عندما يتحوّل «فيسبوك» إلى وسيلة للوعظ والتخويف

14-03-2012

عندما يتحوّل «فيسبوك» إلى وسيلة للوعظ والتخويف

قد يحدث أن تفتح حسابك الشخصي على الـ«فيسبوك»، لتجد رسالة من شخص لا تعرفه، وتتضمّن الرسالة دعاء دينيا أو نصيحة تدعوك إلى الانتباه إلى الأمور الدينية. وإذا كانت مستعملة الـ«فيسبوك» امرأة عربية وتضع صورة شخصية وهي غير مرتدية للحجاب، فلا غرابة أن تتلقى هي الأخرى رسائل تتضمن آيات قرآنية، و«نصيحة» تدعوها إلى «الحجاب قبل الحساب». مبرر باعثي هذه الرسائل الدينية هو رغبتهم في القيام بعمل ديني، يحصلون من خلاله على «الأجر الديني والحسنات بنقرة زر»، حسب ما يقولون في هذه الرسائل.
وإذا كان الـ«فيسبوك» وسيلة للتواصل ونقل الأخبار، فإنه تحوّل أيضاً الى وسيلة للوعظ الديني الذي يتضمن أحياناً التخويف والتهديد بعذاب في الدنيا والآخرة، بل وقد يصل الأمر إلى التعدي على الحريات الشخصية للفرد.
الكاتب المغربي عبد النبي داشين يعتبر ان هذا سلوك غير لائق وغير أخلاقي لأن فيه نوعاً من التهجم على الحياة الخاصة للناس ومن الناحية الأخلاقية لا يحق لأحد أن يتطاول على حياة الآخر. وعلى الصعيد العقائدي والديني يقول داشين، وهو الذي فقد أخاه في تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية في سنة 2003: «العقيدة شأن وجداني بين الإنسان وخالقه، وتجليات هذه الممارسة يمكن قراءتها في إطار صيرورة الهجوم على الحريات الشخصية وأيضاً التوظيف السياسي وغير المجدي للدين في الحياة اليومية. هذا أمر لا يمكن قبوله من الناحية المبدئية».
اضحى الـ«فيسبوك» في السنوات الأخيرة ملكاً لكل الناس، بمختلف الحضارات والديانات والتيارات الفكرية. غير أن «الفيسبوك ليس وسيلة اتصال عادية»، كما تقول ماريا روتينغر، صحافية وباحثة ألمانية كانت قد أنجزت دراسة حول قوة تأثير الـ«فيسبوك» في حملات التعبئة السياسية. وتقول روتينغر: «بالتأكيد للـ«فيسبوك» قدرة تأثيرية مقارنة بوسائل الاتصال القديمة، فعندما تنشر مساهمة معينة على صفحتك، فإنك تخبر الكثيرين من الأشخاص بهذه المعلومة بنقرة واحدة، ولا تحتاج أن تتصل بكل واحد على حدة».
وإذا كان بعض الأفراد يقومون بإرسال رسائل دينية فردياً، فإن هناك طريقة جديدة تفرض على مستعمل الـ«فيسبوك» أن يتواجد في مجموعة، ذات توجّهات دينية أو سياسية معينة، بحيث يقوم أحد أصدقائك بإدراج اسمك في إحدى هذه المجموعات من دون الرجوع إليك، وأحياناً كثيرة دون موافقتك. حتى يجد المرء نفسه عضواً في مجموعة ذات توجهات أيديولوجية متباينة بل ومتناقضة، فيضطر مستعمل الـ«فيسبوك» كل مرة للخروج من هذه المجموعة إن كانت لا توافق توجهاته. وهذا أسلوب لا تستخدمه المجموعات ذات التوجهات الدينية فقط، بل كذلك ذات التوجهات السياسية والتجارية أيضاً. وتقول ماريا روتينغر عن تأثير الـ«فيسبوك» بالنسبة لعمل هذه المجموعات: «لا يمكن الجزم بقوة تأثير الـ«فيسبوك» وحدها في عملية التعبئة أو إيصال المعلومات، لأن هذه الجماعات السياسية أو الدينية تستخدم وسائل إعلامية وتواصلية أخرى كـ«تويتر»، أو «يوتيوب»... وغيرها».
وأحياناً قد تتجاوز بعض الرسائل الدينية التي يتلقاها المرء، أسلوب الوعظ والإرشاد إلى أسلوب التهديد، حيث أن صاحب الرسالة يُنذرك بأن يحصل لك مكروه إن أنت لم تقم بإعادة ارسال الرسالة نفسها التي وصلتك، وكثيراً ما يطلب أن تتم إعادة إرسال الرسالة إلى عشرة أشخاص أو أكثر. يقول الكاتب المغربي عبد النبي داشين بهذا الصدد: «كيف يمكن استغلال وسائل تكنولوجية وُجدت في خدمة التواصل وتسهيل حياة الناس ضداً على حياة الناس، ولِلَجْم حياتهم وحريتهم». ويتابع داشين: «إذاً هو تجلٍّ آخر للعنف الفكري والنفسي على الناس»، معتبراً هذا النوع من الممارسات أخطر من العنف المادي أحياناً.


(دويتشه فيله)

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...