الحب الغامض تحت مجهر العلم

19-03-2007

الحب الغامض تحت مجهر العلم

"يا قلبي يا خالي، جاوب عن سؤالي، مشغول من إيه وشاغلني ليه؟"، يغني المطران الراحل عبد الحليم حافظ بصوته المفعم بالعاطفة. "ما يكونش يا قلبي اللي بيجرى لغيرك هو اللي جرالك..."، يتابع وهو يذوب حناناً، فيما تعابير وجهه توحي الرجاء. انه الحب. هذا "الساحر الماكر" أحياناً، الذي من أجله تنقر اليد خصلة الشعر في الهواء بدلال مبالغ فيه، وتؤلّف المعدة لحناً خاصاً بها وهي تنعصر من شدة القلق، وينقبض الصدر شوقاً، و"يروي" العقل هواجسه التي لا علاقة لها بالواقع. عبد الحليم "ينوح" بلذة، والعاشق يعيش في عالمه الخاص...والعلم يهتف بثقة: انها الهورمونات لا غير!
فما هي العوامل التي تجعل القلب يخفق بسرعة؟ ولماذا نلعب دور المراهق الساذج أحياناً عندما نخوض العلاقات العاطفية؟ وما الذي يجعل أكثر العلماء منطقياً،عاشقاً تائهاً اذا ما اقتحم الحب حياته؟ هل الحب جنون موقت؟ فعلاً، هكذا تلخصه الباحثة في علم الإنسان، هيلين فيشر، التي كان للحديث معها عبر الهاتف الى نيويورك رونقه الخاص.
فهي تدرس الحب منذ أكثر من 30 سنة، ولها حكايات وحكايات من شأنها أن تخفف لوعة العاشق الذي تتحول لحظات الانتظار، بالنسبة إليه، ساعات لا تنتهي. تقول فيشر انها بعد الأبحاث المكثّفة والسنوات التي أمضتها برفقة "الولهانين"، صارت تضع الرومنسية في خانة الغرائز. وهي غريزة توازي غريزة الجوع الى "سُلطة". الحب لا ينبع من الأحاسيس بل هو "ديناميّة" تتفوق بقوتها على الرغبة الجنسية التي من الممكن أن نشعر بها حيال أكثر من شخص. الحب، الذي من أجله نخوض أشرس المعارك النفسية مع أنفسنا، ومن أجله ايضاً نوظّف مخيلتنا وأحاسيسنا، نكتب الروايات ونعيش جحيم الغيرة، مؤلف من ثلاثة أجزاء: الرومنسية، الرغبة الجنسية، والتعلّق. وربما أن يكون "هذا النظام" قد تطوّر في عقل الإنسان ليساعده على إنجاب الأولاد! هورمونات تساعدنا في "تحمّل" الشريك حتى ننجب الأولاد؟ لسوء الحظ ، هذا ما تزعمه هذه الباحثة التي يكثر الحديث عن نظرياتها في العالم. عندما نكون في حالة رومنسية نتأثر بتصرفات الشريك حيالنا. إذا أحسن تصرفه معنا نحلّق سعادةً، وإذا تجاهلنا، تتعب نفسيتنا وغالباً ما يكون رد فعلنا غريباً. وكأن الشريك يصبح المسؤول الأول والأخير عن مزاجنا. أما عندما نتعلّق بالشريك، فإننا نكون، بحسب فيشر، قد تخطينا مرحلة المشاعر الوردية، وتحوّل الشعور بالشغف المجنون (الذي قد يترافق مع الشعور بالرغبة الجنسية)، الى شعور بالاطمئنان والأمان. نشعر عندئذٍ بأن عواطفنا المتأججة والمشحونة، قد هدأت. وفي هذه المرحلة تحديداً، نرى الشريك على حقيقته، ويتحوّل إنساناً ضعيفاً مثلنا، له أخطاؤه ولحظاته "الشريرة".
بعد انتقالنا من مرحلة الرومنسية الى مرحلة التعلق الهادئ، نقلب صفحة في الكتاب الذي يروي قصة حبنا، وننتبه اذذاك إلى مسألة مهمة، هي ان الآخر ليس بطل رواية بل هو إنسان عادي.
إكتشفت فيشر التي يتخلل الحديث معها الكثير من الضحك، أن بعض الأجزاء في الدماغ تفقد فاعليتها الكيميائية فترة، ولهذا السبب يقال عنا أحيانا اننا "عميان" ولا نغض الطرف عن أخطاء الشريك فحسب، بل نحوّلها "ملحمة شاعرية"! وتمتد هذه الفترة من سنة الى سنتين، ويبدو ان هذه طريقة الدماغ في تسهيل مهمة وقوعنا في الحب لكي "يضمن" اننا سنتزوج وننجب. عندما نكون في مرحلة الرومنسية، يتسلّم هورمون:"الدوبامين" قيادة الدماغ. وفي هذه المرحلة تصعب السيطرة على أحاسيسنا. ولهذا السبب ترى فيشر ان هذا النظام العصبي هو أكثر الأنظمة التي تطورت في النظام البشري قوةً. وفي هذه المرحلة تحديداً نصبح أكثر عرضة للاكتئاب إذا أصبنا بخيبة لأن طاقتنا تكون مركّزة على شخص واحد . ربما أصبحنا متملّكين أو لجأنا الى تحليل كل كلمة يقولها الآخر وكأن حياتنا تتعلق بها. ولأن حركة هورمون "الدوبامين" في الدماغ تكون في أوجها، نسمع أحياناً عن الجرائم التي ترتكب باسم الحب. ماذا يحدث عندئذٍ؟ يتحول الحب هاجساً وتنتقل الأحاسيس من الحزن الى الغضب المَرَضي. ومن هذا المنطلق وجدت فيشر وفريق عملها أن على العاشق أن يتعامل مع الفترة التي تكون فيها الرومنسية في قمتها، وكأنه مدمن، لأنها اكتشفت بعض النشاطات في الدماغ التي ترتبط بإدماننا الشوكولا مثلاً.
أما حين نكون في مرحلة التعلّق، فإن هورمونيّ VASOPRESSIN و OXYTOCINE يعطياننا هذا الشعور بالرضا ويحق لنا عندئذٍ أن نتباهى بأننا وجدنا الأمان وصارت "هوايتنا" المفضلة "الكنكنة" الى جانب الحبيب. هورمون الـOXYTOCINE يتضاعف عندما نمسك بيد الحبيب الذي صار في مرحلة التعلّق "مشروع" رفيق الدرب، أو حتى إذا نظرنا في عينيه طويلاً، أو إذا لَمَسنا. أما لماذا نختار هذا الشريك وليس غيره، فالسبب يعود، كما تقول فيشر، الى التوقيت، اذ غالباً ما يكون علينا أن ننتظر الوقت المناسب الذي نصبح فيه جاهزين لإعطاء الحب والتلذذ به قبل أن نقرر خوض مغامرة الزواج. أضف الى ذلك اننا غالباً ما نزرع في لاوعينا ميزات نريد أن نجدها في الشريك، وغالباً ما نكون قد تأثرنا على نحو إيجابي أو سلبي بالأهل وبالمحيط. ومن هذا المنطلق فإن الدماغ يعطينا الإشارة للوقوع في الحب ما أن يلمس هذه الميزات في شخص أو في آخر. " عندما يكون التوقيت مناسباً، غالباً ما نقع في حب من يكون قريباً منا أو جزءاً من حياتنا". أما لماذا نعشق الذي هجرنا أو من "دمرنا" من دون ان يلقي نظرة على ألمنا، فلأن منطقة الـNUCLEUS ACCUMBENS في الدماغ "تضخّ"، في هذه الحالة، كميات هائلة من "الدوبامين"، والنتيجة اننا لا نتعذب إذا ما هجرنا الحبيب فحسب، بل يتضاعف حبنا له ونتأثر جسدياً، اضافة الى تأثرنا النفسي.
هورمونات ونشاطات "مشبوه فيها" في الدماغ... يبدو ان علينا إعادة النظر في قصة حب قيس وليلى وروميو وجولييت!

هنادي الديري

المصدر: النهار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...