً عن اكتشاف موقتات كهرو­ كيميائية متطورة في منطقة حساسة جداً €محيط عين الحلوة€.
تعمل هذه المواد بواسطة تفاعل كيميائي وتستخدم للتفجير ويمكن توقيتها الى فترة زمنية تمتد الى 124 يوماً حسبما يقول الخبراء الذين اشاروا الى ان التركيب يستوجب معامل خاصة مزودة بتقنيات عالية. وهذه المواد الخطرة يعثر عليها للمرة الاولى في لبنان وهي بحاجة لان تكون محفوظة €مخزنة€ في مكان خاص لا تقل الحرارة فيه عن 12 درجة مئوية تحت الصفر.
ولأن لبنان حافل بالنشاطات المخابراتية والنشاطات المخابراتية المضادة أكثر من أي وقت, فقد ربطت بعض الجهات زرع القنابل والمتفجرات بمعلومات نشرها رئيس تحرير صحيفة «نيويوركر» سيمور هيرش خلال الأسبوع الفائت مفادها ان الولايات المتحدة تقوم بعملية تبديل استراتيجي واسعة في المنطقة, للحد من النفوذ الايراني و«الخطر الشيعي», وأن الأجهزة الأمنية الأميركية بدأت تعمل ميدانياً في هذه الاتجاه.
وقد تناول تحليل هيرش عملية التبديل الاستراتيجي التي تقوم بها الادارة الاميركية في الشرق الاوسط, على اساس اعتبارات ان هذا التبديل قد جعل السعودية واسرائيل تقفان ضمن توجه استراتيجي جديد موحد من جراء «نظرتهما الموحدة للخطر الايراني», واشار ايضا الى الدور البارز الذي قام ويقوم به, وسوف يقوم به الامير بندر بن سلطان في «اللعبة الشرق اوسطية».
يقول سيمور هيرش في تحليله: ان السنوات الاخيرة شهدت قيام السعوديين والاسرائيليين وادارة بوش بتطوير سلسلة من التفاهمات غير الرسمية حول توجهاتهم الاستراتيجية الجديدة, وكانت هذه التفاهمات تركز على اربعة عناصر رئيسية هي:
­ التأكيد لاسرائيل بأن الامن يستحوذ على الاهمية القصوى وبأن واشنطن والسعودية والدول السنية الاخرى تتقاسم الاهتمام حول «خطر» ايران.
­ ان يحث السعوديون حركة حماس والجهاد الاسلامي اللتين تتلقيان الدعم من ايران, على ضرورة الحد من اعتداءاتهما ضد اسرائيل, وبدء سلسلة من المحادثات حول تقاسم القيادة مع فتح.
­ ان تقوم ادارة بوش بالعمل مباشرة مع البلدان السنية من اجل العمل لمواجهة ومكافحة الصعود الشيعي في المنطقة.
­ ان تقوم الحكومة السعودية, وبموافقة واشنطن, بتقديم الاموال والعون اللوجيستي من اجل اضعاف حكومة الرئيس السوري بشار الاسد في سوريا, وذلك لجعل هذه الحكومة­ على حد قول الاسرائيليين­ «اكثر قابلية لتقديم التنازلات» والمفاوضات.
ثم ينتقل هيرش الى القول بأن تركيز العلاقة الاميركية­ السعودية بعد ايران سوف يكون مسلطاً على لبنان, والذي تورط السعوديون فيه بعمق من اجل دعم جهود الادارة الاميركية الهادفة الى تعزيز حكومة فؤاد السنيورة الحالية, والتي تقف في مواجهة المعارضة المتزايدة المستمرة, التي يقودها حزب الله وحلفاؤه, على ان تتبنى الادارة الاميركية برنامجاً سرياً في لبنان, تشرف على تنفيذ وكالة المخابرات المركزية الاميركية, ويهدف الى تعزيز قدرة الاطراف السنية اللبنانية في مواجهة النفوذ الشيعي.
ويقول سيمور هيرش ان بعض كبار المسؤولين الاميركيين والأوروبيين والعرب الذين قابلهم, اكدوا له ان حكومة السنيورة وحلفاءها قد تم منحهم المعونات €المالية والمادية€ من اجل دعم الجماعات السنية المتطرفة الصاعدة الموجودة في شمال لبنان, ووادي البقاع, وحول المخيمات الفلسطينية في الجنوب. وبرغم ان هذه المجموعات صغيرة الحجم, الا انها تعتبر بمثابة عازل للحد من خطر حزب الله.
في هذا السياق تعتبر مصادر المعارضة ان النشاط المتعلق بالتفجير وزرع العبوات التقليدية والكهرو­ كيميائية «نشاط معاد» للتحرك السياسي الذي تواصله منذ ثلاثة أشهر لأغراض واضحة, وهي تربط هذا النشاط بعملية مخابراتية واسعة النطاق هدفها زعزعة استقرار المنطقة لا تقتصر على لبنان وانما ترمي الى تفجير مشاكل لا تنتهي لسنوات قليلة بل يمكن ان تمتد في التاريخ. لكن يلزمها مقدمات متنوعة ومنها اقامة شبكات تجسس, وفي الاطار الرسمي فضلا عن الاطار الفردي كتلك التي تم كشفها في مطار بيروت الدولي اخيرا حيث اشتبهت جهات اساسية في الامن العام بتحركات مريبة للمفتش م.ع.ع. الذي يؤدي خدمته في مطار الرئيس رفيق الحريري الدولي في بيروت, فعملت على مراقبته, وتوصلت الى معلومات عن قيامه بمحاولة تجنيد زملاء له في السلك واشخاص مدنيين للعمل مع استخبارات هذه الدولة الأوروبية, وقيامه بتصوير مقرات لـ«حزب الله» في اكثر من منطقة, فرفعت كتابا بذلك الى المدير العام اللواء وفيق جزيني الذي وضع وزير الداخلية والبلديات حسن السبع في اجواء هذه المعلومات الخطيرة, فاعطى الاخير تعليماته بضرورة وضع حد لهذه التصرفات المخلة بالأمن وتوقيف المتورطين فيها, وهكذا كان, فتم رصد هذه الشبكة وتوقيف ابرز اعضائها م.ع.ع €وهو من مدينة طرابلس€.
وقد تبين ان الشبكة حددت لنشاطها هدفا واحدا هو «حزب الله» وكلف المشرفون عليها اعضاءها, بمراقبة مراكز الحزب ومؤسساته, ومواقعه العسكرية, واستخدام تقنية الـ«جي. بي. اس» لتحديد المواقع والامكنة الجغرافية عبر الاقمار الصناعية مباشرة.
والاختراق والتغلغل الاستخباري الاسرائيلي, كان يتم على محورين, هما:
م محور وظيفي: وذلك عن طريق تجنيد العملاء, وتوطيد العلاقات مع الزعماء السياسيين ويتميز هذا المحور بأنه يقوم على اساس اعتبارات العلاقات الثنائية بين اسرائيل والطرف صاحب العلاقة معها.
م محور مؤسساتي: وذلك عن طريق جعل التعامل مع اسرائيل يستند الى بعد مؤسساتي, بحيث يصبح واجبا الزاميا تفرضه الاتفاقيات الدولية, ومن امثلة ذلك اتفاقية كامب ديفيد والاتفاق الاستراتيجي العسكري­ الامني الثلاثي الذي ضم تركيا والاردن واسرائيل, واتفاقية السلام الاردنية­ الاسرائيلية, وبدرجة اقل تأتي اتفاقية اوسلو بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في هذا السياق يتوقف اقطاب المعارضة عند الاجتماع الذي ضم عدداً من قادة المخابرات العربية في عمان خلال جولة كوندوليزا رايس الأخيرة واعتبروا ان تخصيص اجتماع لرؤساء اجهزة المخابرات, يتضمن الكثير من المضامين والدلالات, ومن ابرزها:
م على الصعيد الاستراتيجي:
­ اضفاء الطابع الكلي المؤسساتي لتعاون اجهزة مخابرات دول المعتدلين العرب مع جهاز الموساد الاسرائيلي, ووكالة المخابرات المركزية الاميركية.
­ ابراز الاشراف الدولي لعلاقات هذه الاجهزة العربية مع وصيفاتها الاسرائيلية والاميركية, وذلك على اساس ان الاجتماع قد تم بحضور اميركي, ورعاية ملكية اردنية.
م على الصعيد التكتيكي:
­ تمهيد الرأي العام العربي لكي يقبل بعملية التطبيع مع اسرائيل, ويتضح ذلك من الطابع العلني السافر الذي تم به الاعلان عن عقد هذا الاجتماع, والذي يأتي ضمن سلسلة التحركات الاسرائيلية ­ الاميركية لاختراق المخابرات العربية, وهي سلسلة بدأت باجتماع العقبة في الصيف الماضي, والذي حضرته كل الاطراف التي اشتركت في الاجتماع الاخير تقريباً.
­ جعل اجهزة مخابرات بعض الدول العربية تعمل بالوكالة وكـ€بروكسي€ ينوب عن الموساد الاسرائيلي في تجميع المعلومات عن القوى السياسية الرافضة والمقاومة لاسرائيل, وايضاً عن الدول العربية الرافضة لمشروع الهيمنة الاسرائيلية في المنطقة.
­ توظيف اجهزة مخابرات دول المعتدلين العرب في شن المزيد من العمليات السرية ضد الكيانات السياسية التي لا يتماشى وجودها مع المشروع الاسرائيلي.
وفي هذا السياق اتهم مدير الاستخبارات الاميركية الجديد طهران بتدريب عراقيين شيعة داخل ايران ولبنان على استخدام متفجرات قادرة على اختراق الدروع.
كما ذكر مدير الاستخبارات ان ايران تعتبر مصدر قلق يتخطى طموحها النووي, وان الكثير من العوامل ادت الى تضخيم تأثير طهران في الشرق الاوسط, واشار في هذا الصدد الى سقوط نظام طالبان في افغانستان واعدام الرئيس العراقي صدام حسين وعائدات النفط المرتفعة والقوى المتزايدة «للمجموعات الارهابية مثل حركة المقاومة الاسلامية €حماس€ وحزب الله». ورأى ان ايران في عهد حكومة الرئيس محمود احمدي نجاد «تنمي قدرتها العسكرية بهدف فرض سيطرتها على منطقة الخليج, فضلاً عن دعمها نشاطات ارهابية في الخارج كمساعدة حزب الله على قتال اسرائيل, وزعزعة استقرار حكومة لبنان اضافة الى تطوير اسلحة نووية وتخزين صواريخ بالستية».
ومع ارتفاع حدة العمل الاستخباراتي لفتت قيادات المعارضة الى ما اعلنه نائب القوات اللبنانية جورج عدوان عن التسابق بين انفجار الوضع والبحث عن حلول سياسية مشيرا الى ان خطى التفجير متسارعة نافياً ان تكون القوات اللبنانية لها علاقة بعمليات التسلح والتدريب.
وما لفت اكثر في كلام عدوان هو اشارته الى توصل التحقيقات في عملية اغتيال الوزير بيار الجميل الى تقدم كبير وكذلك توصل الاجهزة الامنية اللبنانية الى معرفة هوية الشخص الذي راقب باصي «عين علق» قبل التفجير بالاضافة الى تحديد اسم شخص شارك في عملية اغتيال جورج حاوي وسمير قصير مؤكداً ان الشخص نفسه له علاقة باغتيال الرئيس رفيق الحريري, واشار في هذا المجال مواربة الى علاقة ما لهذا الشخص بسوريا.
اتهامات عدوان­ وهي ليست جديدة­ اعتبرت رداً اعلامياً على الحملة التي تشنها المعارضة, بكل الوسائل المتاحة, لالصاق عمليات زرع القنابل الصامتة €حتى الآن€ بجهات مخابرات غربية €أميركية تحديداً€ واسرائيلية لا مصلحة لها في توصل اللبنانيين الى أي تسوية. و«القوات اللبنانية» تلتقي هنا مع حلفائها­ او معظهم على الأقل­ في تحميل الاجهزة السورية مسؤولية كل قنبلة أو اغتيال أو عبوة صامتة أو متفجرة يتم اكتشافها في لبنان, على قاعدة أن دمشق تصر على «اعاقة» الحلول السياسية المطروحة, وتشترط مراعاة دورها الاقليمي في المنطقة في اي تسوية يتم التوصل اليها.
وليس سرا ان جولة النائب سعد الحريري الأوروبية, وجولات قيادات الأكثرية الأميركية, محاولة لاستباق أي تصعيد أمني أو سياسي €قبل قمة الرياض أو بعدها€ بخطة تحرك مضادة. وفي مواكبة الاعداد لهذه الخطة تم التجديد للمحقق الدولي سيرج براميرتس في مجلس الوزراء لسنة كاملة, قبل انتهاء مهماته بأربعة أشهر تقريباً, خلافاً لما درجت عليه العادة من اقرار هذا التمديد قبل اسبوعين من انتهاء المهمة. والظن الراجح ان الاكثرية تتحسب لكل الاحتمالات ومنها امكان ان يؤدي اعلان العصيان المدني الى شلل كامل في المؤسسات الدستورية قبل حزيران المقبل, او امكان ان يدفع بعض الاطراف في اتجاه التفجير الكبير اذا فشلت القمة العربية في اقناع سوريا وايران بالمساهمة في حلحلة الأزمة.
وفي أي حال فإن عملية تحويل لبنان الى مزرعة متفجرات باردة خطوة اولى €او بروفة تمهيدية€ في اتجاه زرع عبوات قابلة للانفجار في أي وقت, ومجرد ممارسة التجربة يعني ان التفخيخ السياسي دخل وبقوة مرحلة التفخيخ الأمني الكامل.
 


يونس عودة
المصدر: الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...