النشوة العابرة للقارات

18-06-2006

النشوة العابرة للقارات

الكرة المعشوقة. منذ زمن بعيد يتجول عشق كرة القدم بين بلاد العالم من دون ان يلقى حواجز من اي نوع. هذه اللعبة كانت ولا تزال لعبة العالم كله. كل اربع سنوات، يعود المهاجرون من اللاعبين إلى بلادهم، وتعود الاعلام الوطنية خفاقة وتتسمر القلوب والعيون على اقدام اللاعبين. لم يكن ممكناً ان تصل هذه اللعبة إلى ما وصلت إليه، لو لم يكن ثمة بث مباشر. هذه اللعبة، كانت شعبية ولا تزال، لكنها مع تقنية البث المباشر، اصبحت اشبه ما تكون بديانة على العشب. مع البث المباشر، تحول اللاعبون إلى نجوم، واحتلوا الزمن الاوسع من وقت البث. الاهمّ من ذلك كله، انه بين كل ما يبثه التلفزيون، ليس ثمة ما يشبه كرة القدم. هذه الصور تتوالى امام عيون المشاهدين، للاعبين يحاورون الكرة والخصوم، ثم يستعدون لتسجيل الاهداف. الأهداف في البث المباشر دائماً حية وتأتي في وقتها بالضبط. ليست الاهداف قصة، ولا اللعبة دراما، فقط ثمة اللحظة المناسبة. لحظة الفرح المشتركة في العالم كله. وانت تشاهد الهدف الذي يحرزه الفريق، تكون، من حيث لا تعي او تعي، مشاركاً لملايين البشر في سعادة احراز الهدف في اللحظة نفسها. مبهج ان تفكر انك انما تنتشي الآن في الوقت نفسه الذي ينتشي فيه الاوستراليون والصينيون، وفي اللحظة نفسها، يطلق العالم كله صرخة النصر والنشوة كما لو انه يملك حنجرة واحدة. العالم كله مجموع على ايقاع المشاعر نفسها. العالم كله موحد في الانفعال، والعالم كله يبكي ويفرح في اللحظة نفسها. العالم، ايّ شيء يوحد هذا العالم ويجعله متسعاً ومرئياً ومفهوماً اكثر من لعبة كرة القدم نفسها؟! تُدخلنا كرة القدم في إيقاعها، تجعل حيواتنا جميعاً متشابهة. في المشاهدة لا فرق بين لبناني واميركي، وليس ثمة خلاف بين ليل ونهار. لحظة فرح واحدة تتزامن على سطح الكرة الأرضية، وتستطيع توحيدها اكثر مما يسع الشمس نفسها ان تفعل.

أردنا هذا الملف ان يُدخل هذه اللعبة في الكلام. ان يجعلها تستدرّ كلاماً كان إلى امس قريب شبه متخشب. ثمة كتّاب كثيرون استطاعوا ان يُدخلوا هذه اللعبة في الثقافات. لكن اللعبة لا تزال تختزن الكثير الكثير من الكلام، ونحن في حاجة لأن نستصرحها اكثر وأكثر، ليتسنى لهذا العشق العمومي ان يمتلك اللسان.

 

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...