كي لا تتحول طرقاتنا إلى مختبر لـلتوابيت المتحركة

29-08-2010

كي لا تتحول طرقاتنا إلى مختبر لـلتوابيت المتحركة

توفي في العام 2009 أكثر من 2289 مواطناً سورياً، بمعدل 6 أشخاص كل يوم، نتيجة حوادث السير. ووفقاً لإحصاءات إدارة المرور، وقع أكثر من 30 ألف حادث، بمعدل 3 حوادث في الساعة، نتج عنها 14941 جريحاً. وبعيداً عن الأسباب المباشرة لهذه الحوادث (السرعة الزائدة، والظروف الجوية، والحفر الطرقية، وعدم الانتباه والشرود والاكتئاب) فإنَّ لنوعية السيارات ومدى مطابقتها لشروط السلامة والأمان المتعارف عليها عالمياً دوراً رئيساً في هذه الحوادث.
ويمكن إضافة انعدام الثقافة المرورية لدى السوريين (مسؤولين ومواطنين) كعامل آخر في زيادة الموت على طرقاتنا.
  هل صحيح أنَّ السيارات التي تدخل سورية عبارة عن «توابيت متحركة» ممنوعة من الدخول إلى الأسواق الأوروبية، وهل صحيح أنَّ التجار والوكلاء يسترخصون ويتنازلون عن عوامل السلامة والأمان حتى للسيارات غالية الثمن، مثل وسادة الهواء وفرامل ABS وغيرها، من أجل تسويق السيارة بأسعار منخفضة؟!.. تساؤلات تسهل الإجابة عنها بالنظر إلى سوق السيارات السوري وما يعجّ فيه من أشكال وألوان لسيارت أقلّ ما يُقال عنها إنها «خردة» المعامل الآسيوية أو مقابر المعامل الأوروبية.
تتقاسم كلّ من هيئة المواصفات والمقاييس ووزارة الاقتصاد ووزارة النقل ومديرية الجمارك المسؤولية عن مواصفات السيارات المستوردة.. إلا أنَّ هيئة المواصفات تلقي المسؤولية على وزارة النقل لأنَّ مهمتها التشريع، ووزارة النقل تقذفها إلى وزارة الاقتصاد والمؤسسة العامة للتجارة الخارجية لأن مسؤوليتها المراقبة والتدقيق في شهادات المنشأ التي تضعها الشركة الأم ووزارة الاقتصاد في سبات منذ اعتماد المواصفة رقم 3046 في العام 2004 الصادرة عن هيئة المواصفات والمقاييس السورية كمواصفة قياسية وطنية تسري عليها أحكام قانون الغش والتدليس في جميع الحالات المخالفة لها، ووضعت في التنفيذ منذ 29/06/2005. إلا أنَّ هذه المواصفة لا تفرض أيّ عامل من عوامل السلامة والأمان، ولا تشترط أي معايير مستخدمة في أيّ بلد يخاف على سلامة مواطنيه، بل تنصح بوجودها تحت بند «يفضل!!»؛ حيث يفضّل استخدام نظام مكابح مضاد للتماسك (ABS)، ويفضّل تزويد مجموعة العادم بأجهزة مكافحة للتلوث، ويفضل وجود وسادة هوائية، ويفضّل وجود مقود.. وتُرك تنفيذ هذه المواصفات لضمائر التجار والمستوردين؛ حيث تعتبر هذه المواصفات القياسية،  بالإضافة إلى قرار فتح الاستيراد وإلغاء حصرية الوكالة، سبباً مباشراً في فتح السوق السورية أمام أنواع لا تعدّ ولا تحصى من السيارات.
إذاً المواصفات السورية مثل قلّتها لا تفرض ولا تشترط بل تفضل؛ فهي وضعت الحدّ الأقصى من وزن السيارة، لكنها لم تتحدّث عن أيّ حدود دنيا لوزن السيارة، في حين يؤكد مجلس السلامة العالمي للمركبات أنَّ حجم السيارة ووزنها هما المعيار الأكثر أهمية.
 «صينية وعلى الطلب»
يكشف الصحفي والمحلل الاقتصادي عدنان عبد الرزاق معلومة غدت مألوفة في الشارع السوري: «إنَّ سورية تعدّ المستورد الأول للسيارات الصينية، ولكن ذات الأسعار الرخيصة والمواصفة المتواضعة وإن لم أقل السيئة؛ لأنَّ الصين تعتمد تصدير منتجات حسب الطلب والسعر (أي تصنّع سيارات بمواصفات عالية للسوق الأوروبية لكنها تطرح في السوق السورية مواصفات أخرى غير المواصفة الأوروبية). ونأخذ الصين مثالاً لندخل في موضوع السيارات بشكل عام. وأعتقد أنَّ سورية منذ العام 2002 ألغت حصرية الوكالة؛ ما يعني أنَّ التجار بمقدورهم استيراد سيارات من دول الجوار أو بلد المنشأ. وهذا فتح المجال ليغرقوا السوق السورية بسيارات ممنوع إدخالها إلى السوق العالمية. وسورية هي التي تطلب سيارات بمواصفات معينة. وهذه السيارات تزيد أرباح الوكلاء، وتناسب أصحاب الدخول الضعيفة.. إلا أنَّ الوكيل يأتي بسلع أكثر ضمانة من التاجر، لأنها من الوكالة حصراً وفيها ضمان وعوامل أمان».

  سيارة دفن الموتى
الأخطار التي تشكلها السيارات على سلامة من في داخلها تأتي من عدة مستويات. فتلك السيارات رخيصة السعر صنعت للمسافات القصيرة داخل المدن والشوارع الضيقة؛ يقول خبير تجارة السيارات إيليا عطية: «لا يوجد أيّ قانون يلزم المستورد بشروط الأمان. وحتى السيارات الحديثة والغالية تأتي أحياناً دون وسادة هواء أو فرامل ABS ودون أيّ مانع من قبل وزارة الاقتصاد والتجارة، بينما في أوروبا هناك فحص سلامة حيث تجرب السيارة وتصدم بجدار جانبي وأمامي. والسيارات التي لا تحقّق نسبة من عوامل السلامة لا تستورد. وهناك سيارة صينية منعت في أوروبا. فالسيارات الصينية والإيرانية الرخيصة، بحسب عطية، هي سيارات قديمة معاد تدويرها بدلاً من إلقائها».
ويقول عبد الرزاق: «إنَّ السيارات الرخيصة تسير في الطرقات السريعة بين المدن، رغم أنها مصممة للتنقل البسيط. ولا يوجد في سورية مواصفة محددة للسيارات التي تدخل، ولا شروط سوى عدم السماح باستيراد السيارات المستعملة، وأنا ضده؛ لأنَّ سيارة ألمانية عمرها 5 سنوات أفضل من سيارة جديدة صينية. ولكن لصناع القرار نظرة معينة قاسوها على مقياس الآلات، رغم السماح مؤخراً باستيراد الآلات المستعملة لأكثر من 5 سنوات».

  البحث عن الأرخص
سبب استيراد السيارات دون عوامل أمان يعود، بالإضافة إلى غياب القوانين، إلى البحث عن الأرخص. والسبب عدم القدرة التسويقية على بيع السيارة وترويجها إلا إذا قلّ سعرها. لذلك السيارات الرخيصة هي سيارة غير مؤهلة لحماية الراكب، بحيث يجب أن تكون مطابقة لمعايير السلامة العالمية الثلاثة وقياسات مقاومة السيارة للحوادث. وتلك مهمة وزارة الاقتصاد بأن تشترط على الأقل واحدة من تلك المعايير الثلاثة. فالتاجر أحياناً يأتي بأيّ سلعة وأيّ ماركة «ستوك»، كما أنَّ هناك خطأ ولادياً أو تصميمياً في بعض الماركات تؤثر على موضوع السلامة، وعلى الوكيل -والكلام لعطية- تصحيح الخطأ لأنه مفروض عليه التغيير، ولكن في النهاية التاجر والوكيل تهمه مصلحته.
ويتساءل عبد الرزاق: لماذا لا يسمح باستيراد السيارات المستعملة أكثر من 5 سنوات، رغم أنَّ بعضها ذا جودة عالية وتؤمن سلامة العنصر البشري، وأيضا أفضل من جهة التلوث البيئي ومن جهة استهلاك الوقود وأيضا لجهة القطع التبديلية التي تتطلب آلاف الليرات في السيارات الرخيصة التي تحتاج كل فترة إلى إعادة تأهيل. أما السيارات الأمريكية فنسبة اهتلاكها 1 % والألمانية 5 % واليابانية 10 %، بينما الصينية أو الكورية فنسبة اهتلاكها عالية جداً.

  ثغرة 
هناك ثغرة، بحسب عبد الرزاق، وهي عدم السماح بإدخال السيارات التي يزيد عمرها على 5 سنوات. ويجب تحديد نوع السيارة وجودتها، وليس عمرها فقط. وصناع السياسة الاقتصادية يجب أن يلحظوا الخسائر في الاقتصاد والأرواح والتلوث البيئي للسيارات الرخيصة التي لا تسمح بقية الدول بإدخالها إلى أسواقها.

بلد المنشأ
وكيل أحد الماركات أكّد أنَّ عدم توافر عوامل السلامة ليس المشكلة الوحيدة؛ ذلك أنَّ أنواعاً من السيارات تدخل إلى البلد تعاني من أعطال في التصميم من بلد المنشأ، نتيجة حداثة هذه الشركات في مجال تصنيع السيارات. ومن هذه الأعطال: الدوزان، ودعسة الفرام، وديسك الدبرياج، وأعطال في علبة السرعة، بالإضافة إلى وجود عمر افترضي للسيارات الرخيصة (الآسيوية أوالهندية أوالأوكرانية) وقد لا يزيد على 5 أو 10 سنوات.

عمومي
عدنان دخاخني (مدير جمعية حماية المستهلك) يبيّن أنَّ «الخطأ في البداية من الحكومة واللجان الفنية، وغياب قوانين ناظمة لشروط وجودة السيارات المستوردة. وليس لدينا خبرات فنية حول هذه السيارات، لكن يجب أن تكون ذات مواصفات معينة، لاسيما للسيارات العمومية التي تحمل ركاباً وتسافر بين المحافظات».

كيان جمعة

المصدر: بلدنا

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...