«مكنسيان الأسنان» منشار وكمّاشة وسيخ معدني

17-09-2010

«مكنسيان الأسنان» منشار وكمّاشة وسيخ معدني

غاب لثوانٍ، غسل يديه بالماء فقط، وعاد ليمسك وجهي بيديه اللتين كانتا، قبل ثوانٍ أيضاً، ممسكتين مكنسة شطف الأدراج.. أحسست بالرعب الشديد عندما أجلسني إلى طاولة عليها منشار وكمّاشة وسكين، ومسامير، وآلة حفر الخشب، ومقص، وأسلاك نحاسية، ووجبة أسنان جاهزة منقوعة في ماء أسود..
وبهدوء، وفي تلك الغرفة التي تقاسمناها أنا والطبيب «المدّعي» ورجلٌ آخر كان يغطُّ في نوم عميق، طلب مني أن أفتح فمي، ليلصق الأسنان في فجوات اللثة، قائلاً بالحرف الواحد «سنون سنون للزبون، لا وجع مثل وجع السنون»..

 «مكنسيان»
طبيب الأسنان «أبو شنطة»، أو مصلّح الأسنان «النَوَري»، أو «مكنسيان» الأسنان، ألقاب ثلاثة لرجل واحد، يتعدَّى على مهنة طب الأسنان، باتباعه أساليب في زراعتها وعلاجها بعيدة كلَّ البعد، ليس عن العلم والخبرة والتعمُّق في الاختصاص فقط، وإنما عن المنطق والمعقول  أيضاً..
فأدواته مجمّعة مِن هنا قطعة ومن هناك قطعتان، وآلة حفر الخشب من النجّار، والكماشة والمطرقة من الحدّاد، والأسلاك المعدنية من الكهربائي، في حين أنَّ مادته الأولية لصناعة الأسنان هي الطين.. طين الشوارع طبعاً، وليس الطين المُعالَج أو بودرة الطين!..
حيث يغربل هذا الرجل طين الشوارع من الشعر والأوساخ العالقة به، ليمزجه مع مادة «الأكريل البارد»، المُستخدمة في صنع الأسنان الصناعية، فيخلق بذلك أسنانه الطينية ذات القوام المتماسك واللون الأبيض.
ومِن ثم يتبع أسلوبه المتفرِّد في تركيب تلك الأسنان المحشوَّة بالطين، فإن كان الزبون فاقداً أسنانه كلها، يقوم «مكنسيان الأسنان» بنشر الأسنان الطينية داخل الفم على سيخ معدني، يدخله في العظم بواسطة المطرقة، بعد أن يعطي الزبون جرعة من المخدِّر فلا يشعر بالألم، ولكن يشعر بالسيخ وهو ينخر عظم الفك.. وأما في حال كان الزبون محتفظاً ببعض الأسنان الحقيقية، فإنّ المكنسيان يحشو في الفجوات مكان الأسنان المفقودة كتلاً من الطين الممزوج بالأكريل البارد، ويحاول تشكيلها بيديه «العاريتين من الكفوف الطبية» على هيئة سنّ، مستعيناً بمنشار قطع الأشجار المعمرة الكهربائي لإعطاء السن طوله المناسب وشكله الأقرب إلى شكل السن الحقيقي أو الصناعي الذي يتمُّ صنعه في المخابر..

 صدمة ألم
أطبّاء الأسنان وحدهم اكتشفوا السر أولاً، حين قصدهم الزبائن في حال يرثى لها، بعضهم يعاني صدمة ألميّة، وبعضهم الآخر يعاني هبوطاً في السكر أو ارتفاعاً في ضغط الدم..
فهذه الأسنان- بحسب طبيب الأسنان الاختصاصي سعيد مشنوق- تصبح في اليوم التالي على وجودها في الفم مصدر ألم وإزعاج لصاحبها، لعدم الانطباق التام في قبّة الحنك، ولتوضُّعها في أحيان كثيرة على جذر السن، متسبِّبة في حدوث عفونة أو خرّاج.. 
في حين يكشف الاختصاصي في طب الأسنان وجراحتها، إيلي فرح، عمّا هو أكثر خطورة من مجرد الألم والإحساس غير المريح، بأنَّ هذه الأسنان ذات الحواف غير المتطابقة والمواد مجهولة المصدر، تؤدِّي حتماً في حال بقائها لفترة أطول في الفم إلى تلف أنسجة اللثة والأربطة وعظم الفك حول السن، كون هذه المشكلات لا تكون ظاهرة في البداية، ولكن تتفجّر فجأة وبأضرار كبيرة.
الدكتور عماد عبود، وبحكم علاجه وإسعافه معظم ضحايا «مكنسيان الأسنان»، ذهب إلى ما هو أبعد، بقوله: «يمكن أن تسبِّب هذه الأسنان الطينية سرطانات لأصحابها».
فالزبون- بحسب الطبيب عبود- لا يشعر بألم في الساعات الأولى من توضُّع الأسنان في الفم، كونها لم تصل بعد إلى مرحلة التصلُّب، ولكن في الساعات اللاحقة ستتصلَّب حتماً هذه المواد وتنشر حرارة شديدة جداً تحرق الفم وتتسبَّب في ألم لا يحتمل، وهو ما يعرف بالصدمة الألميّة، ولكن عدم اللجوء في ذلك الوقت إلى الطبيب الاختصاصي والإبقاء على هذه العجينة الطينية في الفم لأيام إضافية، يعني أنَّ احتمالية الإصابة بالسرطان لم تعد مستبعدة أو مستغربة»..

 لا وجع إلا وجع الضرس
في عيادة طبيب الأسنان، أحدهم كان فمه ينزف دماً، وآخر تورَّم خده لكبر الخراج داخله، والاثنان يصرخان «خلّصنا يا دكتور كرمال الله». بينما منطقياً، يفترض أن يردَّ الطبيب على هذه الاستغاثة ليس بالعلاج وقلع السن فقط، وإنما بكلمة «مع احترامي الشديد أنتم أغبياء وجهلة»..
«الضحايا المغفّلون»، كما يسمِّيهم الطبيب عماد عبود، يدخلون العيادات بحالات إسعافية، لاسيما الأشخاص الذين يعانون في الحالة الطبيعية من أمراض الضغط أو السكري، فتزداد حالتهم سوءاً، هذا إن لم يصابوا بجلطات متأثِّرين ليس بسبب الالتهابات التي تسبِّبها المواد الطينية المتشكِّلة من مئات أنواع الجراثيم، بل وبسبب الإحساس بالحزن والغضب «والغباء» لأنهم وقعوا ضحية جهلهم واسترخاصهم السعر والصحة..
ولكن، ربما ما يشفع لهؤلاء الضحايا تسليم أفواههم لغير الطبيب المختص، هو كونهم ينتمون إلى جنسيات مختلفة، وهم غير مقيمين في سورية بشكل دائم وإنما سائحون في البلد.. أو ربما لأنَّ «مكنسيان الأسنان» ليس «قرباطياً أو نورياً» ورث تطبيب الأسنان وزراعتها عن آبائه وأجداده كما جرت العادة، وإنما هو شخص آخر تماماً، يملك عدة كاملة للنصب والإيقاع بالناس وإضرارهم..
 عدة النصب
يوجد في منطقة السيدة زينب في دمشق أكثر من 100 «مكنسيان أسنان» غير مستقرِّين في أماكن معيَّنة، ولكن هذا لا يعني صعوبة إيجادهم، فهم دائماً بين الأيادي، وجاهزون لتلقُّف الضحية واستجرارها إلى عياداتهم الخاصة..
تلك العيادات التي لو عزمت الجرذان والصراصير لتدخلها وتحصل فيها على أسنان بالمجان، لتعفَّفت عن دخولها واعتذرت عن العزيمة.. فكلُّ زاوية من زوايا العيادة مشغولة بشيء لا يمتُّ للنظافة والطب والإنسانية بصلة.. فهنا رجل نائم ويشخر، وهناك رجل وامرأة يتناقشان على الهمس في أمر ما، وفي الزاوية الأخرى طاولة العدّة (لا تدري أهي عدة البلطجة أم عدة الطبيب؟)، المبرقعة بقطع الدهان الناشف، وفي الزاوية المقابلة ستارة لونها الأساسي غير ظاهر لكثرة البقع، وهي معلّقة ليس لتُخفي المغسلة والحمام خلفها، وإنما ليمسح بها «المكنسيان» يديه بعد غسلهما بالماء فقط، وقبل مباشرته زرع السن..
ببساطة، مئات آلاف الجراثيم تلهو في تلك العيادة، ومن الصعوبة تحديد مصدرها الأساسي؛ هل هي الأدوات غير المعقّمة، أم اليدين، أم الأثاث المتّسخ، أم الأشخاص الداخلون والخارجون منها وإليها، أم هم النائمون، أم الداخلون إلى الحمام خلف الستارة، أو ربما مِن يدي الطبيب الذي يعمل في شطف الأدراج أو بيع البطيخ في وقت شحّ الزبائن؟..

 جرأة.. ووقاحة

عدّة النصب عند هؤلاء لاتكتفي بالتخفّي في أوكار غير ثابتة، بل تتعدَّاها إلى شراء وجبات أسنان جاهزة مصنوعة نظامياً من مادة الإكريل، التي يستخدمها أطباء الأسنان عادةً في التيجان المؤقّتة، ويعرضون تلك الأسنان على أنها هي الأسنان التي سيقومون بوضعها في الفم.. وأيضاً مِن وسائلهم في النصب والاحتيال على الزبون، إيقاف مجموعة من الأشخاص (معاونوهم) ذوي الأسنان الحقيقية النظيفة، للإيهام بأنهم هم مَن قاموا بزرع تلك الأسنان، وبأنَّ هؤلاء المعاونين هم زبائنهم القدامى، في محاولة لإقناع الضحية بأن تصدِّق وتكون الزبون اللاحق..
وأما أجرأ طريقة للنصب، فهي وقوفهم أمام عيادات أطباء الأسنان الاختصاصيين لاصطياد الزبائن القاصدين لتلك العيادات بعبارة «سنون سنون بـ1000 ل.س أحلى سنون»، كما أنهم يتمادون في وقاحتهم، ويدَّعون بأنهم متعاملون مع هذا الطبيب الاختصاصي، هم في الشارع وهو في العيادة، فيصدِّق الزبون وينساق إلى أكاذيبهم بقدميه..
وفي الفترة الأخيرة، بات هؤلاء يبحثون عن الزبائن- من السيّاح طبعاً- في الفنادق والأوتيلات، حيث يعقدون اتفاقاً مع بعض الموظفين أو المستخدمين في تلك الفنادق من غير علم أصحابها،  ليسمحوا لهم بالصعود إلى غرف النزلاء وطرق أبوابها وعرض خدماتهم، مقابل حصول الموظف على عمولة مغرية في كلِّ مرة يصعد فيها «المكنسيان» إلى غرف الفندق..

  مسجّل خطر
المعتدون على مهنة طبيب الأسنان يتكاثرون، وضحاياتهم في المقابل لم تعد بالمئات، بل بالآلاف، وهذا ما أكَّده الطبيب سعيد مشنوق؛ أنه حتى اليوم استقبل في عيادته في منطقة السيدة زينب 1000 ضحية، عدا عن أولئك الضحايا الذين غادروا البلاد حاملين ألمهم في أفواههم..
 وفي الوقت نفسه، يغيب التعاون بين مديرية الصحة بصفتها الجهة المسؤولة عن قمع هذه الحالة وعناصر الشرطة للقبض على هؤلاء الأشخاص الذين لا يتلاعبون في صحة البشر فحسب، بل ويسيئون إلى سمعة سورية السياحية والطبية..
وأيضاً عندما يعطي وجود النصّابين من مستوى خطر كهذا للسائح انطباعاً سلبياً عن أطباء سورية بأنهم غشاشون، وعن مواطنيها بأنهم ساذجون..

«سنون سنون»
كانت تلك الفجوات السوداء في فمه تخيفه كلما ناظرها في المرآة أو في عيون الناس، لذلك قصد الحكيم «أبو شنطة»، الذي لم يقصِّر في تلبيته، وأزال علّة القبح التي عانى منها 10 سنوات بأقل من 30 دقيقة، وأعاد فمه إلى الحياة، منحه من جديد نعمة الضحك والتلذُّذ في الأكل والتحدث مع الناس..
ولكن، تلك النعمة البشرية، لم تكن أبدية كما وعد الطبيب، بل فارقته بعد أقل من يوم واحد، وأخذت معها صبره على الألم، إذ غاب عن الوعي، وأصابه هبوط في السكر..

التهاب كبد 
غالبية الضحايا هم أبناء الجيل الماضي، فالشباب لا يؤمنون بشطارة «مكنسيان الأسنان» كما أنهم وصلوا إلى مراحل تعليمية تمنعهم من التعامل مع غير أهل الاختصاص..
وطبعاً الدافع المادي هو ما يجعل الكثيرين يلجؤون إلى المكنسيان من أجل الحصول على العلاج وتركيب الأسنان أو تصنيع بدل الأسنان، فحيث يدفع الزبون عند الطبيب آلاىف الليرات لا يكلِّفه العلاج لدينا أكثر من 500 ليرة».
ليتهم يستخدمون مواد منتهية الصلاحية أو من ماركات غير جيدة، ما يؤدِّي إلى عمل غير متقن وليس إلى إنتانات والتهابات، حيث تعدُّ عملية السيطرة على الجراثيم والإنتانات أساس نجاح أيّ معالجة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في العيادات، خاصة أنَّ نقص العقامة يؤدِّي إلى انتقال الأمراض، وخاصة مرض التهاب الكبد الوبائي».

 زراعة الأسنان
تعدُّ عملية زراعة الأسنان أو غرس الأسنان ثورة بالفعل في عالم طب الأسنان الحديث، لأنها تعيد الأسنان التي فقدت على مر السنين وتعيد إلى الفم الابتسامة والجمال الضائع، وأيضاً تعيد عملية المضغ الطبيعي للطعام، ولا يخفى على أحد كم تؤثِّر عملية المضغ السليم في هضم الطعام وفي الصحة بشكل عام.. وبالإضافة إلى أنَّ زراعة الأسنان تحافظ على عظم الفكين من الامتصاص والضمور، تعدُّ زراعة الأسنان من أهم التطورات العملية والتكنولوجية التي توصَّل إليها مجتمع طب الأسنان في هذا العصر, ويمكن أن نعرِّف زراعة الأسنان عموماً بأنها إجراء تعويضي للسن المفقودة أو المقلوعة والذي يحدث بسبب التقدم في العمر أو التسوس المهمل أو بسبب حادث أو إصابة ما أو لأي سبب آخر..

دارين سليطين

المصدر: بلدنا

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...