آن فيازمسكي: في مرآة فيلمها الأكثر شهرة «لا شينواز»

25-01-2012

آن فيازمسكي: في مرآة فيلمها الأكثر شهرة «لا شينواز»

نعرفها على الفور من شفتيها الممتلئتين, وخدودها المدورة, ونظرتها الثاقبة. «آن فيازمسكي» (Anne Wiazemsky) التي مازالت تحتفظ بخصالها الرقيقة وبشرتها الصهباء كما كانت منذ عشرين سنة خلت. لكنها تحاول أن تُفهِمَنا بأنها أصبحت «شخصاً آخر». وما قد حصل معها، مهما كان، في سنوات صيف عامي 1966 و1967 ، أو خلال ما تسميه «سنوات الكدح» التي تعيد عرضها لنا في كتابها الجديد، لن تبقى لها وحدها فقط، حيث تقول «آن فيازمسكي»: «الذكريات هي رواية بحد ذاتها». هذا ما قدمته لنا بالفعل في عصرنا الحالي. ابتداءً من رسوبها في البكالوريا، ودروس الفلسفة التي كان يعطيها إياها «فرانسيس جونسون» (1922 - 2009)، التسجيل في جامعة «نانتير» بصحبة «دانييل كون بينديت»، انتهاءً بالأهم، وهو لقاؤها بـ«جان لوك غودار» (Jean-Luc Godard) وزواجهما في سويسرا, وفترة تصوير فيلمها الشهير «لا شينواز» الصينية وحضورها لـ«مهرجان آفينيون السينمائي»...

منذ صدور روايتها «فتاة شابة» عام 2007 عن دار «غاليمار» للنشر أصبح القرّاء ينتظرونها. في بداية هذا العام صدر كتابها الجديد «سنةُ الكدح» وهو رواية فائقة الجودة تتحدث فيها عن بداياتها في عالم الفن والسينما عام 1966 كفيلم «دعها للمصادفة بالثازار» من إخراج «روبرت بريسون». ويمكننا العثور على بضعة سطور في الرواية عن لقاءها الأول بـ«غودار» والذي تحاشته في لقائنا هذا، حيث قالت بإيجاز: «إنها قصة أخرى». وأضافت: كنا عقلين متناقضين (وتتابع ضاحكة: ومازلت كما أنا، لم أتغير)، لقد نفرت «آن فيازمسكي» منه في البداية قبل أن يجذبها. وكانت قد أخذتنا برحلة عبر تاريخ والديها في كتاب «طفل برلين» عام 2009 لتحكي عن لقاء والديها «كلير مورياك» و«إيفان فيازمسكي» نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن ثم قدومها إلى الحياة. تقول (آن): لدي شعور دائم بأني أدور في حلقة مفرغة إلى أن أشعر بأني قد حوصرت تماماً، عندها فقط أكتب. ‏

لدى «آن فيازمسكي» جُمَلاً تصدر عن كاتبة بحق أكثر من أن تكون صادرة عن ممثلة سابقة. فمثلاً عندما تحدثت عن مسيرتها قالت: «كنت أشعر بالملل لالتصاقي بواقع غير موجود بأي شكل من الأشكال». الخيار كان بأن تندمج في سردها لأحداث واقعية مؤكَدَة. وتضيف: «أحداث كان بالإمكان أن تمرّ كما أرويها». ‏

لدى هذه المرأة الخجولة ذات العبارات المقتضبة والصادمة، حدس يجعلها متيقظة لردات فعل الآخرين، فقد سطرت لنا ببراعة مقاطعاً تخص أناساً قريبين منها: كـ«ناتالي» صديقة طفولتها وأخيها «بيير» الذي أصبح رساماً. وبالطبع تحدثت عن «أنطوان غاليمار» الذي كان شريك المراهقة وصاحب دار النشر التي نشرت لها الكثير من الكتب. أما «جان لوك غودار»، الذي انفصلت عنه, ولم يعد هناك أي تواصل بينهما، لم يستلم نسخة من الرواية. قالت «آن فيازمسكي»: «إن روايتي ليست رسالة موجهة له». ‏

الممثلة السابقة أصبحت اليوم كاتبة. تبدو عليها السعادة كونها استطاعت تقديم نسختها عن الأحداث من خلال غربال الذكريات، تقول (آن): أظن أن لدي ما أقوله عن قصتي، لهذا كتبت الرواية. وفيما يخص فيلم «لا شينواز» كانت شخصية «فيرونيك» التي لعبتها من ابتداع «جان لوك غودار»، بداية بما كنت عليه في الحياة وصولاً إلى كل ما جعلني أتحول إلى مناصرةٍ للماركسية اللينينية. ومن خلالي قدّم «جان لوك» فيلماً جميلاً. وأنا الآن أرجو أنني قدمت كتاباً جميلاً من خلاله. يبدو لي هذا رداً صادقاً. ‏

منذ بداياتها الأدبية، لم تشأ (آن فيازمسكي) أن تقترب من سيرتها الذاتية، لكنها دنت منها شيئاً فشيئاً. ربما لأنها تشعر بأن التحدث عن حياتها مسموح به، وأن موقعها ككاتبة لم يعد يقبل النقاش. فبعد ثلاث عشرة رواية، أثبتت أنها لا تكتفي فقط بامتلاك مادة روائية رائعة تحت غطاء ذكرياتها، لكنها امتلكت أيضاً الموهبة اللازمة لتصنع من هذه الذكريات عملاً أدبياً رائع النقاء. حتى ولو قالت: «أشعر بالغرابة دائماً عندما يقولون الكاتبة (آن فيازمسكي). ربما بسبب عائلتي...». وبعائلتها هنا تقصد بالطبع جدها «فرانسوا مورياك» الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1952. والذي أقامت عنده مع أمها وأخيها بعد موت أبيها عام 1962. ‏

كان أول كتاب لها بعنوان «فتيات مهذبات» الصادر عن دار «غاليمار» للنشر عام 1988. وكانت لاتزال تعمل في المسرح والسينما مع كبار المخرجين في ذاك الوقت. تقول (آن فيازمسكي): «لم يأتِ قراري باعتزال التمثيل فجأة، ولم أتخذ أية خطوة دون تفكير.... ولا أعرف فعل شيئين كبيرين في الوقت نفسه». ‏

رواية «سنة الكدح» ليست قصة شعبية في عصر الأساطير. هذه الرواية المفعمة بالحياة تعلمنا التحرر عن طريق الحب. دمجت فيها «آن فيازمسكي» كل ما سجلته لتقتلع من الماضي كل العقبات للوصول إلى السعادة وردت الذكريات إلى الشكل الذي يتوجب عليها أن تكون عليه. ورسمت لنا صورة لـ«جان لوك غودار» الفتى العاشق والساحر والمملوء بالمرح. ‏

عن صحيفة لوموند ‏

ترجمة: ديالى غنم- تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...