العكسان: أنسي الحاج

31-03-2007

العكسان: أنسي الحاج

- المهندس المعمار يصنع لنا إطار المعيشة وفوقه يَفْرض علينا الأذواق والأمزجة. لا الحكّام ولا المشترعون يتحكّمون في أساليب حياتنا، ولا الفنانون ولا الشعراء، بل المهندسون. من معماري المنزل إلى معماري الهيكل، مروراً بالمراكز العامة، كل هذه الهيئات الحجريّة والخشبيّة والمعدنيّة التي نبصر النور تحت سقوفها ونمضي العمر تحت قببها وبين جدرانها وقناطرها وحيال أحجامها وأشكالها وألوانها وتجاويفها ونوافذها وأبوابها، هذه الحاويات الحاميات، الكائنات الموحية المشاعر العديمة المشاعر، إسفنجات الأقدار والأرواح، جلودنا وضلوعنا، حيواناتنا المصبَّرة التي انتصرتْ علينا... كل تلك الهيئات هي التي تُكيّف ما نَحسبُه حرّيتنا.
إنما نحن أصداء لهذه التي نظنّ أنها تُردّد أصداءنا.

- فكرة للكاتب الفرنسي جاك أتالي: «سينشئ الناس في بيوتهم مكتبات لانهائية للكتب والأسطوانات لسبب محدّد جداً: العلاقة بالموت. عندما ينظر المرء إلى مكتبته يفكر: «لن أموت قبل أن أطالعها كلّها». المكتبة وقت مخزَّن، تعويذة ضد الموت».

- هناك تعبير عن الأمل يُكرّه بالحياة، يقابله تعبير عن اليأس مُفْعَم بالأمل. وهْجُ تلألؤ العينين هو الذي يرسم لون الوجه الناظر إليهما.

- الأنا البشريّة معرّضة دوماً للسخرية، معروضة للنقاش، للإعجاب بشروط (العبقريّة، الموهبة...). أنا الإله مسيَّجة بالمقدَّس. كاتبُها في الأديان عَرَف السرّ: لا تحترمْ عقل البشر بل اسحقه بالخوف، على أن تستلقيه بين جولة من الجَلْد وجولة بكأس ماء بارد.

- يقف المتصوّف على جهتي الفرديّة والجماعيّة. قمّة في الذاتيّة المتماهية بالله وقمّة في انحلال الذات حتّى الاضمحلال في الكلّي. منتهى التشنّج ومنتهى السكينة. يضيق صدره بقَدْر ما تتّسع رؤياه.
كلّما اتّزَنَ المتصوّف هبطتْ حرارته. البراءة تُطعّمه بالملائكيّة والتطرّف يكشف استبداده. فيه انخطاف يُخشّع وانخطاف يُرعّب. قيل الجانب المَرَضيّ في التصوّف كما قيل في الحبّ والفنّ والسلطة. ولا ريب أنه بُحث أيضاً في الوجه السلطوي للوجد السماوي. الاستبداد عبر العبادة. الدخول في الألوهة من خلال خطف الله.
مثلما يتفنّن الإنسان في ابتكار المفرّات يتفنّن في استيلاد المَغَارق. غير واضح أيّهما أكبر: شغفه بالغيبيّات أم تفانيه في خدمة البشر. ربما يَحْسب معتنقُ الماديّة أنه يكرّس نفسه لمواجهة قضايا الزمن والمعيشة وقد يكون في واقعه منخطفاً إلى عقائديته مثل انخطاف المتصوّف إلى وَجْده. لا أحد يدري لو سُخّرت طاقات الروح والعقل للفعل في العالم الفيزيائي ماذا كان يحصل. قد نعرف ما تأخذه الدنيا من طريق «الآخرة» لكنّنا لا نعرف ما تأخذه «الآخرة» من طريق الدنيا.

- نفوس عاجزة عن رؤية ما يُعْليها ونفوس عاجزة عن رؤية ما يُخْفضها. الأفضل ليس إبدال واحدة بأخرى، بل تضمين كلٍّ منهما المحطات الاستثنائيّة عند الأخرى.

- يُقال إن كارهي النكتة فاقدو الثقة بأنفسهم، لأن الضحك يُفَكْفك جَفْصينهم. الحقيقة أن كاره النكتة يَكْرَهها لأنّها (في الغالب) تُسبّب الضحكة المتعارف عليها. الضحك الكيانيّ يَطْلع من شيء غير مُعدّ سَلَفاً.
النكتة اتّفاق اجتماعي مسالم ومرهِق، والضحك في أصْله دفاعٌ قَلِق.

- لو أتيح لكلّ متذوّق أن يضع متحفه الخيالي (من اللوحات، المنحوتات، أو الكتب والأغاني والموسيقى...) ويشترط نشره بعد موته ضماناً للصدق، هل كانت تحصل مفاجآت؟ كأن تختار الأكثريّة آثاراً لمؤلّفين لا تخطر ولا يخطرون بالبال وتُطوى أسماء مكرّسة و«خالدة»؟ أم الأدمغة غُسلتْ إلى حدّ لم يعد جائزاً أن نتوقّع منها إلّا الملقَّنات؟
مفهوم «التذوّق» في ذاته ربّما أضاع مبدأ الحريّة.

- للوصول إلى السلطة، عنف. للبقاء فيها، عنف. لتغييرها، عنف.
ليس العنف وسيلتها بل هو هي. الراغبون فيها عشّاق عنف لا هواة نفوذ. القيادة والعقائد ذرائع للتألّه. كيف يضيقون ذرعاً يمن يعترض. كيف ترمي رشاشاتُ شفاههم وعيونُهم قبل شفاههم. الآلهة تشير فتُطاع. إنما كلامها زيادة في الرحمة.
وجميعهم في السلطة معارضة وسلطة. الزعامة سلطة سواء في المعارضة أو في الحكم. الدين، العشيرة، المنبر، سلطة منتصبة. التلفزيون: هنا جميعهم فحول وجميعنا نساؤهم. كل تصريح قَذْفَة. كلّ حركة حواجب، كلّ نبرة صوت رَشَق. كان القدّيس سمعان اللاهوتي (949 ــــــ 1022) يقول: «الله لا يتّحد إلّا بآلهة». هذا رب سمعان، أمّا أربابنا فلا يتّحدون إلّا بأربابهم، وأمّا لرعاياهم فيعطون الأوامر والأصابع. لا تصدّق متواضعيهم، متواضع السلطة سلطوي أشدّ عنفاً. إنه يَغْدر قبل العهد وفيه وبعده. لا تصدّق زهّادهم، زاهد السلطة يعاقبك إذا لم تَحْزر بدون سؤال أنه يريد العرش إلى الأبد والأرض وما فوقها وما تحتها.
الديموقراطيّون؟ فلنسأل عنهم موظّفي شركاتهم وعمّال بساتينهم وخادمات قصورهم.
آلهة. مجموعات نابوليون وهتلر وستالين. قياصرة وأكاسرة. يبسطون أذرعهم فينبطح العبيد.
لو أتيح لواحد منهم أن يحكم العالم لغيّر التاريخ. المشكلة هناك عالم، ولكنْ لم يعد هناك تاريخ.
أو العكسان.


 أنسي الحاج

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...