ممدوح عدوان ومحمد الماغوط... الطفل المقهور في قلب الشاعر

01-02-2008

ممدوح عدوان ومحمد الماغوط... الطفل المقهور في قلب الشاعر

ممدوح عدوان لو أتيح للشاعر ممدوح عدوان أن يكتب سيرته الذاتية الشعرية لما زاد في شيء عما جاء في كتاب «هواجس الشعر» الذي صدر عقب وفاته... بل لما زاد شيئاً على تلك الأفكار والرؤى والهواجس التي أحاط بها شاعره الأثير: محمد الماغوط، والتي لم تتجاوز الصفحات الخمس من الكتاب، بل ربما كانت تلك الصفحات ستشكل المنطلق الذي يؤسس عليه ما كان سيكتب... إذ اختزل فيها ما امتلأت به حياة ذلك «الطفل المقهور» على مدى اكثر من ستين عاماً، ومجلدان من الشعر، وعدد من المسرحيات، وعشرات الكتب صبّت خلاصتها، جميعاً، في تلك الصفحات. وعلى رغم أن عنوانها يحيل الى الماغوط، الانسان والشاعر، إلاّ أن الكاتب فيها تحدث عن «مشترك القهر» بينه وبين صاحبه، فجاء الكلام مثله في أي قصيدة كبيرة فيها من الانفجارات الذاتية، والصبوات الروحية، ما يهزّ أرض الشعر لتتمرد على أرض الواقع، ويخرج بالشعراء الى فضاء المدينة شاهرين قصائدهم في وجه زمن لم يرحم الشعر في روح الشاعر... لا لشيء إلاّ لأن هذا الشاعر (الواحد بصيغة التثنية) وقف من عصره موقف احتجاج على ما يجري من استلاب لإنسانية الانسان ومن قهر للحرية في روحه، كاشفاً، ومكاشفاً، ما في ضميره من كلمات عبّر فيها عن طفولته المقهورة، ومتسائلاً: لماذا يتم اغتيال الطفل في روح الشاعر؟ وقد انشغل الشاعر على مدى عقود من الشعر بالسؤال... لا جواباً عنه، وإنما إعاده طرح دائمة له.

وإذا كان ممدوح عدوان وجد صاحبه «لا يخجل من دموعه، ومن هزائمه، ومن الاعتراف بإذلال العالم له»، فإنه هو من تعلم منه «أن الاعتراف بهذا الذلّ هو النصر الوحيد الذي يليق بأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم». ولذلك – كما يقول – فإنه لم يحسّ يوماً بأنه يقرأ شاعره (ويعني الماغوط طبعاً)... «بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يليق به أن يقيم اعتباراً لشيء»... فكلاهما كان يشعر، ويعترف، بالوضاعة التي أوصله إليها هذا العالم الذي يعيش فيه!

تستوقفه من «الماغوط» عبارات شعرية، كما يستوقفنا الكثير شبيهها مضموناً، مكتوباً بكلمات أخرى، ومحمد الماغوط بإيقاع ذاتي متماثل في شعره، هو الآخر. فالماغوط، وفي مجابهة مبكرة مع الواقع، لم يجد ما يحشو به مسدسه سوى الدمع. أما حين أطلق خطواته على درب الحياة فلم يكن يبحث عن شيء يتقدم بحثه عن فرصة للحنان، ما اضطره أن يحمل ملاءة سوداء ويضعها على شارة المرور في الشارع... ثم يناديها: «يا أمي!» ففي نفسيهما، الشاعر والشاعر – الكاتب هنا، ما يدعوه ممدوح: حاجة يتيمة الى الأم. ويمضي الماغوط في رحلته (كنت أريد القول: في تشرده) ليأمر الغيوم، أو يرجوها، بالانصراف... لا لشيء إلاّ «لأنّ أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحل» – على حدّ تعبيره.

وكلاهما، الشاعر والشاعر - الكاتب، أحب ضَعفه، وراح لشدة ما عانى من هزائم، واقعية وذاتية، يقرّ بهزيمته جهاراً ونهاراً. أما الأوطان التي وجدوها تطردهم فهي إنما تطردهم من جحيمها. وحين كان أحدهما يتشرّد، في الأرض أم في داخل الروح، كان «يتشرد متأبطاً كتبه ووطنه. أما إذا وجد أحدهما، أو كلاهما، نفسه في لحظة من لحظات هذه الهزائم مستغلاً ما يتسرب من بين حصارها من فسحة للإعلان عن الذات فإنه يخرج – كما فعل الماغوط – مستنداً الى عكازه. ولكن الشاعر وهو يرى الشاعر في الحال هذه يسرع ليؤكد ما يدفع به شبهة الشيخوخة عن صاحبه، لأنها لا تليق بمثله، فهذا، الذي يتقدم من خلال المشهد، «ليس رجلاً تقدم به العمر، بل هو رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع».

وكلاهما كتب كل ما كتب باعتراف شعري جامح... وكلاهما كان «مرآة لا تعرف كيف تكذب» و «لا تعرف كيف تعزّي، بل تعرف كيف تقشّر الجروح. مرآة تظهر الشيب والندوب والعاهات. مرآة تظهر الذلّ والدناءة والعوز وفقدان الأمان». فإذا كان الشاعر – الكاتب قد صرخ يوماً، منادياً بلاده: «يا بلادي التي علمتني البكاء...»، فإنه سيجد نفسه معها، قبل النداء وبعده، وهي «تتفنن كيف تبكيه كل يوم».

وكان لكل منهما أسلوبه الذي يحرج به مستمعيه ويحرضهم بشعره... لا لشيء إلاّ لأنه «ظلّ قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كانه. طفل لا يندهش من الجمال ويفرح به فقط، بل يشمئز من القبح ويبكي من الظلم، ويخاف من الظلام والظُلاّم».

وكلاهما أفلت مما يسميه «أجواء الترف الشعري»، وقد مدّت بساطها الأحمر أمامه، إلاّ أنه لم ينخدع بذلك المظهر الزائف الذي أدرك زيفه مبكراً، وتمنّع على المشي على ذلك البساط الذي لا يؤدي إلاّ الى «المدجنة».. «فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً، مشعثاً، رثاً، كما لو أنه لا يزال يلعب في الحارة».

وكلاهما جافى «الأناقة اللفظية» في الكلام مع من نصّبوا أنفسهم قادة وزعماء، وسكتت عليهم شعوبهم المقهورة مرغمة بحدّة القهر. وحين اتهموه بما لا يليق أن يتهم به شاعر قال لهم، بلغة المكاشفة التي لم يتقن سواها، والتي لم تُبق أمامها حرمة للخوف تذكر: «أنا لم أجلب الوحل من بيت أبي، ولم أتسخ في حضن أمي، ولم يكن البكاء هوايتي، ولا الجوع رياضة أمارسها. عالمكم وسخ وموحل ولعين وموحش، ولستُ معنياً بتنظيف نفسي، أو حتى أسناني، لكي أُساعدكم على التهرب من مسؤوليتكم عن وسخ عالمكم، وعن تلويثي».

والشعر عندهما هو في ما يتكلم عنه من مظاهر وأوضاع وحالات إنسانية يعيشها الانسان أو تصدر عنه ليتولاها، وقد تأتيه فيتلقاها... «فالتناقضات تتحول الى تناقضات تعبيرية»، والانسان لا يُلخّص، فهو «ذلك النقد اللامتناهي»، وكذلك مواهبه: «ففي كل انسان شاعر لأن في كل إنسان طفلاً قد تمّ قمعه لكي لا يسقط اشعته على العالم». والانسان حين يكبر، ويصبح رجلاً، يروح يبحث عن ذلك الطفل الذي قد يكون ضاع في أعماقه، وليس في أرض أُخرى.

أما المعركة الفعلية فهي «بين البراءة الأُولى وبين» ما تعلمناه. وما دام الشعر يحمل رؤية خاصة بالشاعر وحده، يشكل العالم بها او من خلالها، فإن هذا ما يجعله «يُجرّد الكلام المعروف من الكثير من معانيه، ويشحنه بما اكتشفه في اللغة، وفي نفسه، وفي العالم». وأما مهمة الشعر فهي في أن يساعد الانسان (قارئه/ متلقيه) «على أن يتوغل في نفسه».

هذا في وجه من هذه «السيرة» جاء بدلالة «الآخر». أما الوجه الآخر فيها فهو الخاص بالشاعر/ الكاتب من دون «نظيره الشعري». فهو كشاعر محدث، ومتصل بالعناصر الحية من التراث/ ويوجّه عنايته الأكبر بتوليد المعاني وبالإيقاع، يتوجه نحو ما يدعوه بـ «قصيدة التجربة» التي يجد لها أساسياتها في الشعر الجديد، إن لم تكن أساساً فيه...». وهو الذي كتب القصائد الطويلة نسبياً، شأن اسلافه في هذا: السياب، وحاوي، وعلي الجندي... يدرك أن القصيدة الطويلة إذا لم ينتظمها «خيط قصصي، فهي، فنياً، مجموعة من القصائد القصيرة». وفي هذا يمكن أن نقرأ رأيه بالتاريخ، أحداثاً وشخصيات» كبديل للأسطورة عن اسلافه ممن ذكرنا... ومن تابعوهم في «النهج الأسطوري».

ويرى أن الشعر، من حيث الاساس، خاصية لغوية، ويظل كذلك. «الشعر هو ابن اللغة البشرية، ولغة البشر تنبع من اللاوعي». أما إذا أخذناه بمعيار الفن فالفن ابتكار، فضلاً عن أنه «نابع من الانفعال الانساني» و «من رؤية خاصة في العالم». وأما الشاعر فهو «الذي يبتكر عالماً جديداً وخاصاً من خلال تعامله مع المفردات والمعاني والمشاعر».

والشاعر يقول هذا معبراً عن رؤية وموقف. فهو شاعر اتضحت قضيته في ذهنه، وعنده أن من «تتضح قضيته في ذهنه يعيش ويكتب بوضوح»، ذلك أن الموقف «من قضايا بالحياة والناس لا يقبل غموضاً أو التباساً».

وهو يكتب، شعراً، ليردّ على التساؤلات، سواء ما كان منها مصدره «الذات – الداخل» الانساني لدى الشاعر، أو الخارج، المجتمعي والحياتي والكوني، الذي يشكل مصدراً للقلق.

ومع أنه خاطب «قاهره السلطوي» ذات قصيدة في ثمانينات القرن الماضي، متمسكاً بعناده، ومصراً على رؤياه... فقال له متحدياً:

«أوَ ترانيَ بَعدَ العنادِ أُطأطئ كي أتبعكْ؟/ وأنا حاملُ من طموح المجانين رؤيا/ بأنيّ سأشهدُ، لو حُلماً، مصرعَكْ!».

... فإنه، مع هذا كله، لم يهاجر بحثاً عن «أرض أخرى» تجنّبه عذابات المواجهة وتقيه شرورها، ولا رغبة في الوصول الى «بحر آخر» يقطعه أو يلوذ به، ولم يؤمل النفس في «العثور على مدينة أخرى أفضل من هذه»، على رغم كل ما واجه فيها، بل قال لنفسه ما قاله سلفه اليوناني «كافافي» وهو يقطع الأمل باليقين: «لن تجد أرضاً جديدة، ولا بحاراً أخرى. ستتبعك المدينة، وستطوف في الشوارع ذاتها... وما دمت قد حطمت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فأنت قد حطمتها في الدنيا كلها...». ولذلك وجدناه نظر الى صاحبه الماغوط يوم تشرّد وهو يتشرّد «متأبطاً كتبه ووطنه...».

ماجد السامرائي

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...