كرة القدم سبب رئيسي لكي لايموت الناس من الملل

09-06-2006

كرة القدم سبب رئيسي لكي لايموت الناس من الملل

الجمل: من بعد الله تعالى لم يختلف الخلق على أمر كاختلافهم على كرة القدم!.. فاحتقار الكثير من المثقفين المحافظين لكرة القدم في بدايات القرن كان يستند إلى اليقين بأن عبادة الكرة هي الشعوذة التي يستحقها الشعب.. فالغوغاء المصابة بمس كرة القدم تفكر بأقدامها، والغريزة البهيمية تفرض نفسها على الجنس البشري والجهل يسحق الثقافة، وهكذا تحصل الدهماء على ماتريد .
وهناك بالمقابل مثقفون يساريون يزدرون كرة القدم: لأنها تحرف الجماهير عن النشاط الثوري.. خبز وسيرك ، سيرك دون خبز : فالعمال المنومون بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع . كما استنكر بعض القادة الفوضويين والاشتراكيين، في بدايات القرن، هذه الآلية البرجوازية لمنع الاضرابات وللتستر على التناقضات الاجتماعية.
فانتشار كرة القدم في العالم كان برأيهم مؤامرة امبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة!؟ ومع ذلك فإن نادي جونيور الارجنتيني ولد أول الأمرباسم نادي شهداء شيكاغو، تكريماً للعمال الفوضويين، الذين شنقوا في أول آيار، وهذا ما دفع ماركسيا شهيراً كأنطونيو غرامشي ليمتدح "مملكة الوفاء البشري هذه التي تمارس في الهواء الطلق".
هذي هي كرة القدم التي تحدث عنها " إدواردو غاليانو" في كتابه الرائع:" كرم القدم في الظل والشمس" فتاريخ لعبة كرة القدم، رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب.. وكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب، ووصل الأمر إلى أن تستنكر كرة القدم الاحترافية ما هو غير مفيد، أي كل مالاً يعود بالربح.. لقد تحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحاً في العالم، لايجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب!!
• اللاعب : يركض لا هثاً على شفير الهاوية.. في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر هوة الدمار.. رجال الأعمال يشترونه، يبيعونه، يعيرونه، ويسلم هو قياده لهم مقابل الوعد بمزيد من الشهرة ومزيد من المال. وكلما نال شهرة أكبر، وكسب أموالاً أكثر يصبح أسيراً أكثر.. في المهن الإنسانية الأخرى يأتي الغروب مع الشيخوخة .. أما لاعب كرة القدم، فقد يشيخ وهو في الثلاثين من عمره لأن العضلات تتعب باكراً.. وقد يشيخ قبل الثلاثين إذا مامزق سوء الحظ إحدى عضلاته أو كسرت ركلة إحدى عظامه التي لا سبيل لإصلاحها. وفي يوم مشؤوم يجد اللاعب أنه قد قامر بحياته وأن المال تبخر وطارت الشهرة معه أيضاً لتتأبط ذراع جواد آخر غير منسق..
• حارس المرمى: يسمونه كذلك / البواب والغولار / بينما نستطيع تسميته الشهيد، النادم، أو المهرج الذي يتلقى الصفعات. ويقولون أن المكان الذي يطؤه لا ينبت فيه العشب أبداً!؟ إنه وحيد، محكوم عليه بمشاهدة المباراة من بعيد. ينتظر وحيداً إعدامه رمياً بالرصاص بين العوارض الثلاث. يحمل على ظهره الرقم واحد لأنه الأول في دفع الثمن..
فحارس المرمى هو المذنب دائماً ، وعندما يقترف أي لاعب خطأ، يستوجب ضربة جزاء، يتحمل هو العقوبة.. يتركونه هناك وحيداً، أمام جلاده.
• المعبود: وفي يوم ميمون تقبّل ربة الريح قدم الرجل. القدم المذلة المهانة، ومن هذه القبلة يولد المعبود في كرة القدم. يولد في مهد من القش وفي كوخ من الصفيح ويأتي إلى الدنيا محتضناً الكرة. وفي سنوات شبابه ينتقل من فوز إلى فوز ومن تصفيق إلى آخر. الكرة تبحث عنه، تتعرف عليه، تحتاج إليه وعلى صدر قدمه تستريح. إنه يخرج منها الألق ويجعلها تتكلم.
• المشجع: مرة كل أسبوع يهرب من بيته على الاستاد. ترفرف الرايات، تدوي النواقيس الخشبية والألعاب النارية والطبول، تهطل أمطار من الشرائط وقصاصات الورق الملونة: المدينة تختفي، الروتين ينسى، ولايبقى أي شيء سوى المعبد! في هذا الحيز المقدس تعرض ألوهتها الديانة الوحيدة، التي لاوجود لملحدين بين معتنقيها! وعلى امتداد الصلاة الوثنية، يصبح المشجع كثيرين.. فهو يشاطر الألف الورعين أمثاله القناعة، بأننا الأفضل، وبأن جميع الحكام مرتشون، وجميع الخصوم مخادعون. المشجع هو اللاعب رقم اثني عشر، الذي يعرف من أين ينفخ ريح الحماسة التي تدفع الكرة حين تغفو مثلما يعرف اللاعبون الأحد عشر، الآخرون أن اللعب دون مشجع أشبه بالرقص دون موسيقا.
• المتعصب: هو المشجع في مشفى المجانين، يصل إلى الملعب ملتحفاً راية ناديه. مسلحاً بأدوات مقعقعة وحادة، وبينما هو في الطريق يكون قد بدأ بإثارة الكثير من الصخب والشجار، وهو لايأتي وحده مطلقاً كذلك يتحول هذا الخائف إلى مخيف، والمهان إلى مهين للآخرين. القوة الكلية في يوم المباراة تخالف حياة الإذعان في بقية الأسبوع حيث يظهر للمتعصب الكثير من الثارات.. فمجرد وجود مشجع للنادي الآخر يعتبر عدواً، والعدو دائماً مذنب ويستحق ليّ عنقه!
• الهدف : هو ذروة المتعة في كرة القدم.. ومثل ذروة التهيج الجنسي، أصبح /الجول/ يتناقض أكثر فأكثر في الحياة المعاصرة. الحماسة التي تنفلت كلما هزت القذيفة البيضاء الشبكة يمكن لها أن تبدو سراً غامضاً أو جنوناً، ولكن يجب أن نأخذ بالاعتبار أن المعجزات نادرة الوقوع. والهدف وإن كان جولاً صغيراً يتحول إلى جوووووول في حنجرة معلقي الإذاعة، وعندئذ يسيطر الهذيان على الحشود وينسى الاستاد  أنه في الإسمنت فينفصل عن الارض وينطلق سابحاً في الهواء!
• الحكم : إنه الطاغية البغيض الذي يمارس دكتاتورية دون معارضة ممكنة مثلما يمارس سلطته المطلقة بإيماءات أوبرا. الصفارة في فمه، ينفخ الحكم رياح القدر المحتوم ويمنح الأهداف أو يلغيها. وهو محق تماماً حين يصلي لدى دخوله أمام الحشود المزمجرة، فعمله يتلخص في جعل الآخرين يكرهونه .. يجري طوال الوقت ولا أحد يصفق له. خلال أكثر من قرن كان الحكم يرتدي لون الحداد على نفسه.. أما الآن فإنه يخفي حداده بالألوان!
• المدير الفني : في السابق كان المدرب، ولم يكن أحد يوليه كبير اهتمام ، ومات المدرب وهو مطبق الفم عندما لم يعد اللعب لعباً، وصارت كرة القدم بحاجة إلى تكنوقراطية النظام، عندئذ ولد المدير الفني ..كان المدرب يقول: سنلعب، أما المدير الفني فيقول:سنشتغل! وعند الانتصار لايذكر مطلقاً سر انتصاراته مع أنه يصوغ تفسيرات باهرة لهزائمه.. وهو يظن أن كرة القدم هي علم والملعب مختبر، لكن آلية الاستعراض تطحن كل شيء، والمدير الفني يمكن استخدامه ثم رميه مثل أي منتج استهلاكي.
• المسرح : اللاعبون يمثلون بأرجلهم في عرض موجه إلى جمهور كبير.. ولكن من يكتب النصر؟ أهو المدير الفني أم مهارة الممثلين أم الحظ الذي يهب حين يشاء؟ هناك لاعبون بارعون في فن تعذيب الآخر، وهناك لاعبون تاريخيون في فنون ابتزاز المنافع، كما يوجد لاعبون لا يعلى عليهم في تضييع الوقت.
الاستاد : هل دخلت يوماً إلى استاد مقفر؟ جرب ذلك .توقف في منتصف الملعب وأنصت: ليس هناك ما هو أكثر بكماً من المدرجات الخاوية.
• الكرة: كانت كرة الصينيين مصنوعة من الجلد ومحشوة بالقنب، والفراعنة صنعوها من القش ولفوها بأقمشة ملونة وكان الأغريق يستخدمون مثانة جاموس منفوخة. أما الكرة المطاطية التي تنفخ بمنفاخ والمغطاة بطبقة من الجلد فقد اخترعها الأمريكي تشارلز غوديير أواسط القرن الماضي.. وبفضل ذكاء توسوليني وبالبونسي، وبولو، وهم ثلاثة أرجنتينيين ولدت لعبة الكرة دون لمسها باليد، ومنذ مونديال 1938 صار بالإمكان ضربها، أي الكرة، بالرأس دون خوف من الأذى. حتى منتصف القرن كان لون الكرة بنياً ثم أصبحت بعد ذلك بيضاء. البرازيليون يعطونها أسماء أنثوية فهي: الطفلة أو ماريكوتا، أو لينور، أو مرغريتا.. وقد قبلها بيليه عندما سجل هدفه رقم ألف وأقام لها ديستيفانو نصباً عند مدخل بيته.
• قواعد اللعبة : بعد قرون طويلة من الإنكار الرسمي، انتهى الأمر بالجزر البريطانية على الإقرار بوجود كرة في قدرها.. ففي زمن الملكة فيكتوريا لم تعد كرة القدم مجرد رذيلة جماعية يمارسها الرعاع وحدهم، وإنما صارت كذلك فضيلة أرستقراطية.
وكرة القدم في شكلها الحديث تنحدر من اتفاق جنتلمان بين اثني عشر نادياً انكليزياً توصلوا إليه في خريف 1863 في إحدى حانات لندن، وقد تبنت تلك الأندية القواعد التي كانت قد أقرتها جامعة كمبريدج عام 1846 بعد أن تم الطلاق النهائي مابين كرة القدم والركبي، فقد منح حمل الكرة باليد أو توجيه ركلات إلى الخصم.. وبعد مرور قرن ونصف قرن على ذلك مازال هناك لاعبون يخطئون مابين الكرة ورأس الخصم!
• الكرة كراية : في عام 1961 أي في أوج الحرب العالمية مل نقيب من متراسه الذي يحميه فقفز فوقه وبدأ هجومه وهو يشوط كرة باتجاه الخنادق الألمانية فما كان من جنوده إلا أن التحقوا به . قتل النقيب بطلقة مدفع، لكن أنكلترا تمكنت من الاستيلاء على تلك الأرض واحتفلت بالمعركة باعتبارها أول انتصار لكرة القدم الإنلكيزية في الحرب!
فكرة القدم والوطن مرتبطان على الدوام .. وكثيراً ما يضارب السياسيون والديكتاتوريون بهذه الروابط. ففصيلة كرة القدم الإيطالية ربحت مونديالي 34 و 38 باسم الوطن، وكانت بالنسبة لموسوليني، كما كانت كرة القدم بالنسبة للنازيين مسألة دولة. يؤكد ذلك ما حصل أثناء الاحتلال الألماني لكييف 1942 عندما اقترف فريق دينامو كييف حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي.. وكان الألمان قد حذروهم (إذا ربحتم ستموتون) في بداية اللعب كانوا يرتجفون من الخوف والجوع لكنهم لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة .. فأعدم اللاعبون جميعاً بعد انتهاء المباراة العاشرة.
وفي أوج حرب الاستقلال شكلت الجزائر منتخب كرة قدم ارتدى قمصاناً بلون  العلم الوطني، وقد تألف الفريق من لاعبين كانوا محترفين في كرة القدم الفرنسية، ولكن الحصار الذي فرضته فرنسا حال دون تمكن الجزائر من اللعب! إلا مع المغرب الذي يتعرض بسبب هذه الخطيئة إلى الإبعاد من "الفيفا" لبضع سنوات.
ولكن بعد انتزاع الجزائر لاستقلالها، لم تجد كرة القدم الفرنسية بداً من العودة إلى استدعاء اللاعبين الجزائريين لتزين بهم ملاعبها.
نعود إلى غاليانو مؤلف (كرة القدم بين الظل والشمس) الذي ينفخ قارئه بالفرح ككرة لطيفة، حيث يقدم لنا الأحداث السياسية والاجتماعية والحكايات الشيقة المعاصرة لها.. أبطالها الذي يشبهون أبطال التراجيديا اليونانية، والسحر الذي يميزها عن غيرها. تدور الكرة والعالم يدور.. إنه احتفال للعيون التي تنظر وسعادة للجسد الذي يلعب .. كرة القدم الاحترافية تفعل كل ماهو ممكن لتجنب طاقة السعادة هذه ، ولكنها تحافظ على حياتها رغم كل المحن، وربما كان هذا هو السبب في أن كرة القدم تبقى مدهشة وهي سبب رئيسي لكي لا يموت البشر من الملل..


الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...