اقتصاد الدراما السورية

27-09-2006

اقتصاد الدراما السورية

خلال السنوات الأخيرة، وكما أصبح يلمس كل منا، حضرت الدراما السورية بزخم كبير على الساحة العربية لاسيما في شهر رمضان المبارك، مصطحبة معها الحياة السورية بعاداتها وتقاليدها، سماتها الاقتصادية وحركتها الثقافية، التاريخ العربي بإشراقاته ومعانيه... الخ، وإذا كان عدد المسلسلات الدرامية السورية المنتجة سنوية يمكن أن يؤشر على طبيعة الحراك الثقافي والاجتماعي الذي يحدث، إلا أنه من جانب يشير بوضوح إلى حجم التفاعل الاقتصادي الذي يتم سواء لجهة الاستثمارات الموظفة لإنتاج هذا العدد، أو عدد فرص العمل التي يوفرها...و حتى لنسبة القيمة المضافة التي تتم... الخ. ‏

تشير إحصائيات لجنة صناعة السينما التابعة لغرفة صناعة دمشق إلى وجود ما يقرب من 22شركة إنتاج فني، معظمها توجه نحو الإنتاج الدرامي التلفزيوني والقليل اهتم بالإنتاج السينمائي وأشكال أخرى من الإنتاج الفني، ومع تحول شهر رمضان المبارك إلى أفضل وقت لتسويق الإنتاج الدرامي بأسعار جيدة برمجت معظم هذه الشركات خططها ليتزامن إنتاجها مع قرب حلول الشهر الفضيل، وهو ما يعتبره مناف الفلاح مدير المؤسسة العربية للإعلان «خللا من شأنه التأثير سلبا على صناعة الدراما السورية ويضعف من تواجدها على الشاشات الفضائية العربية في باقي أيام السنة» مفضلا أن يتم «وضع خطط مستقبلية توزع الميزانيات المخصصة للإنتاج على فصول العام، و أمر يحقق عدة أهداف منها توظيف المزيد من الاستثمارات وبالتالي توفير المزيد من فرص العمل، وزيادة تواجد الدراما السورية على الساحة العربية وترسيخه في وجه المنافسة التي تتسع دائرتها أكثر فأكثر»... مشيرا إلى أن نسبة الإعلان خلال شهر رمضان تبلغ 40 ـ 50% من إجمالي الإعلان خلال العام، وهو ما يجعل شهر رمضان شهر ذروة العمل الإعلاني والإنتاجي الدرامي، وبالتالي يخصص له ميزانيات خاصة. ‏

في هذا العام قامت شركات الإنتاج الفني بإنتاج ما يقارب 28 عملا دراميا سوريا تبث خلال أيام رمضان على معظم الشاشات العربية، بحيث لا تخلو شاشة فضائية عربية من عرض عملين أو أكثر، وهنا يقدر عماد الر فاعي رئيس لجنة صناعة السينما «تكلفة الأعمال الدرامية السورية لشهر رمضان في هذا العام بنحو 1.5 مليار ليرة سورية» ولتكون بذلك تكلفة الحلقة الواحدة للعمل الدرامي الاجتماعي تتراوح ما بين 22 ـ 25 مليون ليرة، فيما تصل تكلفة الحلقة في الأعمال التاريخية إلى أكثر من مليون دولار... ‏

يحمل الرقم السابق عدة دلالات مهمة على الصعيد الاقتصادي، فإلى جانب الشريحة الاجتماعية الواسعة التي أصبحت تعتاش على هذا العمل، يتجاوز الرقم المباشر والموظف خلال فترة لا تزيد عن خمسة أشهر معظم الخطط الاستثمارية للكثير من القطاعات الاقتصادية مع ملاحظة إمكانية تضاعف الرقم بشكل كبير إذا ما اتخذت إجراءات محددة تنظم من آليات هذا الاستثمار، كتلك التي يطرحها السيد الفلاح والمتعلقة بغياب «جهة تسويقية على مستوى من الخبرة والحرفية تتولى تسويق الدراما السورية، إذ إن التسويق القائم حاليا عبارة عن تسويق فردي ارتجالي، يدفع أحيانا بالشركات الصغيرة إلى بيع أعمالها بأسعار زهيدة مما يحرج الشركات الأخرى أمام المحطات الفضائية» ويشير مدير مؤسسة الإعلان إلى «وجود خطوة سابقة لم تفعل في هذا السياق، حيث تم تأسيس لجنة لتسويق الأعمال الدرامية السورية ...لكن لم يكتب لها النجاح لعدة عوامل»... ‏

على أن لجنة صناعة السينما تطرح فكرة «إحداث شركة متخصصة بتسويق الأعمال الدرامية السورية، يناط بها مسؤولية التسويق عوضا عن قيام المنتج بذلك لتغدو الشركة هي من يتحكم بالمحطات الفضائية وليس العكس»... ‏

وإذا كان ضعف التسويق وفرديته (المعتادين عليها في أنشطتنا الاقتصادية والاستثمارية) يشكل عاملا رئيسيا في عدم الحصول على أسعار جيدة للأعمال الدرامية وتحكم الفضائيات بالمنتجين، فإن لبعض العوامل المتعلقة بمرجعية بعض القنوات الفضائية أثرا آخر على تسوق الدراما السورية سنويا رغم محدودية ذلك... ‏

وما دمنا نتحدث عن تسويق الأعمال الدرامية المنتجة، فعلينا أن نستعرض نقطتين... الأولى هي التجربة التي أطلقتها مؤسسة الإعلان خلال السنوات الثلاث الماضية عبر رعاية المسلسلات السورية المنتجة من قبل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أو من الشركات الخاصة، لدرجة أنها سجلت خلال شهر رمضان في العام الماضي رعاية بنحو 110 ملايين ليرة، ويعلق السيد الفلاح على أهداف هذه الخطوة بالقول «هناك هدفان تسعى لهما المؤسسة من خلال رعاية الأعمال الدرامية في شهر رمضان.. الأول تخفيف العبء المادي الذي سيتحمله التلفزيون فيما لو قام بمفرده بشراء الأعمال المنتجة في القطاع الخاص وحتى التخفيف من حجم التكلفة لما يقوم هو بإنتاجه، وثانيا دعم شركات الإنتاج الدرامي الخاصة عبر تمكين التلفزيون من شراء وعرض أكبر قدر من إنتاجها».. ‏

ويذهب الفلاح أبعد من ذلك ليؤكد أن طموح المؤسسة هو الدخول مستقبلا كشريك في «استثمارات بإنتاج الدراما ووسائل الإعلام (فضائيات ـ صحف...)» بحيث تصبح كما سماها «شريكا في صناعة الإعلان والإعلام والدراما.. ومساندة المجتمع في مختلف أنشطته الاجتماعية والخيرية... الخ». ‏

أما النقطة الثانية في حديث التسوق فتقودنا إلى آلية التسويق المعتمدة في التعامل مع الفضائيات العربية، فاقتناء الأعمال السورية قائم على شراء الحق الحصري بالعرض أو شراء عام، وهذا العام كما يشير الرفاعي فإن «الحق الحصري منح لأربع محطات فضائية قامت بالتنسيق مع المنتج بمشاهدة الأعمال واختيار ما أعجبها»، وبمزيد من التفصيل فإن سعر بيع الحلقة الواحدة من أعمال ذات الحق الحصري يتراوح ما بين 10 ـ 20 ألف دولار، فيما تقدر قيمة الحلقة الواحدة من باقي الأعمال والتي لم تمنح ميزة الحق الحصري بنحو 5 آلاف دولار في رمضان، وبعد انتهاء الشهر الكريم تصبح القيمة للحلقة الواحدة 1500 ـ 3000 دولار. ‏

يتميز الاستثمار في صناعة الدراما بناحيتين... الأولى أنه سريع العائدية لجهة رأسمال والإيرادات المحققة فهو ليس كالاستثمار الموظف في مشاريع كالزراعة والصناعة والنقل، والثانية أنه استثمار يصنع الشهرة والوجوه وهذه «عقدة» المواطن العربي، لذلك فنجاح هذا الاستثمار سيفتح الباب لمزيد من التدفقات الاستثمارية، وهذا ما حصل اليوم في الدراما السورية، فكما يقول الرفاعي «العام الحالي شهد دخول شركات عربية في مجال الاستثمار الدرامي، حيث دخل رأسمال من دول الخليج للاستثمار في الدراما كما حصل في مسلسل خالد بن الوليد، والمشاركة في إنتاج مسلسل الوزير وسعادة حرمه».. وهو توجه مرشح للتوسع بشكل كبير. ‏

والناحية الثالثة التي تحتاج لدراسة ومناقشة واسعتين تتعلق بسوية المنتج، الذي كما هو الحال في باقي المنتجات (رغم خطورته على تشكيل القناعات والمواقف والسلوكيات) تتفاوت درجة جودته تبعا لمستوى النص والعاملين فيه والميزانية المخصصة له، الأمر الذي يجعل من إنتاج أعمال ليست بذات سوية جيدة نتيجة طبيعية وقابلة للحدوث وتحدث أيضا، وهذا الأمر دفع أحد أصحاب الشركات الكبيرة لطرح فكرة تقوم على تشكيل اتحاد لمنتجي الأعمال الدرامية والفنية يكون من مهامه تدقيق الأعمال المنتجة لجهة الجودة فقط، وتسويق الأعمال ذات المستوى المتوسط جنبا إلى جنب مع الأعمال المتميزة بما يعود على كل منهما بالفائدة وعدم تضارب وقت العرض والقيمة... ‏

لا يخلو هذا القطاع من بعض المتاعب والهموم كحال باقي العمل الاقتصادي، فالمال من طبيعته توليد الخلافات والنزاعات والمنافسة، إلا أننا في هذه المادة حاولنا الوقوف على الجانب الاقتصادي للدراما التلفزيونية وما تعانيه....فمشاهدتها على الفضائيات العربية لا يحمل بوادر طيبة بأنها بعيدة عن المتاعب تماما كما يظهر أصحاب بعض الشركات الاستثمارية ببدلاتهم الزاهية في الحفلات والمناسبات الاجتماعية، والتي لاتحكي عما يعانونه من إحباط أو لا تعبر عن حجم ما يمارسونه من ألاعيب. ‏

زياد غصن

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...