من يذكر أمير البزق

29-01-2008

من يذكر أمير البزق

في الثلاثين من كانون الثاني عام 1989، كتب أمير البزق محمد عبد الكريم نغمته الأخيرة في سفر الإبداع الموسيقي ليرحل بعد رحلة عطاء خالدة، توجّته أميراً مبدعاً في الارتجال والعزف لينضم إلى قافلة المبدعين النادرين، في زمن عزَّ فيه الإبداع الحق. 
 هنا قراءة موجزة في مسيرة هذا الفنان المبدع، الذي ارتحل منقباً في ممالك الموسيقى المشرقية منها والغربية حاملاً معه منجزاً إبداعياً ممتداً؛ وأدوات موسيقية ساهمت إلى حد كبير في إثراء عالمه الموسيقي الجميل الذي طعّمه وأمده بمفردات جمالية وتعبيرية ألقت بظلالها على الحياة الموسيقية السورية والعربية بعد قراءات روحية معمقة لإرث ممتد من إبداعات الفكر الموسيقي العربي بما عكس توجهه الأصيل نحو مناخات الأصالة التي لم تخل أبداً من تأثيرات الحداثة الموسيقية العقلانية.
قبل أمير البزق كانت هذه الآلة شبه منسية قابعة في زوايا الإهمال والنسيان، تتقاذفها موجات الغناء الحسية الطابع مع بعض المحاولات الفقيرة التي لم تستطع اكتشاف أسرارها الدفينة، إلى أن جاء هذا المبدع الساحر، فأيقظ نغماتها الغافية بلمساته العبقرية التي هتكت سرها المكنون وأطلقت أنغامها العذبة من أسرها الطويل، لتتشكل معه مدرسة خاصة ومتفردة في العزف والارتجال والتلحين الذي استفاد دون شك من قراءات مستمرة للدور الحضاري والإنساني المشرق لإبداعات الموسيقى قديماً ومعاصرة وليقيم ورشته الإبداعية على تخوم المناخات الروحية لهذه الممالك التي أمها زائراً ومشاركاً فاعلاً في التنقيب عن آثارها ولقاها وكنوزها الموسيقية التي شكلت مع هذا المبدع جواهر حقيقية أغنت الحياة الموسيقية العربية بكل ما هو أصيل ومبدع خلاق.
ومن هذه الروح المتوثبة، وقامته الموسيقية السابقة ارتحل إلى أوروبا التي تعرفت منه على نمط وأسلوب مغاير في العزف على هذه الآلة الساحرة، حيث سجل هناك وتحديداً في ألمانيا مجموعة مهمة من المؤلفات الموسيقية رفدها بتقاسيم وارتجالات مهمة سحرت وبهرت الأوروبيين بجمالها وعذوبتها وأصالتها الشرقية المعهودة، وهو ما تابعه لاحقاً في تلك التسجيلات المهمة في إيطاليا التي لقي فيها نجاحات غير مسبوقة وتقديراً خاصاً بعد أن عزف على آلة البزق تلك الآلة الشرقية مجموعة من ألحان النابلوتيان ذات الروح الشعبية الإيطالية بعد أن كان يسمعها الإيطاليون من آلات أخرى تنتمي إلى عوالمهم الموسيقية كالماندولين والبانجو وغيرهما من آلات وبذلك أطلقوا عليه لقب بغانيني الشرق تيمناً بمبدع آلة الكمان الشهير بغانيني.
قدم أمير البزق ومن خلال رحلته الموسيقية المضنية نتاجات مهمة في العزف والتلحين رفدها كما أسلفنا بمفردات غربية كالإيقاع واستلهام صيغ مهمة من موسيقا عديدة كما في تقديمه لمجموعة من السماعيات واللونغات ومقطوعات ألبسها ثوباً زاهياً عبر إيقاعات الفالس والتانغو والرومبا وغيرها وبالطبع لا ننسى في هذه العجالة (معركته الموسيقية) التي انتصر فيها للجمال الموسيقي النادر الذي لا يستطيع اكتشافه وإضاءاته إلا قلة من المبدعين الحقيقيين كمحمد عبد الكريم ومن حمل في روحه وفكره تلك المناخات العذبة الأصيلة، وعبر هذه الأعمال الخالدة لم يكن أمير البزق مجرد عازف بارع على آلته الموسيقية، بل كان في كل ذلك بمنزلة طاقة إبداعية لا تنضب وعلماً من أعلام التأليف والبحث والريادة الموسيقية إضافة إلى ألحانه الجميلة التي غنّت بها مجموعة كبيرة من الأصوات السورية والعربية.
وبامتلاكه ناصية الإبداع والمعرفة الموسيقية العميقة، عمد هذا المبدع الكبير إلى تقديم خطوات جريئة وثورية بكل المقاييس النقدية والجمالية، خاصة في منجزه العظيم لتطوير صناعة هذه الآلة صديقة عمره الوفية، حيث قام بمحاولات مهمة لجعلها مطواعة وقادرة على صوغ أعقد الجمل والكتابات اللحنية فعمد إلى إطالة زندها كي يتسع لمجموعة إضافية من الدساتين بما يمنحه إضافات صوتية تثري العزف وتقنيات الكتابة كما عمد إلى استبدال صندوقها بصندوق آلة الماندولين الأكبر حجماً والأجمل رنيناً بما منحه صوتاً قوياً ونقياً رفده بزيادة وتر مزدوج بغية إثراء المدى الصوتي وتحديداً في منطقتي أصوات القرار والجواب معاً حيث وضع وترين في منطقة القرار أحدهما يعطي صوت القرار والآخر يعطي صوت الجواب بما منحه في الحقيقة ألواناً صوتية وتعبيرية أغنت عالم هذه الآلة وتحديداً في ارتجالاته التعبيرية التي عبرت عن مخزون معرفي وذاكرة موسيقية ما كانت لتضيء وتتقد لولا هذه المعجزة الموسيقية والقامة العالية في الإبداع الموسيقي العربي الذي فقد برحيله صديقاً وفياً قلّ أن يجود به الزمان، وأميراً متوجاً كان وسيبقى عنواناً مضيئاً لزمن البهجة والإبداع الأصيل.

علي الأحمد

المصدر: الوطن السورية

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...