حنا مينة: التصعيد بين نزار قباني والياس أبو شبكة

10-07-2010

حنا مينة: التصعيد بين نزار قباني والياس أبو شبكة

إن الذين غدوا بلبّك غادروا

وشلاً بعينك ما يزال معيناً ‏

غيّضن من عبراتهن وقلن لي: ‏

ماذا لقيت من الهوى ولقينا ‏

بعيداً عن التناص وأخواته، وعن قاسم أمين وموقفه من المرأة، أجد أن التصعيد كان أحد المرتكزات، بل المرتكز الأساس، في شعر نزار قباني والياس أبو شبكة، مع الفارق الكبير بينهما في المسائل الأخرى، السياسية والاجتماعية والنشأة البيئية بين هذين العبقريين، وهذا الأمر يؤكد أن الأغراض الشعرية التي أرغب في الكلام عليها، وتدور حول المرأة، في مذاق حلو، شفيف، رائع، حتى في الاختلاف بينهما، من حيث استخدام الحَرقَ المقدس، في وصف المرأة التي هي كالإبداع، بل الإبداع نفسه، في استعصائه على الوصف والتوصيف، مهماً كالتفتّن محيطياً في السعة، دقيقاً في الارتفاع نحو المجرة، لوضع الأنثى في إطار معين من ذهب، كونها هي الذهب، وهي التي في الإبداع موضوع الإبداع، أزلاً أبداً، والتحية لعنترة العبسي الذي قال: (هل غادر الشعراء من متردّم؟!)وتبين، ومن زمن المعلقات حتى اليوم، أن الشعراء قبله وبعده، غادروا الكثير الكثير، ولولا ذلك ما كان نزار قباني، وما كان الياس ابو شبكة، وما كان صاحب الشآميات التي تغنّت بها فيروز، فطربنا حتى السكر، بالقصيد، وبالصوت معاً ولما نزل، وسيبقى ذلك الطرب إلى ذرارينا، والى مدى، هو الأبعد من الظن!. ‏

قال الياس ابو شبكة: ‏

سئمت من الأحلام في جسد ‏

مل العفافَ بألوان من الألمِ ‏

وقال نزار قباني: ‏

خلعت أثوابها عنها فما اكترثت ‏

كأنها يئست مني ومن خطري ‏

من حيث العمر، لم يعمّر هذان الشاعران مثل زهير بن أبي سلمى، ولم يسأم كلاهما المرض، خبيثاً أو غير خبيث، ولم يبلغا، مثل ابنتي التي ماتت بالسرطان وهي مراهقة، أن يكونا حمامتين زرقاوين في السحب، لكنهما تعجلا في الرحيل فقط لا غير، لأنهما، وهنا النقطة المركزية، عاشا الحب تصعيداً، واعترفا بذلك، شعراً ونثراً، غير هيّابين في إعلان الحقيقة التي لها طعم الحقيقة، بعد أن أدركا أن الحياة قاسية، شقية، ولذلك قال أبو شبكة يخاطب المرأة : (قولي له (أي لطفلها) هذه الأيام مهزلة وليس إلا لمن ينتشي بها الغلب!). ‏

إن (الكف) في علم النفس هو الارتخاء، أو فقدان القدرة على الولوج الحقيقي، بحيث ترضى الأنثى، زوجة كانت أم عشيقة، ونزار كان شجاعاً في اعترافه ( خلعت أثوابها عنها فما اكترثت كأنها يئست مني ومن خطري) وربما كان في الخمسين عندما قال: (لا تقنطي أبداً من رحمة المطر، فقد أحبك في الخمسين من عمري) أي كان تواقاً إلى أنثاه، لكنه عاجز عن وصالها، فماذا يفعل؟ لاشيء طبعاً، ومن الجائز أن يكون هذا الواقع، الذي أفصح عنه في شعره، قد جرى مع غيره وليس معه بالذات، غير أن الأمر، في الحالين، يبقى تصعيداً، وكم من رجال، في البيئة الشرقية والعربية تخصيصاً، يصعّدون أشواقهم من الحرمان، أو بسببه، وكم من شباب يحلّون عقدهم الجنسية على ركبة هذه المرأة أو تلك، إذا ما صار وانكشفت هذه الركبة البضّة لهم!؟. ‏

لست في وارد الكلام على الكبت، وما يعاني منه الرجال والنساء، ففي كتب علم النفس المترجمة إلى اللغة العربية، صفحات لاعد لها عن هذا الموضوع، وما أشرت إليه تلميحاً أو تصريحاً يكفي، لأن القصد من هذه المقالة، محدودة الحجم، وفي جريدة يومية، أن أقارب موضوع التصعيد عند شاعرين كبيرين، مشهورين، رحلا عنّا إلى الملأ الأعلى، فخسر الإبداع العربي في رحيلهما المبكر، كنزاً ثميناً. ‏

يبقى أن هذين الشاعرين، قد فتحا لنا الباب المرصود، منذ زمن بعيد في تاريخنا الحديث، فدخلنا المغارة على عجب ولا عجب، لأن الأشياء طبيعية تماماً، فالباري تعالى عندما خلق آدم، وجد المعادلة ناقصة، فنسل، كما في سِفْر التكوين، حواء من ضلع آدم، وبذلك كان التناسل والتكاثر، وكانت الذراري التي نحن منها حتى الآن، وغداً وبعده!. ‏

يقول الجامعة في سفره: (الحزن خير من الضحك، لأنه كآبة الوجه يصلح القلب) فشكراً يا سيدي (الجامعة) على هذه النصيحة، لأننا قُتلنا كآبة، فالفرح عندنا، وفي كل عالمنا الثالث، قصير جداً، والحزن طويل جداً جداً، وكلمة (أمان) زادنا اليومي، وقد بشمنا منها، وما (تفنى العناقيد) ولعل الحزن، وهذا شبه مؤكد، يسهم في بلية التصعيد، ومن الحرمان، والكبت، وخيمة السترة التي نتفيؤها خوفاً من الشمس، ما يدعونا إلى التمرد على المألوفات الكثيرة في حياتنا، ومن العادية التي علينا أن نقتلها، والنصائح والمواعظ التي تكاد تموت غرقاً في مستنقعها، وقد كان إلياس أبو شبكة على حق حين قال عن أيامنا هذه (إنها مهزلة) وقال للمرأة: ‏

ولا تخافي عزولاً فالعزول مضى،/ والعصر سكران، يا أخت الشقا، تعبُ ‏

ونحن جميعاً، سكارى من الشقاء، والتعب، والعزّال، والأعداء، والضغوط، والافتراءات، إلاّ أن سورية ولها تاريخ في النضال، صامدة لكل هذا، وقادرة على صد كل هذا، وإن الاستعمار الفرنسي كان يصب كل بلاياه، وكل أسلحته، وكل رصاصه، كنا ننشد: ‏

الشام لا ترتجع ولو مالت عليها جبال/ ورصاص زخّ المطر مالت عليها جبال ‏

والشام، يا إخوتي، لا ترتجع ولو كان الرصاص مطراً وجبالاً. ‏

هذا القصيد الشعبي، الصادق، الذي نبت من شجاعة، وثبات، وصمود سورية، فيه عبرة للآخرين، كل الآخرين، الذين يظنون ان قعقعة أسلحتهم، في كل صنوفها، تجعلنا نشيل من أرجلنا التي أثبتناها في الصلب من النقع وقلنا لها: (من تحت أخمصك الحشر). ‏

إن سورية ليست منبراً للقلم وحده، بل للسيف معه، ومن عناق القلم والسيف، في كل ديارنا، كان الشرر الذي أشعل الثورات حمراً حتى (جلونا الفاتحين) وجنت بالاباء الزغاريد وكان في السبق، لنا السبق في إجلاء المستعمرين، واستقلت سورية قبل البلاد العربية كلها مشرقاً ومغرباً، هذه الهبوة تصعيداً، تعيدنا إلى التصعيد صبابة، فالشعر يشيل بأشواق الرجولة، حقيقة أو مجازاً، وأفترض، اجتهاداً، أن نزار قباني وإلياس أبو شبكة قد صعّدا في بعض، كي لا أقول في كل، ما تغزلا به شعراً بالمرأة فلم تكن هناك بيادر حلمات ولا لظاك في جسمي وثأري في فمي، وإنما كان هناك حرمان، أو بعض حرمان، تستر بالإشقاق حينا (وحق طفلك لم أشمت بامرأة / زلّت بها قدم أو غرها ذهب)، وبالتباهي حينا آخر (فاستمتعي بالحضارات التي بقيت على شفاهي، فإني آخر الحضر) وهذا ليس عيباً، أو مذمة، أو مدحاً أو قدحاً، بل إنه انبثاق حرمان، في عالم محروم، الجنس فيه كائن، وممارس، ولكن ليس بطريقة قويمة، صحية، صائبة في كل حالاتها. ‏

يبقى أن شعر نزار قباني وإلياس أبو شبكة، هو الشهد في التذوق، والسحر في البيان، والسكرة في فم الطفل، والعذاب في الفكر الذي صاغاه شعراً، وصلاة، وقرباناً، وعذاباً: ‏

اسجدي لله يا نفسي فقد وافى المغيب / واستريحي من عناء الفكر فالفكر رهيب ‏

لكننا نحن المبدعين العرب لا نريح ولا نستريح، ولا نقضم التفاحة المباركة، ولا نعرف سر الأفعى مع حواء، ولا سبب رسمها على واجهات الصيدليات، وليس عندنا محميات للأفاعي، ولا اختصاصيون في استقطار سمِّها، بل نردد بغباء: ‏

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها / عند التقلّب في أنيابها العطب ‏

أو ‏

إن في الحسن يا دليلة أفعى / كم سمعنا فحيحها في سرير! ‏

لأن السرير، في الحرمان الذي نعانيه، هو المبتدأ والخبر، ثم نقطة على السطر ‏

حنا مينه

المصدر: تشرين


إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...