الدعوة إلى الفكر الفاتر

04-02-2007

الدعوة إلى الفكر الفاتر

ـ 1 ـ مريب هو هذا الحراك الثقافي الجديد الذي تتخبط فيه الأجيال الصاعدة، والداعي الى التخلي عن الالتزام وتبني «الفكر الفاتر» الذي لايدعي امتلاك الحقيقة، ويسخر من الذين يناضلون في سبيلها. كان مثقف الخمسينيات والستينيات يفاخر بانتمائه الى عقيدة راسخة، أو قضية مقدسة، ولكن «المثقف الفاتر» يتحاشى الانحياز، ويفضل أن يتعامل مع الأفكار «برخاوة»، ولن ينزل الى الشارع، كما كان يفعل المثقفون الملتزمون، للمشاركة في المسيرات والاعتصامات، مكتفياًً بالمشاهدة عن بعد، و«النقار» مع من يخالفه الرأي «بلباقة ثلجية».

يقول أحد كهنة «الفكر الفاتر» ـ روجيه فيدال ـ في مقدمة كتابه المثير «الارتزاق»: «الخيار المطروح الآن هو المفاضلة بين ثقافة الموز الذي لايؤكل إلا طازجاً وإلا فسد، وثقافة النبيذ الذي تزداد قيمته كلما تعتق في الأقبية، لقد اخترنا التزحلق على قشر الموز، لا الغرق في برك النبيذ.. ولهذا الفكر «الفاتر»طروحات لاتخلو من امتاع ومؤانسة: امتداح اللاانتماء، والدفاع عن الإنسان الطيب الأعزل، والتغني بالصداقة على حساب الالتزام العقائدي، بعد مصرع مفهومي الأخوّة في الايمان، والرفاقية في النضال، والتخلص من مشاعر الحقد التي تغلي في الداخل لاسباب شتى. وأخيراً تفضيل ثقافة الموز على ثقافة النبيذ. ‏

ـ 2 ـ ‏

راج «اللاانتماء» في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن طرحه «كولن ويلسون»، فكان صرخة ضد مراكز الالحاق السياسي والاجتماعي والثقافي، ودعوة الى الانعتاق والتحرر حتى من الحرية ذاتها، ولكن اللاانتماء عرض الانسان الى الصقيع والاكتهال المبكر والوحدة، وكان لابد من مدفأة عاطفية، للتخلص من الدوار، وهكذا عاد الانسان يفتش عن «قطيع» يندس بين صفوفه، بعد أن استرخصه اقتصاد السوق وعهّرته البورصة المالية، ولكنه اكتشف أن الدفء الحقيقي لم يعد في الـ «نحن» وانما في «الأنت». ‏

وكما قال مؤلف اللامنتمي: «ان السبب الرئيس في التذمر هو الشعور بالاضطهاد لا الشعور بالاستغلال. المستغل يتضايق من وضع اقتصادي سيئ، ولكن المضطهد يسحق في انسانيته ولا يجوز ان نقايض الاستغلال بالاضطهاد».. ‏

ـ 3 ـ ‏

يشهد عصرنا مصرع رابطتين كانتا توفران للانسان الأمان والسلامة والدفء، رابطة «الاخوة في الايمان»، ورابطة «الرفاقية في النضال»، بعد أن طفت على السطح الانتماءات المزوّرة القائمة على المصلحة و «التراص القطيعي» لقد حوصر الاخوة في الايمان وتم اصطيادهم كالغزلان البرية، وإذ لم يعد أمامهم إلا خيار الشهادة، فضلوا الاعتصام في قلاع الايمان الفردي وسقطت الرفاهية النزيهة، وحل محلها «الانتهاز الماكر» واذ لم يعد أمام الرفاق الا خيار المنافسة على الأسلاب والمراكز، ولو عن طريق التصفيات الجسدية فضلوا هم أيضاً الاعتصام في قلاع «الزهد الثوري» ويبدو أن الرد الوحيد على تفشي «الصقيع الاجتماعي» هو الرجوع الى رابطة الصداقة البدائية، بكل عفويتها وسذاجتها ونزاهتها. والمفارقة أن الصداقة التي رُفضت في القرن الماضي، بدايات هذا القرن، على أساس أنها «عاطفة مترفة ارستقراطية» لا ضرورة لها، تعود اليوم بزخم مدهش على أساس أنها «كل ما تبقى لنا بعد أن انهار كل شيء»!. ‏

ـ 4 ـ ‏

أصدر الروائي المغربي «طاهر بن جلون» في نهاية العام المنصرم، كتيّباً في مئة صفحة سماه «اللحمة الوردية» بالفرنسية، لعله من أجمل الأناشيد في امتداح الصداقة، استهواني هذا المقطع الشاعري: «الصداقة هي ديانة دون إله ولا شيطان، ولا يوم حساب، إنها حب بلا توترات، ولاكراهية، ولا غيرة، ولا انتقام، انها الصمت النبيل، الطهارة، التي لا يتسرب إليها الاتساخ، انها العطاء لا التملك، الوفاء بلا مقابل...» وقد لاقى الكتيب رواجاً في الشرق والغرب: في الشرق، لأن الإنسان العربي، بعد المجازر العقائدية، والطائفية، والطبقية، أصبح بأمس الحاجة الى ظلال الصداقة الوارفة، الى واحات الود الرطبة، إلى الحوار العطوف النزيه، وفي الغرب، لأن الانسان الأوروبي، بعد مآسي اقتصاد السوق، وتصاعد الشوفينية والعرقية والعطالة والوحدة، أصبح بأمس الحاجة الى القلب الصافي من الأدران الحاقدة، الى اليد الممدودة بحرارة، الى النظرة الحانية المتعاطفة. ‏

أما الانسان العربي، الذي يقف مُقشرا في العراء، بلاكسوة سلطوية، ولا عباءة جماهيرية، فإنه يتوق الى الصداقة البريئة، فهي وحدها القادرة على ضخ شيء من الدفء في شرايينه ونسجه وأليافه، لم يعد يتحمل ارهاب «الاخوة »وانتهاز «الرفاق»، الأولون قد يغتالونه في وضح النهار ، والآخرون قد يجعلون منه ممسحة يغسلون بها خطاياهم وأوزارهم ، لقد تعب، وهو بحاجة الى صدر يرتمي عليه وقلب يغوص داخله، وفضاء نظيف يتنفس فيه. ‏

ـ 5 ـ ‏

يمتاز الانسان الطيب بثلاث صفات رئيسية: ‏

أولها، أنه انسان أعزل، لايحميه تكتل سياسي أو اجتماعي أو مهني، وهو لهذا السبب مستباح الحدود دوماً، وثانيها أنه انسان مسالم لايخوض معارك، وانما يتلقى الصدمات واللكمات باستمرار، وهو لهذا مهزوم دوما، وثالثها، أنه انسان نبيل يلتزم بممارسات نظيفة مشروعة، وهو لهذا مضطهد باستمرار، ونقيض الانسان الطيب هو ليس الانسان الشرير، وانما هو الانسان الانتهازي الذي يمتاز هو الآخر بثلاث صفات اولها انه انسان منتم، وهو لهذا محمي، وثانيها انه طموح، وهو لهذا عدواني، وثالثها انه وصولي وهو لهذا رابحٌ دوماً. ‏

ـ 6 ـ ‏

« أنا حاقد» مجاهرة غير مألوفة، نسمعها في كل مكان، وترتسم على كل الوجوه قد لانفهمها ، لانستسيغها ، ولكنها مرمية، كالقنبلة اليدوية، بين الناس، انها شر مختبئ خلف العيون، رغبة غاضبة في الانتقام تنفر من كل القسمات، استعداد دائم للبطش، محشو في قبضات الأيدي ، شعور مضغوط بالاهانة والغثاثة، واللاجدوى، طاقة سلبية مدمرة« أنا حاقد» حرب أهلية متجولة تنتقل من مدينة الى مدينة، ومن شارع الى شارع، ومن غرفة الى غرفة، نار ثلجية تتغلغل في النسج والالياف، وتستقر في العظام، مزيج من الكبرياء والضعة، مبالغة في التكريم والتجريح، نوسان بين التقرب والنبذ، انتقال من الشفقة الى الازدراء، كر وفر من البخل الى الاتلاف والهدر. أنا حاقد! هجوم على الآخرين، أعمق من المحبة والانصياع والقبول والخضوع، خروج عن العزلة المختارة، والغيتو، والعزل، تحد فعال في المطلق، ونفي للطبقة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، اعتراف بأنه اذا كان علينا أن نحمي أنفسنا من شيء، فقد يتوجب علينا أن نحمي أنفسنا من أنفسنا، وانه اذا كان هناك مخربون ومتطفلون وناهبون في كل مكان، فعلينا أن ننهب أنفسنا، وأن نتلف قوانا. ‏

ـ 7 ـ ‏

المفارقة أننا محاطون «بالعارفين» بالخاتمين الذين «يعلمون ما لانعلم» والمدركين «لبواطن الأمور» وهؤلاء يضعون رؤوسنا تحت المقصلة ويأمروننا بأن نتخذ أحد خيارين: إما أن نقبل حقائقهم، وإما أن نعمد بأننا جهلة أو مخربون، أو على الأقل «مواطنون غير صالحين» ينبغي بترهم، حتى تحقيق الازدهار الشامل. ‏

هل ستنتقل عدوى الفكر الفاتر الى مثقفينا عنوة أو بملء ارادتهم بعد أن رصهم الفكر الساخن في خنادق متخاصمة وحولهم الى قبائل متنابذة؟ يزعم أحد كهنة هذا الحراك أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر إلاّ بتكاثر منابر «الفكر الفاتر» وذيوع «الرخاوة» في المجابهات، خصوصاً بعد أن سقط الكثير من الشهداء، دفاعا عن السخونة والانتماء.. والاجابة عن هذا التساؤل لا تخلو من تعسف ولكن لامناص من الاجابة ولو بالصمت. ‏

د. غسان رفاعي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...